نيسان بين 1946 و2018

في 17 نيسان/ أبريل من عام 1946، احتفل السوريون بجلاء آخر جندي فرنسي عن سورية، بعد فترة انتداب فرنسي استمر عقدين ونصف. قبل ولادة سورية كدولة، كانت قد فُصلت عن شقيقاتها: لبنان والأردن وفلسطين، التي تُعرف تاريخيًا ببلاد الشام، حيث أصبحت اثنتان منها دولتين شقيقتين، وسُلّمت الثالثة: فلسطين، لإقامة دولة تحقق هدف الحركة الصهيونية، وتحقق بالأساس رغبة الغرب في التخلص من المسألة اليهودية، وإقامة كيان يفصل مشرق العرب عن مغربه.

كان الجلاء نتيجة لنضال شعبي، مسلح وسياسي، لتحقيق أمل السكان في الوصول إلى مرحلة يديرون فيها حكم بلدهم بأنفسهم، ويحققون أملهم في الحرية، بعد فترة طويلة من سيطرة عثمانية وفرنسية على بلدهم.

بعد ستة عقود ونصف، عام 2011، حاول السوريون الحصول على حريتهم، ليس ضد حكم أجنبي، بل ضد سلطة محلية مستبدة استغلت البلد لمصلحتها الخاصة، تحت ستار مقاومة الصهيونية وداعميها في الغرب، لكن هذه المقاومة أو الممانعة، بعد سبع سنين، أدت إلى مقتل أكثر من نصف مليون سوري وتشريد نحو نصف سكان سورية، عدا آلاف السجناء والمختفين قسريًا، وتدمير المراكز السكانية على رؤوس أصحابها، والأخطر من كل ذلك إخضاع سورية ليس لاحتلال فقط، بل لعدة احتلالات، بعضها مباشر وآخر بالنيابة.

جرت مياه كثيرة خلال سبعة عقود ونيف، منذ الاستقلال الأول، سيطرت فيها على سورية حكومات عديدة، كان شعارها المعلن الحرية ومعاداة الاستعمار ومقاومة أحلافه، الاهتمام بالخارج على حساب الداخل، بمصالح من يمسك السلطة على مصالح بقية الناس، حتى وصل الأمر أخيرًا إلى اعتبار أن الحفاظ على السلطة هو المقياس الأهم، الذي يُضحى في سبيله بأرواح الناس وممتلكاتهم، ولو أدى هذا إلى احتلال جديد، وهكذا تعود سورية إلى المربع الأول، بهمة بعض أبنائها وتقاعس بعضهم الآخر، وآلام أغلبية الشعب.

بعد سبعة عقود على الاستقلال، يمكن الرجوع إلى محطات مهمة في تاريخ سورية: الأولى فترة الانقلابات حتى 1954، التي تلتها سنوات أربع من محاولة ممارسة الديمقراطية، تلتها مرحلة الوحدة السورية المصرية، التي أتت ردًا على المشاريع الغربية لإعادة الهيمنة على المنطقة، والتي انتهت بفشل التجربة لأسباب ذاتية وموضوعية، وأخيرًا مرحلة حكم البعث التي كانت الأخطر، هزيمة 1967 وخسارة الجولان الذي تمّ إعلان تحريره عام 1974 بإعادة 100 كم2، من ضمنها القنيطرة المهدمة، أما بقية الجولان، فبقي تحت الاحتلال الإسرائيلي، ينتظر سكانه، المهجرون منه والباقون في قراهم، عودتهم إلى حضن بلدهم، بعد سنوات طويلة سئموا فيها شعارات مكررة في الإعلام عن المقاومة والتحرير، وقد اكتشفوا أنها لم تكن إلا غطاء  للفساد والتسلط.

ما هو وضع سورية اليوم؟ دولة محتلة تتقاسم السيطرةَ على أراضيها عدةُ قوى كبرى، وأخرى تحاول أن تكبر، وتصر هذه القوى على إبقاء سلطةٍ لم يبق لها من النفوذ سوى الاسم بشؤون بلدها، ضمن محيط عربي حاول سكانه تجربة النهوض في ربيع عربي طال انتظاره، وتنشغل سلطاته بإعادة هيمنتها على شعوبها، مؤيَّدة من نظام عالمي، يتغنى بحقوق الإنسان ويخنقها يوميًا.

السؤال الذي يؤرق السوريين، بعد هذه الأعوام، وبعد شتاتهم داخل البلد وخارجه: ما الأسباب التي أوصلتنا إلى هذا الحال؟ هل يكفي تحميل أخطائنا للآخرين: الإمبريالية والصهيونية تارة، وحكامنا وسلطاتنا القمعية والفاسدة تارة أخرى، أم يجب أن ننظر إلى أنفسنا ونتساءل عن أخطائنا، ونعيد تقييم تجربتنا، لنحدد بعدها مسار المستقبل؟ إن تجربة مختلف الشعوب -عبر التاريخ- تقول إن من يسلم قياده لغيره، يحقق مصالح الغير، وإن درب الآلام الذي مشاه شعبنا سيقوده إلى الطريق الذي يوصله إلى نيل حريته، وإن عمر الثورات لا يقاس ببضع سنين، بل بمدى ما تتعلمه الشعوب.