الوثيقة الفكرية المشتركة – بعض المآخذ

 

في ظل الهزائم المتكررة التي لحقت وتلحق بسورية، كوطن لكل السوريين، وفي ظل استعار الحرب التي تشنها الطغمة الحاكمة على الشعب السوري، بينما تعاني المعارضة السورية، بشقيها الرسمي والشعبي، من تشتت وانهيار وفقدان لأي شكل من المبادرة؛ تظهر الوثيقة المشتركة بين (حزب الجمهورية) و(اللقاء الوطني الديمقراطي)، وتقدّم نفسها كوثيقة فكرية سياسية، تهدف إلى فتح حوار بين السوريين في مسائل جوهرية.

في أهمية الوثيقة

تتأتى أهمية الوثيقة أولًا من كونها صدرت عن مكونين سياسيين، يُعليان من شأن الوطنية السورية ومن قيمة الإنسان السوري، كمحدد أساس لرؤاهم الفكرية وبرامجهم السياسية، وهذا ليس غريبًا، بل الغريب أن لا تتلاقى التيارات والهيئات والمنظمات التي تحمل نفس المبادئ والتوجهات الفكرية والسياسية، وهي كثيرة في الساحة السورية، نظريًا على الأقل. لكن الأهم في التلاقي حول هذه الوثيقة هو أن كلا طرفيها ينتميان بشكل أو بآخر إلى فضائين ثقافيين متمايزين: الفضاء الثقافي العربي، والفضاء الثقافي الكردي؛ فغالبية أعضاء (حزب الجمهورية) هم من السوريين العرب، وغالبية أعضاء (اللقاء الوطني الديمقراطي) هم من السوريين الأكراد. وإن كانت الأحجام العددية للفاعلين في كلا الطرفين صغيرة بشكل ما، وربما صغيرة جدًا، إلا أنه يمكن بسهولة الادعاء أن الرؤى والتصورات التي يطرحها كل من هذين الطرفين تلاقي رواجًا وتأييدًا، لدى قطاعات رأي كبيرة من العرب والأكراد السوريين، وأن استمرار الحرب هو ما يمنع تمظهرات هذا التأييد.

ومن المهم أيضًا أن تستهل الوثيقة بالقول إنها مشروع، وهذا يعني أنها مفتوحة على النقد والمراجعة وإعادة الصياغة، ومن هنا تأتي هذا المقالة هادفةً إلى لفت الانتباه إلى بعض القضايا والنقاط التي يرى كاتب هذه السطور أن لا بد من إعادة النظر فيها، للوصول إلى فهم مشترك وواضح لكل بند من بنود هذه الوثيقة المهمة، والهدف من ذلك فك أي التباس حول مقاصدها، وجعلها أكثر قابلية للوصول إلى قطاعات واسعة من أبناء شعبنا. جميع بنود الوثيقة مهمة، من أطروحاتها حول المستقبل وتدبير المصير، إلى مرتكزات العقد الاجتماعي الجديد، مرورًا بتصورات تحمل هذا القدر أو ذلك من التعقيد أو التبسيط، حول بناء المجتمع والعدالة، وضرورة النقد والوطن واللامركزية وغيرها. إذن؛ تتوخى الرؤية فتح نقاش “عام بين الفعاليات والقوى الاجتماعية والثقافية والسياسية السورية، على اختلاف مواقعها الاجتماعية ومرجعياتها الفكرية واتجاهاتها السياسية…“. وهذه السطور هي جزء من هذا التفاعل.

في الصياغة اللغوية

عندما قرأت الوثيقة للمرة الأولى، أول ما لفت انتباهي، وقد أكدته القراءة الثانية، هو التباس الصياغة اللغوية للوثيقة؛ ما دفعني إلى قراءة بعض الفقرات مرات قبل أن أستطيع هضمها لغويًا وفكريًا، وقد فشلت في بعض المواقع، رغم ذلك. كنت في كل مرة أواجه فيها صعوبة في فهم بعض المفردات؛ ألجأ إلى المعاجم المتوفرة لدي وأجاهد في فهم الفكرة، وقد نجحت معظم الأحيان، وفشلت في أحيان أخرى. كمثل على ذلك تقول الوثيقة، في آخر مقطع من الصفحة الثانية:” نشير هنا إلى أننا ننظر إلى رأس المال الاجتماعي، ورأس المال الثقافي، ورأس المال الرمزي، ورأس المال المادي، المتعالقة والمتآخذة على أنها أدوات تحليل ناجعة لتحليل الأوضاع السورية الراهنة، واجتراح البدائل الممكنة والمرغوب فيها، بدلًا من أدوات التحليل التقليدية، كالصراع الطبقي والمادية التاريخية، أو التحليل التاريخي والتحليل السياقي، لما تنطوي عليه من حتميات، في وقت نفت فيه العلوم الحديثة أي حتمية. ونعتقد أن هذه المفاهيم هي الأقرب إلى عمليات التحول الديمقراطي، في أي مجتمع”.

في الواقع، لكي تُفهم هذه الفقرة بشكل جيد غير قابل للبس، فهي بحاجة إلى شرح واف أو إعادة صياغة. من الواضح أن الفقرة تحيل إلى رفض الحتمية في المعرفة، وتحاول تثمين المصادر المتنوعة للمعرفة، وتثمين فكرة نسبية الحقيقة وتعدد أوجهها، وهذا جيد بكل تأكيد. لكنها تبدو وكأنها تريد رفض مفاهيم “الصراع الطبقي والمادية التاريخية”، وحتى “التحليل التاريخي والسياقي”، لما تنطوي عليه من حتميات. واستبدالها بمفاهيم “رأس المال الاجتماعي، ورأس المال الثقافي، ورأس المال الرمزي، ورأس المال المادي المتعالقة والمتآخذة”، ولا أدري ما المقصود بكلمة “متعالقة”، ربما المتعلقة ببعضها البعض؟ لكنها أيضًا “متآخذة”! هل المقصود أنها مأخوذة، بمعنى يمكن أن تُؤخذ كأدوات تحليل؟ هذه ليست صياغة موفقة بكل تأكيد!

لكن أيضًا ما المقصود برأس المال بأنواعه المختلفة؟ اجتماعي وثقافي.. إلخ؟ وكيف يكون أداة للتحليل؟ هذا كله بالنسبة إليّ عصيّ على الفهم الواضح. بالمقابل، لماذا لا يتم النظر إلى “الصراع الطبقي والمادية التاريخية” و”التحليل التاريخي والسياقي”، على أنها هي أيضًا أدوات تحليل مفيدة، ويتم التعامل معها نقديًا وفق مبدأ نسبية الحقيقة، بدلًا من رميها في سلة المهملات؟ ألا يمكن استخدامها بشكل نقدي، بحيث تنير للفكر بعض الزوايا المظلمة دون الوقوع بالضرورة في الحتمية؟! هل تريد الوثيقة الإشارة بشكل موارب إلى طلاق نهائي مع الماركسية؟ هذا سؤال مفتوح.

ولكي يبدو احتجاجي أكثر وضوحًا؛ سأطرح مثالًا آخر حول الصياغة اللغوية الملتبسة والتي قد تقبل التأويل بما لا تريده الوثيقة، ففي الصفحة رقم 5 ترد العبارة الآتية: “لا مواطنة فعلية من دون رفع ما يمكن رفعه من اللاعدالة. على هذا المبدأ تتأسس الحماية الاجتماعية والقانونية، وإنصاف الفئات المحرومة والمهمشة“. يتبادر إلى ذهني على الفور السؤال التالي: ما هو مقدار اللاعدالة الذي يمكن رفعه؟ هل سنقبل بمقدار ضئيل من اللاعدالة المرفوعة؟ لماذا لم تلجأ الوثيقة إلى صياغة بديلة تقول ببساطة: “لا مواطنة من دون رفع الظلم وإحقاق العدل”. هل أراد من كتب الوثيقة صياغة لغوية جميلة من الناحية الأدبية؟ لكني أتصور أنه لا يجب أن يكون مكان لجمالية النص على حساب وضوحه، في وثيقة من هذا النوع.

بكل تأكيد، هناك أمثلة أخرى وردت في عدة مواقع، حيث كانت الصياغة اللغوية عائقًا أما فهم سلس ومباشر للفكرة المطروحة، وكلي رجاء أن يتم التعامل معها في صياغات مستقبلية، سواء للوثيقة نفسها أم لوثائق أخرى، تسعى للمسعى نفسه وتزيد.

بعض الأطروحات الملتبسة

إن الاحتجاج الذي أبرزته في الفقرات السابقة، على الصياغة اللغوية للوثيقة، هو احتجاج بشكل أو بآخر على دخولها في حقول وميادين، لا يجب على وثيقة من هذا النوع أن تدخل فيها، إذ تجنح الوثيقة في بعض مواقعها نحو خطاب “علمي” تارة و”فلسفي” تارة أخرى، يعرضها لالتباسات كان من الممكن أن تكون في غنًى عنها. على سبيل المثال، تطرح الوثيقة فكرة يمكن أن أسميها شخصيًا “ديمقراطية المعرفة”، وهي فكرة مرتبطة ارتباطًا وثيقًا بنسبية الحقيقة المُدَركة. لكنها، أي الوثيقة، تطرحها بشكل يبدو معاديًا للحقيقة كفكرة وكمفهوم مجرد. ففي الفقرة الأخيرة من الصفحة رقم 4، ترد الجملة التالية: “تعدد الحقائق الواقعية يفترض بالبداهة تعدد تأويلاتها، وفقًا لتعدد المصالح والمرجعيات التي تبررها، وتبعًا لمواقع الأفراد ومنظوارتهم…“. في الحقيقة من المستغرب جدًا -بالنسبة إلي- أن يقول أحدهم إن تعدد الحقائق تفرضه تعدد المصالح. فالمصالح واقعيًا يمكن أن تنتج أيديولوجيات لا حقائق. ما يُنتج الحقائق/ الحقيقة هو الجهد البحثي الحيادي النقدي المُستند إلى أدلة عقلية أو ملموسة أو غيرها، بحسب الحقل المعرفي وموضوع البحث والدراسة.. إلخ. بكل تأكيد إن للحقيقة أوجهًا متعددة، لكن هذا التعدد يجب أن يعكس تنوع الاجتهادات وتنوع الحقول المعرفية، لا تعدد المصالح، الذي إن هيمن على تأويل الحقيقة؛ فلن ينتج إلا أيديولوجيات بائسة، والأيديولوجيات كلها بائسة.

برأيي، إن الفصل الثاني من الوثيقة والمعنون بـ (بناء المجتمع)، ربما يكون معظمه بحاجة إلى إعادة النظر، سواء في مضمون الطرح أو في شكله. مثلًا، لا أرى أن هناك فائدة، في مثل هذه الوثيقة، في أن يتم تشبيه المجتمع بالجسد العضوي، فهذا مجاز لا أراه مفيدًا هنا. وإذا كانت الغاية هي الدفع باتجاه التركيز على دور الأفراد، والتحرر من التصنيفات الجاهزة؛ فهناك طرق أخرى لطرح هذه المسألة بشكل أكثر دقةً. إضافة إلى ذلك لا أعرف سبب عداء من صاغ الوثيقة لموضوعة “الطبقية”؛ إذ يبدو أنها في ذهن كاتب/ كُتاب الوثيقة هي مسألة منبوذة ومساوية للتصنيفات، على أساس الإثنية والمذهبية، وهذه سقطة لا بد من تصحيحها. فالطبقة هي دلالة على تموضع اقتصادي-اجتماعي وسياسي، تكون في ظل الرأسمالية مفتوحة لجميع فئات المجتمع، على الأقل من الناحية النظرية، بعكس الإثنية والمذهبية التي لا يمكن اكتسابها إلا بالولادة. فالطبقية تنتمي إلى فضاء المجتمع الحديث أي المجتمع المدني، بعكس المذهبية والإثنية المرتبطتين بالمجتمع الأهلي.

في هذا السياق، أشير إلى أنني أؤيد ما ذهب إليه الصديق شوكت غرز الدين، في مقاله حول الوثيقة، وقد نشرته شبكة (جيرون) الإعلامية في 4 آذار/ مارس[1]، من أن الوثيقة لا تميز بين المجتمع الأهلي والمجتمع المدني. فالأول يشير إلى جملة من المفاهيم التقليدية والممارسات الموروثة، كالعادات والتقاليد والتصورات الدينية والإثنية وغيرها، أما الثاني، أي المجتمع المدني، فهو وعاء المفاهيم والممارسات الحديثة التي نشأت وتشكلت وترعرعت جنبًا إلى جنب، مع نشوء وتطور الدولة الحديثة. إليه تنتمي مفاهيم وممارسات تتعلق بحقوق الإنسان وصعود مشاركة المرأة في الشأن العام، ولكن أيضًا إليه تنتمي منظمات وممارسات، تقوم على توافق مصالح خاصة أو عامة، كالنقابات والاتحادات المهنية ومنظمات حقوق الإنسان والمرأة والطفل أي منظمات تتجاوز الأطر المحلية وروابط الدم والعرق والدين. وهذا ما جعل الوثيقة ملتبسة في التعامل مع ملف الأحوال الشخصية، كما شرح بشكل واف الصديق شوكت، في مقالته المذكورة.

في مقابل هذا الخلط بين مفهومي “الأهلي” و”المدني”، إذ تجاهلت الوثيقة “الأهلي” وجعلت المدني شاملًا للأهلي دون تبرير، يأتي خلطٌ آخر عبر استخدام مصطلحي “الحضارة” و”المدنية”، بمعنيين مختلفين. ففي الصفحة رقم 4 تطرح الوثيقة “أن التحول الديمقراطي المأمول يولده مستوى معين من التمدن، لا من التحضر“، وعند قراءة بقية الفقرة لا تجد ما يسعفك بفهم الفرق بين التمدن والتحضر، وذهب بسبب ذلك تفكيري باتجاه أن الوثيقة تحاول محاربة النزعة “القيمية”، في كلمة “تحضر”، والتي يمكن اعتبارها نقيضًا للهمجية. لكني أتفاجأ في الصفحة رقم 13 بأن الوثيقة تفترض تعارضًا بين المدنية والحضارة؛ فالثانية تشير إلى الرعوية، بينما الأولى تحيل إلى المواطنة. أعتقد أننا هنا أمام انتهاك للغة العربية، على الأقل في نسختها المعاصرة. فالفكرة التي تطرحها كلمة “تحضر” تحيل إلى الرقي، وهو عمومًا مرادف لكلمة تمدّن. وإن أردنا ابتغاء الدقة؛ فمن الممكن القول إن الحضارة هو مفهوم أوسع وأشمل من المدنية (التي يمكن اعتبارها فكرة حديثة ومرتبطة بالمواطنة، وبالتالي بانبثاق ونمو وتوسع المجتمع المدني، هذا التوسع الذي يتم بكل تأكيد على حساب المجتمع الأهلي أو الرعوي، كما تريد الوثيقة) لكنها، أي الحضارة ليست على النقيض من المدنية بكل تأكيد.

إن كانت الفكرة المراد التعبير عنها هنا جديدة، وهي كذلك في الوثيقة، والمقصود إيجاد كلمة أو مصطلح جديد يُعبر عن المرادف الاجتماعي-الثقافي للرعوية، كما أن المدنية هي المرادف الاجتماعي والثقافي للمواطنة، إن كان الأمر كذلك؛ فلماذا لا نشتق مصطلحًا جديدًا ونعرّفه بدلًا من “الاعتداء” على كلمات قديمة لها فهم واضح في ذهن الناس عامة وخاصة؟! ماذا لو قلنا إن الرعوية هي سمة “الحضرية” –لا الحضارة– كما أن المواطنة هي سمة المدنية؟ أليس أفضل من إلباس مصطلحات واضحة المعنى معاني جديدة تجعل ملتبسة مفهوميًا؟

خاتمة لا تختم النقاش

في مقاله تعليقًا على الوثيقة، يذهب الصديق أيمن مراد، في مقالته التي نُشرت في (جيرون) بتاريخ 19 شباط/ فبراير[2]، إلى أن الوثيقة قطعت مع خط ياسين الحافظ، ووصلت مع خط إلياس مرقص، وهذا صحيح في مواقع كثير ذكرها. لكني أضيف أن الصديق أيمن نسي أن من أهم ما قطعت معه الوثيقة، في كتابات الحافظ، سلاسةَ ووضوح النص، ويبدو أن أكثر ما أخذت عن مرقص هو الصياغة اللغوية الصعبة. وإن كانت هذا الأسلوب مناسِبًا، وهو بالتأكيد كذلك، للكتابة في موضوعات فلسفية عميقة ومعقدة، كما هي كتابات مرقص المتأخرة خاصة؛ فهي بكل تأكيد ليست مناسبة لصياغة وثيقة فكرية سياسية مطروحة على جمهور واسع.

 

[1]  يمكن الوصول إلى مقال شوكت غرز الدين على هذا الرابط: https://geroun.net/archives/112426

 

[2]  يمكن الوصول إلى مقالة أيمن مراد على هذا الرابط: https://geroun.net/archives/111123