في أسباب تأخر نهوض العرب

 

(1)

تنهض المجتمعات العربية، بما ينهض به غيرها من المجتمعات. ينهض الفرد المسلم، بما ينهض به غيره من الأفراد حول العالم. هناك قانون اجتماعي للنهوض مشمول في قانون كوني، من يتعرّف إليه ويأخذ بأسبابه؛ ينجح. من لا يعرف السباحة؛ فسوف يغرق بغض النظر عن قومه ولونه ودينه. الدولة التي يفسد نظام القضاء والعدالة فيها، لن تكون دولة ناجحة! وقس على ذلك.

(2)

لا يوجد جوهرٌ عربي ثابتٌ، سواء أكان شريفًا أو مُتخلفًا، كما لا يوجد جوهرٌ ثابتٌ للإسلام، سواء أكان شريفًا أو متخلفًا. فالكينونة الاجتماعية البشرية –سواء أكانت فردًا أو مجتمعًا- هي صيغة حركية متغيرة، هي شكل يتشكل من أبعاد وجود الكينونة، بما يشمل تفاعل الأبعاد التاريخية والجغرافية السكانية والعلمية والعقائدية والاقتصادية والإدارية والسياسية الاجتماعية.(1) إن الصيغ والأشكال المختلفة للعروبة والإسلام –أو أي قومية أو دين آخر- تعرضُ وتتضمن مصالح متفاوتة الحيوية، ربطًا وقياسًا بأولويات الحياة والعدل والحرية واحترام حقوق الإنسان.

ما سبق من مقولات يؤكد أهمية الفاعلين الاجتماعيين والسياسيين، وينعش الأمل بإمكانية النهوض، فـ “العرب ليسوا جرب”، كما يقول المثل، والعرب المسلمون ليسوا بدوًا وغزاةً، كما يقول بعض العلمانويين/ مُدعي العلمانية ودعاة سورية الآرامية – السريانية مثلًا، و”العرب ليسوا ظاهرة صوتية”، كما وصفهم عبد الله القصيمي في كتاب يحمل العنوان ذاته، كما أن العرب ليسوا “أمةً وحشية، أهل نهب وعَبَث، وإذا تغلبوا على أوطان؛ أسرع إليها الخراب، يهدمون الصروح والمباني ليأخذوا حجارتها أثافي للقدور”(2)، كما ذكر ابن خلدون في مقدمته. فهذه الأوصاف مُختزلة وتدخل في إطار الصورة النمطية عن الذات والآخر.

(3)

تتجاوز العروبة كونها فقط عرقًا وقومية مخصوصة، بل هي فضاء ثقافي حضاري غني يشمل مجموعات عرقية وقومية مختلفة، وُجدت تاريخيًا وتفاعلت مع بعضها البعض، هي فضاء ثقافي حضاري شَمَل ويشمل الأكراد والآشوريين والأقباط والأمازيغ والسريان وغيرهم، بالطبع دونما تمييز سياسي ضدهم أو معهم، أو إنكار لحقوقهم الثقافية.

(4)

يتجاوز الإسلام كونه عقيدة دينية فقط، بل هو فضاء ثقافي حضاري مُشترك يشمل غير المؤمنين عقائديًا، وكل التعبيرات المُمكنة عن الإسلام من مذاهب وتيارات، بما يشمل السنة بمذاهبها المختلفة والمعتزلة والقرآنيين، وكذلك ما تفرع عن الشيعة من جعفرية – زيديين – إسماعيليين – موحدون دروز – علويين.. إلخ. وعمليًا لا يمكن فصل العروبة عن الإسلام، ولا ينبغي إنكار العروبة أو إنكار الإسلام! بل المطلوب البحث عن صيغ حيوية في الثقافة العربية الإسلامية، تلتزم بأولويات الحياة والعدل والحرية واحترام حقوق الإنسان.

(5)

تقوم فلسفة الحداثة، في أهم أسسها، على ضرورة الفصل –إجرائيًا- بين الحقول المختلفة للحياة والمعرفة. هذا مبدأ صالح وضروري لتحقيق أسباب النجاح وتحديث مُجتمعاتنا.

عندما يسأل أحدهم: ما هو شكل الأرض؟ تكون الإجابة في حقل العلم واختصاص علم الفلك، ولا تكون الإجابة في حقل الدين ومرجعية القرآن الكريم أو أي كتاب مقدس آخر، ولو فرضنا -جدلًا- أن أحدهم قدّم إجابة من القرآن الكريم، فهي ليست برهانًا علميًا وليست حجة بمقياس عموم الناس! إذا انطلقنا من مبدأ الفصل هذا؛ فسوف نتجنب الكثير من الجدال وهدر الجهد والوقت.

من تطبيقات هذا المبدأ الصالح.

العلمانية: الفصل ما بين السياسة والدين، بمعنى حيادية الدولة تجاه عقائد مواطنيها، وتجنب استغلال السياسي لرجال الدين والعكس أيضًا، العلمانية هنا من مُتطلبات تحقيق العدل في المجتمع. العلمانية المقصودة هي شكل تنظيمي إجرائي، تحترم خيارات الإنسان العقائدية. العلمانية قانون سياسي – اجتماعي للنهوض، هو وليد خبرة إنسانية مُتراكمة عبر قرون وقرون.. من يأخذ به ينجح.. لا أقول إن العلمانية هي الحل بـ (أل) التعريف، بل حل لمشكلة سياسية – اجتماعية مُحددة تعاني منها المجتمعات العربية الإسلامية، وتُقاسي منها الأمرين.

الديمقراطية: الفصل ما بين السياسة والعسكر، الشعب/ الأمة هو مرجعية الحكم بشروط. المؤسسة العسكرية في أي دولة هي سلطة، والسلطة بطبيعتها تميل للتمادي، فكيف بسلطة تحتكر أسباب القوة والعنف! من هنا وُجِدتْ الحاجة إلى الفصل بين السياسي والعسكري، وحصر اختصاص المؤسسة بحماية الدولة والحفاظ على أمنها، أي تقيد المؤسسة العسكرية كأداة تنفيذية من أدوات الحكم. الديمقراطية قانون سياسي – اجتماعي للنهوض، هو وليد خبرة إنسانية متراكمة عبر قرون وقرون.. من يأخذ به ينجح.. لا أقول إن الديمقراطية هي الحل بـ (أل) التعريف، بل هي حل لمشكلة سياسية – اجتماعية مُحددة، تعاني منها المجتمعات العربية الإسلامية، وتقاسي منها الأمرين.

الفصل بين العلم والدين (خرافة الإعجاز العلمي في القرآن الكريم – الماركسية علم العلوم!) – الفصل بين الاقتصاد والدين (خرافة الاقتصاد الإسلامي- البنوك الإسلامية).

(6)

بالعودة إلى مبدأ السنن الاجتماعية الكونية في النجاح؛ نجد أن من أسباب تأخر المجتمعات العربية ضعف الإنفاق الحكومي والخاص على مجتمع المعرفة وقطاعات التنمية البشرية، مثل قطاعات التعليم – الصحة – البيئة – تطوير الإدارة والعدالة – البحث العلمي. مثلًا عند دراسة الميزانية المخصصة للبحث العلمي، عالميًا، نجد أول خمس دول في رأس القائمة هي(3): الولايات المتحدة الأميركية (473 بليون دولار بواقع 2.74% من الناتج المحلي الإجمالي) – الصين – الاتحاد الأوروبي – اليابان – ألمانيا – كوريا الجنوبية (91.6 بليون دولار بواقع 4.29%) أليست هذه الدول هي الأكثر تقدمًا في العالم! “إسرائيل” في المرتبة 18 (12.7 بليون دولار بواقع 4.3%). بينما نجد أول دولة ذات غالبية مسلمة هي تركيا في المرتبة 21 (15.3 بليون دولار بواقع 1%)، وأول دولة عربية هي السعودية في المرتبة 37 (1.8 بليون دولار بواقع 0.25%). معدل الإنفاق على الصحة في سورية 2017 قياسًا إلى الناتج المحلي الإجمالي كان 3.5% في سورية(4)… الخ. وفقًا لمنظمة الصحة العالمية، فإن الحكومات العربية تنفق ما يعادل 1.6% من النسبة العالمية، مع أن سكانها يشكلون 8% من سكان العالم(5). في التصنيف العالمي لأفضل مئة جامعة في العالم، لم تسجل الجامعات العربية أي حضور خلال الربع قرن الماضي. المؤشرات السابقة صالحة للتقييم الإجمالي، ولكنها قد تكون خادعة في تقييم الحالة العربية، بما يجعلها تعطي صورة أفضل من واقع الحال، لأسباب منها التحايل والفساد ونقص الشفافية ونقص الكفاءة الإدارية وضعف تمثيل المؤشرات (جامعة القاهرة كان ترتيبها 409 في 2007، بسبب زيادة مؤشر حصول الخريجين على جائزة نوبل وميداليات فليدز – فضيحة حصول جامعتي الملك سعود والملك عبد العزيز في درجات متقدمة في التصنيف، بسبب رشا مالية).

المسؤول الأكبر عن ضعف الاستثمار في التنمية البشرية ومجتمعات المعرفة هو الحكومات العربية، فهذه القضايا ليست ضمن أولوياتها، مقارنة بالإنفاق العسكري – المخابراتي والتسويق الإعلامي للنظم الحاكمة.. وقطاعات الترفيه. الإنسان العربي هو ضحية هذه السياسات، لا ينبغي تحميله أكثر مما يحتمل! الحكومات -كما الأفراد– التي تنفق على التعليم بسخاء، وتضع سياسات مدروسة للتعليم سوف تحصد ثمار ذلك مستقبلًا.. وكذلك النظام الصحي وكذلك النظام القضائي، وهلمّ جرّا. إن قراءة التجربة الماليزية والتركية تعزز استنتاجات كهذي.

(7)

أسئلة موفق زريق(*)

السؤال الأول: ما هو تعريفكم للتأخر التاريخي العربي؟ وماهي أهم تجلياته الثقافية والسياسية والاجتماعية الراهنة في الواقع؟ أهو تأخر سياسي فقط أم اقتصادي أم ثقافي مجتمعي يشمل كل فئات وطبقات المجتمع؟

ما هي جملة المقارنة عندما نقول التأخر التاريخي للعرب؟ الكينونة الاجتماعية بالضرورة متعددة الأبعاد الزمانية والمكانية والسكانية والاقتصادية والعلمية والعقائدية والإدارية السياسية. عندما نطلق صفة التأخر، نقصد كلية الكينونة الاجتماعية، ونقصد أن المنسوب الحيوي للكينونة الاجتماعية كله متدن، فمن الصعوبة بمكان أن تجد تفوقًا في جانب، مقابل تراجع شديد في جانب آخر. جملة المقارنة هو العالم والعصر الذي نعيش فيه، ويمكن تحديد ذلك مثلًا في البعد الإداري السياسي بدولة المواطنة المتساوية والديمقراطية والعلمانية، أما في البعد العلمي، فيُحدد ذلك مقارنة بتكنولوجيا المعلومات والاتصالات وصناعة الطائرات وغزو الفضاء والمفاعلات النووية، أما البعد العقائدي فيحدد ذلك مقارنة بمعايير حقوق الإنسان وحرية الاعتقاد ونبذ العنصرية مثلًا. باستقراء بسيط؛ نجد أن العرب متأخرون عن العصر الذي يعيشون فيه الآن.

السؤال الثاني: ما هي اللحظة التاريخية التي بدأ فيها منحى الصعود العربي في الانحدار والتأخر؟

العنصر العربي كعرق بحد ذاته أصبح مغلوبًا على أمره، في النصف الثاني من العصر العباسي، وبالتالي من الأفضل أن نتكلم عن فضاء ثقافي عربي إسلامي، كانت آخر حلقاته الفترة المملوكية وصولًا إلى العثمانية، العرب كانوا جزءًا من هذا العالم والإمبراطورية، وكذلك الغرب لم يكن واحدًا أيضًا. أرجح كون القرن السادس والسابع عشر هو اللحظة التاريخية التي ظهر فيها التأخر العربي للعيان، وإن كانت مقدماته بلا شك تعود إلى ما قبل ذلك بكثير. الدولة العثمانية في أوجها لم تكن متأخرة كثيرًا عن الدول الأوروبية المعاصرة لها. من معايير المقارنة مع الغرب مثلًا الثورة الإنكليزية 1688 (ثورة سياسية قيدت فيها صلاحيات الملك دستوريًا) والثورة الفرنسية 1789 (شعار الحرية والمساواة والأخوة) والثورة الأميركية 1775 (أول دستور ديمقراطي مكتوب مستمر في العالم) ومن ثم القضاء على العبودية عقب الحرب الأهلية الأميركية… الثورة الصناعية بهذه اللحظات نستطيع الحديث عن ظهور التأخر التاريخي سياسيًا عند العرب، لنتذكر أنه حتى أمد قريب كانت دول أوروبية كثيرة تحكمها الديكتاتوريات، خصوصًا في أوروبا الشرقية.

السؤال الثالث: هذا التأخر ذو منشأ خارجي أم ذو منشأ داخلي أم تضافر جدلي للعاملين الداخلي والخارجي؟

التأخر ذو منشأ تفاعلي داخلي خارجي، كثيرًا ما نلقي اللوم على ظاهرة الاستعمار في إجهاض الطموحات النهضوية العربية. حسنًا، لنقل هذا صحيح! لكن الاستعمار لا ينجح إلا بوجود القابلية للاستعمار، وهذا ما تحدث عنه مالك بن نبي. الاستبداد كعامل مهم من عوامل للتأخر العربي لا ينجح إلا بوجود ثقافة تقبل الاستبداد، وهذا ما تحدث عنه عبد الرحمن الكواكبي قبل ما يزيد عن مئة عام. إذن؛ العامل الداخلي هو الأهم، في حالة المريض المصاب بمرض نقص المناعة المكتسب (الإيدز) أي فيروس ضعيف كالرشح مثلًا يمكن أن يؤدي إلى ضرر تدهور خطير للجسم. سأطرح نموذج (المنبه – الاستجابة) للتوضيح، حيث طبيعة الاستجابة هو الحاسم، على سبيل المثال زرع “إسرائيل” في قلب العالم العربي هو مُنبه خطير والاستجابة العربية كانت سلبية في تشكل عدد من الأنظمة الديكتاتورية العربية، تستمد شرعيتها من خلال حماية أمن “إسرائيل” لا من الشعب، وبالتالي أصبحت مرضيًا عنها من قبل القوى العظمى، واستخدمت الأنظمة الرسمية العربية وجود “إسرائيل”، بغية القضاء على أي معارضة داخلية لها، بذريعة الخيانة والعمالة! كان يمكن لزرع “إسرائيل” أن يكون حافزًا لاستجابة إيجابية عبر الاستفادة من التجربة الديمقراطية الإسرائيلية وتعميمها لدينا، أو عبر زيادة التماسك الداخلي للمجتمع في مواجهة الأخطار، أو المضي في مشروع تصنيع عسكري مدني.. لقد كانت التجربة الناصرية باهتة في هذا الصدد. وزارة الدفاع الأميركية تموّل قسمًا كبيرًا من مراكز الدراسات والأبحاث العلمية، التنافس الأميركي السوفيتي كان دافعًا لبرامج غزو الفضاء وإحداث تطور علمي كبير.

السؤال الرابع: ما هو تقويمكم لأداء النخب العربية، منذ الصدمة الاستعمارية في مقاربتها لظاهرة التاريخي، وما هي أهم المقاربات الجادة لهذا الموضوع؟

سأخص الحديث بالنخب العربية المهمومة بالتغيير، حيث يمكن الحديث عن عدة أطوار أ- مرحلة أولى دعاة الإصلاح والإصلاح الديني، في أواخر القرن التاسع عشر: (رفاعة الطهطاوي – محمد عبده – جمال الدين الأفغاني- عبد الرحمن الكواكبي – خير الدين التونسي..) قدموا طروحات مهمة في فصل الدين عن الاستبداد السياسي، وفهم للإسلام يقوم على المنافع العامة، والكثير من طروحات هؤلاء يوجد تأخر عنها حتى الآن، كفتاوى محمد عبده (يحق للولي أن يمنع تعدد الزوجات مطلقًا -جواز فائدة ودائع التوفير والأرباح– جواز التصوير والرسم والنحت)، ولكن الإصلاح آنذاك كان ضمن إطار النخب، ولم يتح لها الامتداد الشعبي أو القرار السياسي. ب- نخب ليبرالية تثاقفت بشدة مع الغرب وقيم الثورة الفرنسية، أنجزت هذه النخب بدايات مشاريع تحررية من الاستعمار ومشاريع وطنية ديمقراطية طموحة، ومثالها طه حسين، أحمد لطفي السيد، رجالات الكتلة الوطنية في سورية، حزب الوفد في مصر، وكانت نقطة ضعف تجربتها سياسيًا هي عدم حل إشكالية العدالة الاجتماعية والاقتصادية، وهذا ما مهد لاحقًا لظهور.. ت- نخب ماركسية وقومية عربية، تبنت مقولة التحديث القسري للمجتمع والتضحية بقيمة الحرية، وقد تحولت مع الزمن إلى سدنة عقائد شمولية، وانتهت الصفحة الأخيرة من صفحات هذه الأنظمة بالمجازر والاحتلالات، كما هو الحال في سورية مثلًا، بالطبع وُجدت حالات انشقاق عن هذه النخب الماركسية القومية، كما في حالة إلياس مرقص وياسين الحافظ وأنطوان مقدسي، برهان غليون سورية، لكنها بقيت ضمن الإطار الفكري، ولم تتحول إلى تيارات سياسية فاعلة. ث- نخب شابة قادت مرحلة ثورات الربيع العربي، تحركَت بحس إنساني وطني عفوي، وقد ضاقت ذرعًا بالوضع بالتسلط السياسي، لكن من دون رؤية واضحة أو تنظيم سياسي كاف، فوصلنا إلى هنا.

السؤال الخامس: كيف تنظرون إلى ثورات الربيع العربي في سياق التحرر من أغلال التأخر التاريخي العربي؟

كانت هذه الثورات استجابة طبيعية لانغلاق الأفق الاجتماعي السياسي والاقتصادي وتغوّل دولة القهر. ثورات عفوية -وكذلك معظم الثورات- ولكن بعد فترة من عمر الثورات، إذ لم تنجح في تنظيم نفسها سياسيًا وعسكريًا وتقديم طروحات فكرية متماسكة ومتقدمة بالذات الثورة السورية أو الليبية مثلًا، وهذا درس مُستفاد. الثورات كانت تنادي بالحرية، ولكن الترجمة العملية الواضحة للحرية، كالديمقراطية والعلمانية وحقوق الإنسان، لم تكن حاضرة بما يكفي، العلمانية بالذات كان محظورًا ذكرها وتم استخدام صيغ مطاطة مواربة كالدولة المدنية مثلًا. ثورات الربيع العربي إحدى نتاجات العولمة، بغياب التطور العلمي التكنولوجي المعلوماتي مُمثلًا بالبث الفضائي ووسائل التواصل الاجتماعي (فيسبوك) و(يوتيوب)، ربما كان صعبًا قيام هذه الثورات، لذلك هي من نتائج العولمة وتجليات ما بعد الحداثة. ما بعد الحداثة لا تغني عن الحداثة، إذا اعتبرنا أن أهم ركائز الحداثة سياسيًا هي العقلانية السياسية ودولة المواطنة المتساوية، فهذا المفهوم الحداثي للدولة لا نستطيع تجاوزه فقط بالانتقال إلى ما بعد الحداثة، من خلال التكنولوجيا وفورات الهويات ما قبل الوطنية (الدينية والقومية والقبلية). من إيجابيات ثورات الربيع العربي 1- تحطيم فكرة الأبد (إلى الأبد إلى الأبد يا حافظ الأسد – التوريث عبر فشل توريث ابن مبارك أو ابن القذافي أو ابن علي عبد الله صالح)، وبالتالي أصبح التغيير ممكنًا، صحيح أن الثورات لم تنجح، ولكن تأليه الحاكم والاستبداد لن يدوم. 2 – كشفت عورة تيارات الإسلام السياسي (سنيًا وشيعيًا)، وتهافتها وتبعيتها لأجندات غير وطنية.

السؤال السادس: ما هو المدخل الذي له الأولوية أو الرئيس لعملية التحرر والانعتاق من ربقة هذا التأخر التاريخي؟ أي كيف نبدأ وإن بشكل عام؟

أقترح التركيز على مقولة السلطة عمومًا، والسلطة السياسية خصوصًا؛ فالسلطة هي فانوس علاء الدين، دائمًا وفي كل عصر تظهر تعبيرًا تنويرية وتعبيرات عن الحرية والتحرر، ولكن بوجود سلطة مستبدة عادة ما يتم القضاء على هذه المحاولات، أو حرفها عن مسارها. اقترح كيانات سياسية تحمل مشروعًا تنويريًا واضح المعالم، ونؤكد على واضح المعالم، وليس توفيقي أو تلفيقي، واضح المعالم يعني ديمقراطية علمانية وحقوق الإنسان، مشروع -وهذا مهم جدًا- مُتصالح مع الهوية العربية الإسلامية كمجال ثقافي وتفاعلي واسع. قسم كبير من الأحزاب والشخصيات الليبرالية العلمانية تهمل موضوع الهوية العربية الإسلامية أو تتبنى موقفًا معاديًا لها، فهذه على الأغلب لن يُكتب لها النجاح، لضعف الحامل الاجتماعي. بالمقابل، حتى في حال تشكلت كيانات سياسية تحمل مشروعًا وطنيًا تنويريًا، فهل هذا يضمن وصولها إلى السلطة؟ بالتأكيد لا، من هنا تبرز أهمية اللحظة التاريخية للتغير التي هي لا تتعلق أساسًا بالقوى السياسية الموجودة، بل أساسًا بالسياقات والتوازنات الإقليمية والدولية، مثلًا بعد سقوط نظام مبارك في مصر؛ وُجِدَ أمل حقيقي للتغير تفعلت الحياة السياسة بعد طول سبات، وتشكلت أحزاب وتمت انتخابات حرة ومن ثم برلمان… ولكن للأسف تم انتخاب قيادات إخوانية سلفية أو من أذناب العسكر القديم، لم تُفرز الانتخابات قوى مصرية وطنية تطرح مشروعًا حداثيًا، لم توجد قوى سياسية على الأرض تملأ فراغ اللحظة التاريخية، وانتهت التجربة بتسهيل التدخل الإقليمي من الأنظمة الخليجية بشكل مأسوي وعودة العسكر من جديد. كذلك الأمر في العراق عقب الاحتلال الأميركي، حدثت انتخابات برلمانية حرة، كان من الضروري وجود كيانات حداثية، تطرح مشروعًا وطنيًا يعيد لملمة الجرح العراقي، للأسف انتهينا إلى قوى طائفية شيعية وسنية أو قومية كردية، تعيدنا إلى ثارات الحسين وحروب داحس والغبراء.. وانتهينا تقريبًا لتفكك الوطن والوطنية العراقية… وهكذا فاتت اللحظة التاريخية الملائمة للتغيير.

 

(*) فاعليات مشروع وطن، ندوة بعنوان (أسباب التأخر التاريخي عند العرب)، 17 – 18 – 19 كانون الثاني/ يناير 2018) شارك في الندوة: منير الخطيب – أحمد الرمح – عبد الرحمن العلي – حمزة رستناوي، وأدار الندوة موفق زريق.

(*) ملاحظة: ألقيت هذه الورقة في ندوة مشروع وطن المعنونة (أسباب التأخر التاريخي عند العرب) تاريخ 17 كانون الثاني/ يناير 2018.

الهوامش:

1 – يُنظر الأيديولوجيا الحيوية، رائق النقري، دمشق، مطبعة دار الثبات 1970، الصفحات من 21 إلى 27.

2 – مقدمة ابن خلدون، دار الكتب العلمية، ط1، بيروت 1993، فصل 26، ص 118.

3 – https://royalsociety.org

4 – الموقع الرسمي لوزارة الصحة السورية:

http://www.moh.gov.sy/Default.aspx?tabid=171&language=ar-YE#up

5 – موقع رصيف: https://raseef22.com/economy/2017/03/31