مقالات الرأي

في الدفاع عن التعفيش!

كان تعفيش عفرين آخر ما رأينا من صوره السورية؛ فقد سبق أن رأينا حالات تعفيش متعددة، رافقت حركة الثورة السورية. بدأها الجانب المنتصر، سواء أكان النظام الأسدي أم العصابات التي عاشت على دماء الثورة النازفة، ورافقت سيرورتها، وكان هناك أناس، في كل الحالات، يفسرون ويشرحون لنا “الخلفيات النبيلة” لعمليات التعفيش، في هذه المدينة أو تلك، أو يحاولون أن يكشفوا عن الخلفيات غير الأخلاقية “للمعفشين”، في تلك المدينة البعيدة أو القريبة.

قبل استعراض حالات التعفيش سورية، والتعفيش في مناطق تخلخل القانون أو غيابه بشكل كامل، في بعض مناطق العالم، يجب الإشارة إلى أن التعفيش ظاهرة ترتبط بالفقر بشكل عام، ولا علاقة للدين بها، دون أن نتجاهل مظاهر أخرى لتعفيش الأثرياء أو الحكام، أو “تعفيش المثقفين”.

كانت أولى نتائج التعفيش هي ما عُرف وانتشر باسم “سوق السنّة”، في مدينة حمص. وقد تكوّن هذا السوق نتيجة نهب ممتلكات الأحياء الثائرة أو الفارغة من سكانها، كما هي حال الأحياء المسيحية في حمص القديمة، فبعد أن تم زج الجيش في المدن لقمع المتظاهرين، وما رافق ذلك من حالات مقاومة شعبية، وانشقاقات عسكرية استوطنت الأحياء والمدن لحماية المتظاهرين العزّل، ما أدى إلى فقدان النظام الأسدي سيطرته على تلك المدن والمناطق. وعندما عاد وسيطر عليها بفعل التدمير وقوة نيرانه؛ قام عناصر الجيش الأسدي، بمساندة شبيحته، بنهب البيوت وكل ما يقع تحت أيديهم، فأخذوا ما هم بحاجة إليه أولًا، وعرضوا ما تبقى للبيع، فكان “سوق السنة” في حمص. وكما هو واضح، فللاسم مدلولاته الواضحة، طائفيًا، وتموضع مكان السوق له مدلوله الطائفي أيضًا، وللمسروقات مدلولاتها الطائفية أيضًا، فهي ممتلكات للسنّة تباع في سوق علوي، فهل الصفات ثابتة؟

لم يكن التعفيش فعلًا مقتصرًا على جيش الأسد، فالجيش ليس كله علويًا، بالإضافة إلى العلوي، فيه السني والمسيحي والدرزي والإسماعيلي، وفيه أيضًا العربي والكردي والتركماني والسرياني والشركسي، وبقية مكونات المجتمع السوري، بنسب متفاوتة. فإذا كانت نسبتا العلوي والسني أكبر من غيرهم في سوق حمص؛ فمن عفّش حلب تختلف مكوناته عن مكونات من قام بتعفيش حمص وداريّا وصحنايا، كما تختلف النسب بين بعضهم. ففي حلب كان “المعفشون” سنّة والأملاك سنية أو كردية أو مسيحية. وفي الرقة كان المعفشون أكرادًا سنة، والأملاك لسنة عرب، وفي عفرين كان “المعفشون” سوريين سنّة، وربما بينهم أتراك سنّة، وقد يكون بينهم بعض الأكراد السنّة أيضًا. وقد تكون المناطق التي كانت تحت سيطرة “الدولة الإسلامية” أقل “تعفيشًا” من غيرها، وما ميّز تعفيش (داعش) هو “تعفيشهم للنساء الأزيديات”.

خلاصة هذه الفقرة أن التعفيش ظاهرة سورية، قام بها الفقراء تحت رعاية المسؤولين عنهم، في الدولة الأسدية أولًا، ثم عند بقية الكتائب المسلحة، مهما كان الاسم الذي تحمله. لأن راتب المجند ضعيف، وراتب المقاتل في الكتائب المسلحة ضعيف أيضًا. وفي أثناء القتال، لا يفكر المقاتل عادة بمعتقداته الدينية والقيم الأخلاقية والشرف والعدالة والحق، إنه يفكر بحياته أولًا، ثم ببطنه ثانيًا، وأن ما يكسبه بالحرب هو حلال عليه.

عالميًا، كان “التعفيش” في الحروب مشابهًا لما جرى في سورية. فمثلًا عند احتلال فرنسا من قبل الألمان، تمّ نهب أغلب الأعمال الفنية الفرنسية التي كانت في المؤسسات الفرنسية، وخاصة عندما أيقن الضباط الألمان أن لا بدّ من الانسحاب من باريس. حدث أيضًا إبّان الثورة الفرنسية، أن قام الثوار بنهب بيوت الأغنياء وأحيانًا بيوت جيرانهم، وحدث مثل ذلك في كل الحروب القبلية عند العرب، وبقية الأمم، وعند الغربيين على حد سواء.

في نهاية المطاف، تبقى مسؤولية النظام الأسدي هي الأكبر، فممارساته قبل الثورة كانت تهدف إلى تدمير القيم الأخلاقية بشكل عام، ودفع الناس إلى البحث عن طرق نجاة فردية، عبر الفساد والارتباط بعجلة النظام فقط. فقد أطلق يد ضباطه وجنوده أثناء احتلال لبنان، وفي مجزرة حماة عام 1982. ومن لم تتلوث يداه بالنهب، لأسباب أخلاقية ودينية كانوا نادرين، فأثناء وجودي في الجيش، كان جزء من خدمتي الإلزامية في لبنان، ومن خلال احتكاكي بالناس، رأيت حالة واحدة فقط، من مئات الحالات، رفض فيها ضابط من تدمر تلويثَ يديه بمسروقات لبنانية، وكان رادعه في ذلك دينيًا.

مما لا شك فيه أن قيم المجتمع تحدّ من علميات النهب أو التعفيش، أو تشجع عليها. ففي المجتمع الذي صاغه حافظ الأسد، وجعل فيه الحرامي أعلى قيمة من الشريف، والمرتشي أكثر ذكاء من الموظف الشريف، والانتهازي شجاعًا، والقاتل بطل جمهورية، ورجل المخابرات هو المثل الأعلى لشباب سورية، والمعلم مخبرًا على طلابه، في مجتمع مثل هذا، يصبح التعفيش عملًا محللًا شرعًا، وتجارة مطلوبة ومحمية من قبل رجال النظام.

أخيرًا، هل أدافع عن التعفيش؟ بالتأكيد، جوابي هو لا.

ولكن إدانة الظاهرة كحالة فردية ليست سليمة، ولا تؤدي الغرض. ولصقها بطائفة محددة أو جماعة قومية، غلط، وغير مفيدة، كما حاولتُ البرهنة، لأنها تجعلنا نرى بعين واحدة، ولا تساعد في ترميم وطن مزقه الاستبداد، وغابت عنه الأخلاق وبقية القيم الإيجابية.

نحن بحاجة ماسة إلى إعادة بناء منظومة قِيمنا الأخلاقية المستمدة من تجارب البشر أو من الأديان، إذا كنا نبحث عن نصر مستقبلي، وإلا؛ فلن تقوم لنا قائمة، ويكون المنتصر فيها إلى الأبد هو الأسد.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

إغلاق