الأردن أولًا… أما سورية!

 

“الأردن أولًا” شعار أطلقه العاهل الأردني الراحل الملك حسين بن طلال، في تسعينيات القرن الماضي، وخلاصته أنه يولي اهتمامه للأردن أولًا، قبل أي شأن عربي أو دولي.

قبل أيام، خرج رئيس مجلس النواب الأردني بتصريح يدعو فيه إلى عودة النظام السوري، إلى الحضن العربي الممثل بجامعة الدول العربية، مبررًا ذلك بأنه لا يجوز إبعاد أي دولة عربية من الجامعة، “لمجرد خلاف سياسي”. إذًا؛ يرى النائب ورئيس مجلس النواب أن ما حصل ويحصل في سورية هو مجرد خلاف سياسي بسيط، لا يدعو إلى تكدير أجواء الجامعة الصافية.

لسنا ضد شعار “الأردن أولًا”، فحق بل واجب أي حكومة في العالم أن تولي اهتمامها بشعبها ورخائه وعيشه الكريم، لكن بشرط أن لا تتسبب هذه الأولوية بعمى أخلاقي، يجعلها شريكةً في جرائم مروعة ارتكبها هذا الحاكم أو ذلك النظام، ويجعلها تخرج عن النواميس والقواعد الأخلاقية التي تحكم المنظومة البشرية، من خلال التشريعات والاتفاقات الدولية. وقد تزامنت دعوة رئيس البرلمان الأردني، مع ليلة قصف النظام السوري مدينة دوما بغاز السارين القاتل والمُحرم دوليًا، وأتت في فترة تتداعى فيه كل دول العالم المتحضر، إلى ضرورة محاكمة المجرمين المتورطين في استخدام السلاح الكيميائي.

كان من الممكن أن تكون دعوة رئيس البرلمان الأردني أقلّ بشاعةً وأخف وطأةً، لو أنها صدرت عن مسؤول حكومي، كوزير المواصلات أو وزير الاقتصاد، أو حتى عن رئيس مجلس الوزراء، كون هؤلاء يُمثّلون الحكومة ومصالحها، أما رئيس مجلس النواب فهو يمثل رأي الشعب والشارع الأردني، لذلك كان التصريح مؤلمًا، حيث كان من المأمول من مجلس النواب أن يُعارض الحكومة لو أنها قررت إعادة العلاقات مع دمشق.

بالأمس، صرح رئيس غرفة التجارة في دمشق، بأنه ينتظر زيارةً مهمة من طرف غرفة التجارة الأردنية، مكونة من ثلاثين تاجرًا أردنيًا، لإجراء مباحثات عن عودة فتح المعابر والصادرات السورية إلى الأردن، وذلك بين 16 و19 من شهر نيسان/ أبريل الحالي، وتأتي هذه الزيارة، بعد زيارة مماثلة قام بها الوفد الأردني إلى العراق، وفشل في تحقيق اختراق اقتصادي هناك؛ بسبب سيطرة إيران على العراق وعلى المعابر التجارية، من خلال امتثال الحكومة العراقية للأوامر الإيرانية، ومنح المنتجات الإيرانية أولوية في أسواق العراق، ومنعها العراق من الاستيراد من الأردن إلا بعد إشباع السوق العراقية بالمنتجات الحيوانية والنباتية الإيرانية.

من حق الأردن أن يبحث عن مصالحه، في عالم مضطرب سياسيًا واقتصاديًا ومعقد أمنيًا، لكن عن ماذا يبحث تجار الأردن في دمشق؟ اليوم، لا تنتج سورية سوى غاز السارين والكلور، وهو للاستخدام المحلي تنتجه الحكومة السورية، لمعالجة بعض الخلافات السياسية التي أشار إليها رئيس مجلس النواب الأردني، وتُنتج كذلك الجثث عبر الكثير من خطوط التشغيل: خط صيدنايا (المشهور بخط قيصر) وخط السارين وخط البراميل وخط داريا إلخ إلخ، والأردن ليست ضمن البلدان المشهورة بصناعة الغزل والنسيج، كي تُصدر الأكفان إلى سورية، وطبيعتها الصحراوية والجبلية غير مناسبة لاستيراد الجثث من سورية.

كانت الأردن من أوائل الدول التي صرّح ملكها بأن على الأسد الرحيل، ومن أوائل الدول العربية التي مالت إلى الخط الروسي، حيث اكتشفت مبكرًا أن إدارة أوباما غير جادة في إحداث تغيير في سورية، وتُعدّ الأردن، عربيًا، مؤشرًا مهمًا لحقيقة السياسات الغربية في المنطقة، إذ إنها أول من يلتقط الإشارة من تلك الدول.

في الختام، لا نرى أنه شرف عظيم للحكومة الأردنية أن تقود تطبيع العلاقات، من نظام جرّب كل أنواع الجرائم بحق شعبه، ولو كان ذلك على حساب مرابح بعض تجار الأردن، ولا نظن أن الشعب الأردني الشقيق سيكون سعيدًا بجلوس الملك الأردني إلى جانب بشار الأسد في قاعة واحدة، تحت سقف الجامعة العربية العقيمة.

1 عدد الردود

التعليقات مغلقة