حركيات الأيديولوجيات المستبدة في المنطقة العربية

نشأت معظم الأحزاب اليسارية العربية، بشقيها القومي والشيوعي، كنسخ محلية عن الأحزاب الأوروبية في النصف الأول من القرن العشرين، لكن من دون أن يدعمها مستوى مماثل من التطور الاقتصادي والاجتماعي، يسوِّغ شعاراتها ويجعل برامجها قابلةً للتطبيق، ثم تكيفت هذه الأحزاب مع ظروف الحرب الباردة، وتحالفت مع المعسكر الشرقي؛ فكانت صورة الحزب القائد والزعيم الأوحد ماثلةً دومًا في أدبياتها وممارساتها، وكانت انقساماتها مجرد تفريخ لمجموعات مستنسخة، لها الطبيعة نفسها، فدُعيت بجماعات فلان أو علّان.

وعملت الأحزاب القومية التي وصلت إلى الحكم، كالناصرية والبعثية، على تعبئة الشباب، المصدر الرئيس للطاقة الاجتماعية، في أحزابها بشتى السبل، مستغلة أجهزة الدولة، وتحوّلت إلى غطاء عقائدي لصعود الاستبداد وتمكينه، وإلى تجمعات تراقب أعضاءها وسواهم، ثم ترفع التقارير إلى الأجهزة الأمنية ذات السطوة والنفوذ كحامية للأنظمة. فيما بقيت الأحزاب المعارضة على هامش المجتمع المؤطَّر في منظمات ونقابات محكومة من قبل أجهزة الأمن، وكانت أقرب إلى نسخ مصغرة عن أحزاب الأنظمة الحاكمة، فهي محاصرة بالقمع من جهة، ولا تصلح كبديل ديمقراطي، يلهم الشباب ويؤمن لهم الحد الأدنى من المصالح والدوافع، من جهة أخرى.

لذا؛ لم تكن الأحزاب اليسارية خارج الحكم في وضعٍ يسمح لها باستيعاب كل حديث وجديد، وبخاصة بعد ثورة الاتصالات في بداية القرن الحالي، وتحولت إلى هياكل فارغة لا يؤمّها غير “كهنتها” الذين صاروا خارج دائرة التأثير والفعل إلى حدّ بعيد. ومن سخرية القدر، بعد أن هامت القوى اليسارية على وجهها بعد انهيار الاتحاد السوفيتي، أن التحقَ الكثير من أفرادها بالأنظمة الحاكمة، انطلاقًا من الوشائج العقائدية المشتركة؛ ففقَدَ “اليسار”، على العموم، يساريته، وأعطى كل المبررات للإسلام السياسي، ليطرح نفسه بديلًا للأنظمة القائمة.

بين مطرقة الأنظمة الحاكمة وسندان “شيوخ” الأحزاب اليسارية، اغترب الشباب في واقعهم أو خارجه، فلجأ بعضهم إلى الدين كملاذ، وإلى الجهاد كتنفيس عن انفعالات شبابية، لا تجد لها تصريفًا كافيًا في أنشطة اجتماعية مفيدة؛ فكانوا وقودًا لثورات “الربيع العربي”، وضحايا الحركات الإسلامية الجهادية التي تكاثرت كالفطر بعد هذه الثورات، واستمر توجيه طاقات الشباب الفائضة نحو العنف والتدمير، من قبل مختلف قوى الاستبداد المزودة بإعلام تحريضي، يبدأ من قنوات رعاية الإرهاب، وينتهي في قنوات الممانعة والمقاومة.

لم يقض استيلاء العسكر على السلطة، منذ منتصف القرن الماضي، على حركات الإسلام السياسي، إنما نقلها القمع الشامل الممارس من قبل دكتاتوريات العسكر إلى مراحل جديدة، سمتها التطرف ونشوء النزعات التكفيرية داخلها، بعد أن كانت تشارك في الحياة الديمقراطية على قدم المساواة مع الأحزاب الأخرى، في النصف الأول من القرن العشرين، فقامت بمحاولات عدة للاستيلاء على السلطة باستخدام العنف.

كانت هزيمة الأنظمة العسكرية ذات الأيديولوجية القومية، في حرب حزيران/ يونيو 1967، اللحظة المناسبة ليطرح الإسلام السياسي نفسه بديلًا، بغياب أو ضعف البدائل الأخرى؛ ما فتح صفحة جديدة من الصراع بين الفريقين، في معظم البلدان العربية. في هذه الأثناء، كانت القوى القومية والشيوعية المعارضة تحاول اللحاق بتاريخٍ تجاوزها بمسافات طويلة، بعد فشل الأنظمة الشيوعية القائمة على تراتبية استبدادية، لطالما ألهمت الأنظمة المستبدة على امتداد العالم الثالث، بعد أن ألهمت الاشتراكية شعوبًا كثيرة حلمت بالخلاص من الظلم، وأفضى ذلك إلى حصول الإسلام السياسي على المزيد من الدعم المعنوي، وخاصة بعد تلقيه دعمًا أميركيًا بالسلاح، لمحاربة التدخل السوفيتي في أفغانستان، في ثمانينيات القرن الماضي وتشكيل منظمة “القاعدة”.

وهكذا، تحوّل الإسلام السياسي إلى قوة شبه مهيمنة على الشارع، في معظم البلدان العربية، إن لم يكن في جميعها، ولاذ الناس بفتاوى المشايخ وخطبهم بحثًا عن أمل مُفتقد، في الوقت الذي تراكمت فيه عوامل الانفجار. وتبيّن أنّ ما راكمته الأنظمة المستبدة من وسائل قمع لن يكون ناجعًا في مواجهة انتفاضات شعبية، كانت تعتمل تحت السطح، بخلاف النجاح الذي حققته هذه الأنظمة في قمع الأفراد والمنظمات والأحزاب شبه المعزولة اجتماعيًا.

ومع اندلاع ثورات “الربيع العربي”، كان الإسلام السياسي جاهزًا للفعل، وسارع إلى الانخراط في قلب الحركات الشعبية وتحويل مسار الأحداث، مغتنمًا هذه الفرصة التاريخية لتوطيد دعائم استبداده الخاص، المتجاوز للسياسي إلى كافة أوجه الحياة، وبكافة الوسائل الممكنة، مع تباينات إلى هذه الدرجة أو تلك ومن بلد لآخر.

غنيّ عن القول، خلافًا لباقي القوى السياسية، أن الإسلام السياسي امتلك بنيةً تحتية مهمة وثابتة؛ فكرية تتعلق بحرية الدعوة، ومكانية تتمثل بأمكنة العبادة، والتي لا يمكن منعها، مهما بلغت شدة القمع؛ لأن الدين هو أيضًا ملعب الأنظمة المستبدة، للاستمرار في تجهيل الشعب وصرفه عن إدراك حقوقه المدنية أو السعي إليها.

وبسبب قمع الأنشطة السلمية؛ انتشر التطرف في بيئة الاستبداد، وخاصة بوجود أيديولوجيا دينية، يمكن استنباط حالات متطرفة منها بطرق دعوية تلاقي قبولًا شعبيًا نتيجة المظالم المتراكمة، وتعبّر عن نفسها كوجهة نظر تدعمها نصوص امتلكت أحقية سرمدية. ونظرًا إلى أنها مشروطة بزمانها ومكانها؛ فإن محاولة تطبيقها، كما هي، في واقع معاصر، تتطلب استحضار وسائل تحقّقها القديمة وغير المناسبة، وهو ما تتبناه جميع الحركات السلفية، وإن اختلفت المسميات.

في هذه الظروف، يحدث الانزياح التدرّجي من الحركات الأقل تطرفًا، كالإخوان المسلمين إلى الحركات السلفية، كضرب من “تسليم الراية” للقوى الجنينية المتشكلة في الرحم ذاته، وفي آلية داخلية يحكمها التشدد المتزايد، في محاولة للتغلب على العقبات غير القابلة للتجاوز، باعتبارها معاكسة لحركة التاريخ.