مقالات الرأي

من سيملأ الفراغ إذا انسحبت أميركا من سورية؟

 

إن أخذنا تصريح ترامب، عن الاستعداد لسحب القوات الأميركية من سورية، على محمل الجد، فسيكون السؤال الأول المطروح على كافة الأطراف، كما على المحللين والمتابعين للصراع في سورية، وللدراما الداخلية في واشنطن، هو: من سيملأ الفراغ الأميركي في “الملف” السوري، وعلى الأراضي الواسعة التي تتواجد عليها القواعد الأميركية؟

يلفت الانتباه، بخصوص تصريح ترامب، ذلك الصمت في ردّات الأفعال من الأطراف المنخرطة في الصراع على سورية. فلا روسيا أدلت بدلوها، ولا الحكومة التركية أيضًا، التي تمر علاقاتها بواشنطن بمنعطفات حادة. كذلك شأن إيران التي تعدّ الوجود الأميركي في سورية، عسكريًا وسياسيًا، نذيرَ شؤم على دورها في سورية، وأكثر من ذلك حيث أهداف طهران الاستراتيجية كلها تصطدم بما تعلنه إدارة ترامب، حول القضايا التي تمس صميم المصالح التي تسعى إليها سلطة الملالي، من الملف النووي إلى دعم الإرهاب، وصولًا إلى النفوذ الواسع الذي حققته طهران، في أربع دول عربية: (العراق وسورية ولبنان واليمن).

حتى اللحظة، لم تعلن القيادة الإسرائيلية عن اعتراضها على قرار ترامب، ولا عن ارتياحها له. ومعلوم أن “الصندوق الأسود” الذي تضع فيه واشنطن سياستها الشرق أوسطية مخبّأٌ عند تل أبيب، لذلك فهي لا تتعامل مع التصريحات والإعلانات الأميركية، بل مع ما تعرفه من داخل مؤسسات صنع القرار في واشنطن. وما يستوقف المراقبين أن تتزامن تصريحات ترامب تلك، مع إعلان تل أبيب عن تحليق طائرات F35 فوق إيران، ويشكل ذلك رسالة تتصل بموضوع السلاح النووي الإيراني، وكأن تل أبيب تريد القول: إننا جاهزون لإنهاء الترسانة النووية والبالستية الإيرانية.

هذا التريث والحذر، من قِبل الدول المنخرطة في الصراع في سورية وعليها، يمكن تفسيره بأنه استخفاف بجدية تنفيذ ترامب لتصريحه بالانسحاب، كما يمكن أخذه من زاوية أخرى، تقتضي مراجعة تلك الأطراف لحساباتها قبل إشهار الموقف الواضح، والأكيد أن الانسحاب الأميركي من سورية سيعيد خلط الأوراق بشكل جذري، بما يترتب على ذلك من نشوء تناقضات جديدة، وانفراط تحالفات قائمة، وتأسيس تحالفات تقتضيها مرحلة ما بعد الانسحاب، إن حصل فعلًا.

لكن، على فرضية أن يتمّ تنفيذ الانسحاب الأميركي عمليًا من الأراضي السورية، من هو الطرف أو الأطراف التي سوف تتمكن من ملء الفراغ العسكري والأمني والسياسي في ملف الأزمة السورية؟ هل هي موسكو التي تمسك بأوراق كثيرة، ولديها قوى عسكرية كبيرة على الأرض؟ واقع الحال في السياسة الروسية، نحو دور أميركا في سورية، كان يتمحور حول ضرورة قبول واشنطن بالدور الروسي في إدارة الأزمة السورية، خلال مداولات البحث عن حل سياسي للصراع المعقد الذي يزداد تعقيدًا يومًا بعد يوم. ولم يكن المطلب الروسي أن تخرج واشنطن كليًا من متابعة الأزمة والمساهمة في حلها، بشروط تناسب استراتيجية موسكو في المنطقة. وفي حال استقالة واشنطن من دورها السياسي والعسكري؛ ستقف موسكو قبالة مشكلات أكثر تعقيدًا. فهناك أولًا شمال وشرق سورية، الذي تتصارع حوله ثلاثة أطراف، لا تريد موسكو مواجهة خيارات احتدام التناقض بين تلك الأطراف: (إيران وتركيا وحزب العمال الكردستاني). فمع الانسحاب الأميركي؛ ستندفع هذه الأطراف إلى ملء الفراغ، وإذا كانت “قوات حماية الشعب” هي الأقل اهتمامًا لدى السياسة الروسية، فالأمر بين طهران وأنقرة سيكون بالغ الأثر، على الخيارات الروسية في سورية وفي منطقة الشرق الأوسط. في حال انتقلت العلاقة التركية – الإيرانية من التفاهم التكتيكي إلى الصراع في الميدان. ويأتي ثانيًا، وربما هو الأكثر دقة وحساسية، ما يترتب على الغياب العسكري الأميركي عن الأراضي السورية، من اندفاع إيراني لقطف الثمار يواجهه قرار إسرائيلي، لا تراجع عنه، بمنع طهران من الامتداد والاقتراب من “حدودها الأمنية”، عبر ربط طهران بجنوب لبنان وتوسيع وجودها في سورية. ومن الناحية الرئيسية، لا ترغب موسكو في دور كبير لطهران في سورية، يجعل الأخيرة المقرر الأول لمستقبل سورية. كما يشكل التوسع الإيراني في سورية تهديدًا للأردن الذي لا يستطيع بمفرده حماية أمنه، من دون الوزن الذي توفره واشنطن له، وستكون موسكو على علاقة متوترة مع عمان، من جرّاء تطاول الدور الإيراني.

مفاده، على الرغم مما يبدو عليه الانسحاب الأميركي للوهلة الأولى، بشكل مباشر، من أنه انتصار لموسكو، فالأغلب أن موسكو ستتحمل أعباء ما تنتجه اللوحة الجديدة للتناقضات في سورية وفي عموم المنطقة. أعباء هي في غنى عنها، وستدخلها في متاهات معقدة تفوق قدرتها على التحكم بخيوط الأزمة، وتجعلها في سفح أزمات لا تستطيع حلها “بسلاحها الجبار” الذي استخدمته ضد الشعب السوري، بحجة محاربة الإرهاب.

وعليه؛ يمكن قراءة قلة الاكتراث الدولي والإقليمي، بتصريح ترامب عن الانسحاب من سورية، على أنه دليل على عدم التصديق لإمكانية قيام واشنطن بتنفيذ هذه الخطوة. يضاف إلى ذلك أن أقطاب الأمن القومي والبنتاغون عارضوا هذا التصريح، وهم مع وزير الخارجية الجديد جون بولتون يُشكّلون الركن المتكامل للإدارة الأميركية. ويمكن أن نضيف إلى ذلك كله، احتمال أن يكون التصريح قنبلة دخان، لإخفاء أمرٍ ما يستعد ترامب للقيام به، إذ إنه بنى سياسته الخارجية على إعادة النظر بسياسة أميركا نحو طهران، وفي أيار/ مايو المقبل، سيكون النقاش في الكونغرس لحسم الموقف الأميركي من الملف النووي الإيراني، ومن الدور الإيراني الإقليمي والعالمي.

أخيرًا، فإنّ أخذ تصريحِ ترامب عن الانسحاب على محمل الجد الأكيد، فيه مغامرة في التفكير والتحليل. وليس ضرورة أن يعلن ترامب تراجعه عن تصريحه المذكور، فلقد عوّدنا منذ بدء ولايته على تصريحات كثيرة لم تنفذ، أو نفذت بشكل معكوس. فهو كلاعب السيرك، يبدو وكأنه معلق في الهواء ويمكن أن يقع، لكن شبكات الأمان تتلقفه لتمنع سقوطه وتحطمه.

مقالات ذات صلة

إغلاق