كلمة جيرون

التهجير القسري وسورية الولّادة

إذًا، بدأ تهجير أهل الغوطة الشرقية أيضًا، ورويدًا رويدًا ستفرغ من أصحابها، أهلها، ملح أرضها، ليلحقوا أهل الزبداني وداريّا وحلب الشرقية وغيرهم الكثير، وليواجهوا المصير نفسه، ومن المؤكد أن النظام السوري لن يتوقف هنا، بل سيتابع.

بدأ تهجير أهل الغوطة الشرقية لجعلها منطقة “متجانسة”، يعيش فيها سكان “منسجمون”، وفق وهم النظام ودناءة تعبيراته، في تغيير ديموغرافي يُرضي إيران، ولا يهمّ روسيا، وبعيد من حيّز اهتمامات الولايات المتحدة. تغيير ديموغرافي يهدف إلى طرد أصحاب الحق، ومحو ذاكرتهم، وخلق عداءات طائفية وعرقية وإثنية لا تنتهي.

خلال سبع سنوات، اعتقد النظام السوري أنه قادر على استكمال “سوريته المفيدة”، و”تنظيف” سورية من معارضيه، ومن أبطالها الذين ثاروا ضده. ولأن فاقد الشيء لا يُعطيه؛ لم يستطع هذا النظام “تنظيف” سورية كما يهوى، فلجأ إلى إفراغها من أهلها وسكانها وأصحاب الحق فيها.

خلال سبع سنوات، اعتقد النظام السوري أن العنف المُفرط وقتل المدنيين، وارتكاب المجازر، والإبادة الجماعية، وجرائم الحرب، وتجويع الأطفال، وإذلال البشر، سيؤدي إلى نزوح الجميع وتهجيرهم، وإفراغ مدنهم التي يرى أنها من حق الموالين فقط، ومعهم مرتزقة إيران ولبنان والعراق.

اعتقد النظام السوري أنه قادر على طرد أصحاب الأرض والخلاص منهم، ليعيد تفكيك وتركيب الكتل البشرية، لينتهي من كل أولئك “الأشرار” الذين أقضّوا مضجعه، وأقلقوا أبديته، وثاروا ضد جرائمه، ليضمن العرش للابن وللحفيد ولولد ولد الولد.

نجح النظام السوري في تهجير أصحاب الأرض قسرًا، مرتكبًا جرائم حرب موصوفة، فنزحوا بالملايين، وتركوا أراضيهم وبيوتهم وأملاكهم، يعيث فيها مرتزقة النظام، “تعفيشًا” ونهبًا وتخريبًا وتدميرًا، وبدأت التركيبة السكانية تتغير، والوباء الفارسي يتمدد، والطائفية تضرب أطنابها، والجنون يُعمم.

ينسى النظام السوري أن سورية ولّادة، تُنجب كل يوم جيلًا جديدًا، سيثور عليه تلقائيًا، طالما استمر وجوده، واستمرت جرائمه، واستمر عنفه وقمعه وفساده وطائفيته ولا وطنيته، وأن سورية ستلد كل يوم عشرات آلاف الأطفال، في كل مكان، سرعان ما ينمون ويكبرون، ويتجمعون ليهبوا كالريح، ويقتلعوا الشجرة الخبيثة من أصلها، ثوار سيعرفون ما فعل هذا النظام ببلدهم وأهلهم، وسيمدّون الثورة بنبع لا ينضب من الثوار والمعارضين.

سورية ولّادة، ولأن قوانين الطبيعة حاسمة، وزوال الأحادية أمر حتميّ؛ سيُنجب الموالون والرماديون أطفالًا ينقلبون عليهم، ويلعنون يوم وُلِد آباؤهم، ويوم ساندوا فيه النظام على جرائمه، ويوم شاركوه في قتل إخوتهم وأبناء بلدهم، ويوم اقتلعهم من جذورهم، ليرميهم في أرض الله الواسعة.

سورية ولّادة، فانتظروا جيلًا ثائرًا وراء جيل، يُقلق النظام، يلعنه ألف لعنة، ويحرمه تداول العرش، من الابن إلى الحفيد إلى ولدِ ولدِ الولد.

مقالات ذات صلة

إغلاق