الحرب التي لا تنتهي

 

يذهب بنا الاعتقاد مباشرة، إثر تصريحات روحاني بإعلان نهاية الحرب في سورية، إلى أننا أمام يالطا جديدة، وأن الأطراف الدولية قد سلّمت أخيرًا بنتائج حرب الآخرين ضد السوريين، وأن المنتصر يتوّج اليوم نفسه صاحب ملك غير محدود في أرض ليست له، على شعبٍ اقتُلع من بيته، في غفلة من زمنٍ ساد فيه الصمت المطبق على الجريمة المنظمة في سورية منذ سبع سنوات. فهل كان روحاني يدرك تمامًا ما يرمي إليه؟ أم أنه يُشاطر ترامب رمي الحصى لاختبار ردّات الفعل، وتأكيد الوجود على المسرح الدولي، في ظل تنامي تعقيدات المشهد السوري؟

تبدو قمة أنقرة، وكأنها ترسم خواتيم الحالة السورية ونهايات المعارك، التي تخوضها أطراف التدخل والتأثير في مسارات الحرب، كلٌ وفقًا لسياساته وأهدافه. لم تكن تلك -بأية حال- هي حرب السوريين، ولم تصعد قراهم إليها، ولكنها جرّتهم إليها بالقوة، فأصبحوا أداتها وحطبها، ووحدهم من يتذوقون ويلاتها، ويتحملون نتائجها وأعباءها. ثم تأتي المبادرات لتلعب دورًا رئيسًا في تحديد المصاير، وتمنح أطرافًا دولية أو أخرى حقوقًا غير مشروعة في رسم صورة المستقبل عنوة، من دون مشاركة السوريين، ورغمًا عن إرادتهم بالتغيير.

الحرب مستعرة، وثمة فصل جديد في إذكاء الحرائق، تشهده الساحة السورية، وتنتقل فيها الخرائب من منطقة إلى أخرى. وتتجدد فيها الأهداف والغايات، ويتم التوافق فيها على قواعد وأسس الإنجاز والانتقال إلى مرحلة تالية. هذا ما شهدناه، منذ أن بدأت روسيا حربها ضد السوريين، قبل ما يقرب من أعوام ثلاثة، لم تُخفِ فيها أهدافها، واستخدامها مختلف أنواع الأسلحة، ومن ضمنها حقّ النقض في مجلس الأمن؛ فتمكنت من تحقيق تغييرات حاسمة على الأرض، ترافقت مع جهود دبلوماسية وسياسية كبيرة، على المستويين الإقليمي والدولي، ولعل من أهمها خفض مستوى تفرد إيران العسكري، لصالح التدخل الروسي، واستمالة الطرف التركي الذي يعاني من خلل في العلاقة مع (الناتو)، والولايات المتحدة، بشأن الملفين الكردي والسوري. وترافق ذلك مع مساعٍ حثيثة لتعطيل مفاوضات جنيف، وتسويق ادعاءتها بمحاربة القوى الإرهابية في سورية، بما فيها المعارضة. والتي كانت هدفًا رئيسًا في معظم عملياتها العسكرية المبكرة.

أيًا تكن الظروف الدولية، فإن قمة أنقرة جاءت بعد أن تمكنت أطرافها من تفكيك أهم القوى المسلحة على الأرض، وحصر ما تبقى منها في مناطق محدودة، خاضعة للسيطرة والمراقبة، وهي –بصورة أو بأخرى- ستكون أمام إحدى نتيجتين لا ثالث لهما: إما القضاء عليها عسكريًا، أو احتواؤها وتفتيتها. فقد تمكنت إيران وروسيا، بعملياتهما المباشرة، أو من خلال دعم عمليات النظام السوري، من تحجيم ومن ثم إنهاء دور الفصائل المسلحة، كما تمكنت تركيا، من هزيمة حزب العمال الكردستاني، وطرده خارج أهم قواعده في الشمال السوري: عفرين. ونجحت في خفض مستوى التهديد الذي كان يتربص بأمنها القومي.

وفي الواقع، إن ما حدث في الغوطة، ترى فيه روسيا وإيران ونظام الأسد نجاحًا لحملاتها العسكرية التي تزامنت مع حصار التجويع والتركيع، المستمر منذ ست سنوات. وقد ساعدت سياسات الفصائل العسكرية المناوئة للأسد، في الدفع بالوصول إلى تلك النتائج الكارثية على المدنيين السوريين، وفي تمكين الأطراف الاحتلالية من بسط سيطرتها على المناطق التي يتم تفريغها، من المقاتلين والسكان والعمران على حدّ سواء.

دون النظر إلى أسباب التغول الروسي الإيراني في سورية، فإن النتائج التي تمثلت بالتدمير المهول، وبإضعاف جميع قوى المعارضة السورية إلى درجة صفر، في التأثير والمبادرة السياسية، فإنها قادت إلى محاولة انتزاع شرعية حيازة الملف السوري، بكل أبعاده، وهذا ما يعمق التجاذبات المتواترة المستمرة، في العلاقات الدولية، بين الأطراف المتدخلة مباشرة في الشان السوري. وترى موسكو أنها قادرة اليوم، على فرض المسار السياسي الذي تختاره، للحل في سورية، خاصة في ظل توافق وتنسيق مع تركيا في المقام الأول، وتفهّم إيراني لطبيعة التوافقات الجديدة التي من شأنها أن تمنح إيران دورًا أساسيًا، في أي مفاوضات تستهدف تسوية الملف السوري لاحقًا، في مواجهة المواقف الأوروبية والأميركية التي تسعى للحد من الدور الإيراني في المنطقة، مع استبعاد أي دور للأطراف العربية الداعمة للثورة السورية.

في المحصلة، تستغل أطراف قمة أنقرة، كلّ الظروف السياسية والعسكرية والأمنية المتاحة لها في المنطقة، نتيجة لهيمنتها، وتعمل معًا لتقاسم النتائج، ورسم حدود المنافع والمصالح، آخذة في الاعتبار أن المنطقة أصبحت واعدة، بالنسبة إلى جميع الأطراف ومن ضمنها فرنسا وبريطانيا، إضافة إلى الولايات المتحدة، وأن تفاهماتها البينية سوف تفرض أمرًا واقعًا، لا يحول دون الاعتراف بمصالح الآخرين، وإن تعارضت معها. ولذلك فإن أنقرة وموسكو وطهران حددت ملامح المرحلة القادمة، بإنهاء تواجد أي فصيل عسكري، والتعاون معًا لإنجاز خطة سلام تقوم على مخرجات أستانا وسوتشي، ووضع خريطة للقطاف الأمني والاقتصادي معًا، عبر مشاريع إعادة الإعمار، وإعادة المهجرين إلى مناطق الحماية الجديدة، وإعادة تدوير المشكلات والتهديدات المتصلة بكل طرف، بما يحقق حضورًا مؤثرًا في المنطقة.. خطط قد لا تبدو ممكنة، بعيدًا من المشاركة الأميركية.

في الولايات المتحدة، تبدو قمة أنقرة، وكأنها محاولة للتحلل من القبضة الأميركية، التي تشهد غموضًا استراتيجيًا في لحظة “الفراغ” السياسي القائم، وفي العلاقة غير المستقرة بين مؤسسات الإدارة الأميركية، والتعثر في المواقف، وفي الصراع الخفي بين تياراتها، بشأن الوضع في سورية، وفي الموقف من تنامي الدور الروسي الذي بات يُنظر إليه وكأنه اختبار روسي لاستعادة الحرب الباردة، بما يمنح موسكو دورًا أكثر فاعلية، بعد ربع قرن على سقوط الاتحاد السوفيتي، وكأن الحالة السورية كانت ضرورة لذلك.

لم تكن الحرب هي غاية السوريين، فقد كانت انتفاضتهم ضد الاستبداد، وسوف تبقى، ما بقي الطاغية، وما بقيت يد العدالة بعيدة عن محاكمة مجرمي الحرب. وإعلان روحاني الباهت عن انتهائها، ليس سوى تأكيد على مواصلة الاستفراد في الحرب على السوريين، قتلهم وتدمير بلدانهم، بوحشية لم يُعرف لها مثيل، في ظل صمت دولي، هو أقرب إلى الشراكة، منه إلى التغاضي.