رد على (من خارج الصندوق) حول الوثيقة المشتركة

 

توضيح لا بد منه:

كان من المفروض أن يكون مقالي هذا هو الجزء الثالث من قراءتي في الوثيقة المشتركة الصادرة عن (حزب الجمهورية) و(اللقاء الوطني الديمقراطي)، وقد أنهيت كتابته فعلًا، لكن صدور مقال شوكت غرز الدين (من خارج الصندوق: نقد الوثيقة المشتركة)، (https://geiroon.com/archives/112426) جعلني أخشى أن يُقرأ مقالي على أنه رد غير مُعلن (مبطن) على مقال غرز الدين، خصوصًا أن ما كتبته يتعرض -بشكل مباشر وغير مباشر- لبعض العناوين والأفكار التي طرحها غرز الدين، وبالتالي؛ خشيت الوقوع في ما يمكن تسميته ردًا استعلائيًا؛ لأن الرد المبطن يحمل دلالة الاستعلاء، والمقال وكاتبه يستحقان الاحترام والحوار والرد بشكل مفصل ومخصص ومستقل، لذا رأيت أن أخصص هذا المقال للرد على غرز الدين، وأؤجل الجزء الثالث إلى ما بعد صدور الوثيقة السياسية التي ستصدر قريبًا.

بنى غرز الدين نقده على خمسة محاور، وصفها جميعًا بأنها “إشكالية”، وهذا وصف جيد وجريء، فالمستقبل عمومًا، ومستقبل السوريين على وجه خاص، هو إشكالية، والعقد الاجتماعي إشكالية، وقانون الأحوال الشخصية إشكالية أيضًا، والاختلاف والمنهج إشكالية، كما أن السيادة الوطنية هي إشكالية، كما أن هذه المحاور الخمسة هي من أهم موضوعات الفكر السياسي التي يجب التفكير فيها. قيمة المقال، إذن، تأتي من أهمية هذه المحاور المطروقة، ثم من وصفها بأنها إشكاليات، ويجب التفكير بها على أنها إشكاليات، على الفكر السياسي أن يُنجزها، وفي هذا ترفع القبعة لشوكت غرز الدين.

أما ما عدا ذلك، فنحن نرى أن الكاتب وقع في مطب القراءة الانتقائية، ولم يستطع -أو في الغالب لم يُرد- أن يلتقط روح النص أو إيقاعه العام، وسنوضح ذلك بتناول محورين من هذه المحاور الخمسة، بشيء من التفصيل، ونكتفي بالإشارة السريعة إلى باقي المحاور، وتناول فكرتين أخريين وردتا في عموم النص، آملين أن نستطيع توضيح اعتراضنا على ما استند إليه غرز الدين في نقده للوثيقة.

في إشكالية السيادة الوطنية:

أثناء بحثي في موضوعة الدولة، وعند محاولة مقارنة النتائج النظرية التي توصلت إليها مع ما هو مترسخ في وعي السوريين عن الدولة؛ توصلت إلى أن العنف المفرط المستخدم ضد السوريين من قبل دولتهم قد أصابهم بما يمكن أن نسميه (فوبيا الدولة)، وضعتها بين قوسين لأنني لم أحسم الأمر بعد، وهذا مبحث أراه مهمًا جدًا وخطيرًا جدًا، وأدعو جميع المهتمين إلى بحثه، لا سيّما أن ذلك يعني عدم امتلاك الإرادة لبناء الدولة، بل الفوبيا (في حال وجودها) تعني الدفع إلى امتلاك إرادة معاكسة، وهذا خطير جدًا، تكمن خطورته في أنه سيقود السوريين إلى اللا دولة، إلى الفوضى أو الدولة الفاشلة، في أحسن الحالات.

وعملًا بمبدأ غرز الدين نفسه الذي أورده في مقدمة مقاله (من يكبر أخطائي يساعدني على رؤيتها)، يمكننا إذا كبّرنا خطأه أن نطلق عيه أنه وقع في (فوبيا الدولة)، هذا ليس حكمًا على الكاتب الناقد على الإطلاق، لسببين: الأول أنني لمّا أحسم نتائج بحثي بعد، فهذه النتائج هي قيد الدرس، والثاني أننا قمنا بتكبير الخطأ الذي وقع فيه الكاتب، ما يعني أنه -وإن كانت نتائج البحث محسومة بشأن الفوبيا- قد لا تنطبق هذه النتائج على الكاتب، إنما تكلمْنا بهذه الطريقة لنوضح صورة الأمر.

يدعونا الكاتب إلى التنظير لدولة منقوصة السيادة سلفًا، تحت ذريعتين: الأولى أن السيادة المنقوصة هي أمر واقع، فلا يوجد دولة حتى الآن كانت بمعزل عن تدخل الدول الأخرى بها بطريقةٍ ما، والثانية: أن السيادة المنقوصة هي ضمان لعمليات التدخل الإنساني.

ثم يقول: (إن السيادة منقوصة دائمًا، وهذا النقص يحمل دعوة لملء النقص باستمرار). لغويًا، نقول: إكمال النقص أو إتمامه، ولا نقول ملء النقص، نقول ملء الفراغ، والنقص غير الفراغ، لا بأس! سنعتبر هذا خطأً لغويًا فقط، ولن ننظر فيه على أنه مكرٌ لغوي (لأن استخدام عبارة إكمال النقص يهدم البناء المنطقي للفكرة)، وسنقر مع الكاتب بصوابية هذه الدعوة، دعوة إكمال النقص أو (ملئه). لكن لنلاحظ أن الوثيقة قامت بالتنظير لدولة (مملوءة النقص) في سيادتها تجاه الخارج، ريثما يبرهن الواقع أن هذه السيادة منقوصة يجب (ملؤها)، ثم يعود ليثبت نقصها وهكذا دواليك، وبالتالي ذريعة الكاتب الأولى لم يعد لها مبرر، هذا من جهة، ومن جهة أخرى لنلاحظ أن الوثيقة قامت بالتنظير لدولة منقوصة السيادة فعلًا تجاه الداخل، عندما اعتبرت أن الإنسان السوري هو مركز هذه الرؤية وغايتها، وعندما أقرت بأولوية القوانين الدولية في ما يتعلق بحقوق الإنسان على القوانين الداخلية.

الوثيقة مع انتقاص سيادة الدولة لصالح سيادة المواطن، ولصالح سيادة الشعب، ومع انتقاص سيادة الدولة لصالح كرامة الإنسان السوري، وكرامة الفرد بما هو فرد كلي – فرد نوع وهذا ما تقوله الوثيقة: (الشرعة العالمية لحقوق الإنسان، والمواثيق والعهود التي أقرتها المنظمات الدولية ذات الصلة، والأعراف الإنسانية لحقوق المواطنة والمواطن، كلها جزء أساسي من الدستور، من دون أي تحفظ. وللقانون الدولي والقانون الدولي الإنساني أولوية على القوانين السورية، بما لا يتعارض مع سيادة الدولة واستقلالها ومصالحها المشروعة). ما يعني أن الذريعة الثانية تدحضها الوثيقة.

من شأن التنظير أنه ينشد الكمال، وهذا ديدن الفكر، ومن شأن الفكر أن ينظر في موضوع ما نظرة متكاملة، ويرسم لها تصورًا كاملًا غير منقوص، وهذا واجبه، ومن شأنه بل واجبه أن يدرك مكامن الوهم في هذا التصور، وهذا ما قامت به الوثيقة، وحاولت قدر استطاعتها أن ترسم تصورًا لمستقبل السوريين، يمكن ويجب العمل عليه، وأشارت بوضوح إلى مكامن الوهم في هذا النسق النظري، عندما تحدثت عن الأيديولوجيا.

في إشكالية المستقبل:

في هذه الفقرة، توجد مغالطتان أساسيتان، سننظر فيهما، ويوجد بعض العبارات التي نعترض عليها، سنفرد لها ولغيرها مما ورد بباقي الفقرات فقرة خاصة.

أما المغالطة الأولى، فهي تعريف المستقبل، حيث ورد ما يلي: (ببساطة علمية وفلسفية واختبارية، أقول إن المستقبلَ، أي مستقبل هو عدمُ تعيين).

الفرق بين أن يكون المستقبل عدم تعيين، وأن يكون احتماليًا غير حتمي، كالفرق بين الوجود والعدم.

هذا تعريف يحيل إلى العدم، يحذف ويلغي ويشطب كل الفضاء الاحتمالي للمستقبل، وبالتالي؛ يحذف ويلغي ويشطب كل ممكنات الواقع، أي يلغي الواقع!!!

العدم هو أحد إمكانات المستقبل، كاحتمال الوصول إلى الجنة تمامًا (على اعتبارها الكمال المطلق)، فكما أننا يجب أن نسعى للكمال، ونحن نعلم أننا لن نصل إليه (نسعى ولا نصل)، فيجب أيضًا أن نسعى لمحاربة العدم، ونحن نعلم أننا لن نستطيع حذفه من الفضاء الاحتمالي (نسعى ولا نصل)، الجنة والعدم هما الاحتمالان النقيضان اللذان تنوس بينهما باقي احتمالات المستقبل، وحظ كل منهما، في أن يصبح واقعًا، يسعى إلى الصفر.

إن هذا التعريف العدمي يلغي مشروعية التنظير للمستقبل، وإصرار الكاتب في كلمة (أي مستقبل) هو إلغاء لمشروعية التفكير، بأي مستوى من مستويات المستقبل، بدءًا من الدقيقة المقبلة، ووصولًا إلى اللانهاية!! ومع هذا الإصرار؛ يصبح من الطبيعي إدانة تنظير الوثيقة للمستقبل المتوسط والبعيد.

خط الوثيقة على عكس هذه العدمية الخائبة، الوثيقة تقول بوضوح إن المستقبل هو أحد ممكنات الواقع، فاختيار ممكن من هذه الممكنات والتنظير له هو أمرٌ مشروع، والتنظير الجيد هو التنظير المدرك لأوهامه، والوثيقة أعلنت بوضوح شديد مكامن الوهم في تنظيراتها، عندما تحدثت عن الأيديولوجيا.

تركت هذه الوثيقة الحديث عن المرحلة الحالية للورقة السياسية، لا سيما أن الحدث الذي تعبّر عنه الوثيقة ذو دلالة سياسية عميقة (تقارُب حزب الجمهورية واللقاء الوطني الديمقراطي)، بمعنى آخر: حاولت الوثيقة بوعي كامل من أصحابها أن تنظّر بعناية للمستقبل، ليتم النظر إلى المرحلة الحالية بدلالة هذا المستقبل، وهذا ممكن وواجب، فمن الواجب الخروج من فوضى الواقع، ومن الواجب تدبير المصير والتنظير جيدًا لمستقبلٍ نسترشد به، لنستطيع الخروج من هذه الفوضى، وهذا ما لا يريده غرز الدين، بل هذا ما قام بإلغاء أي مشروعية له، عندما عرّف المستقبل بأنه عدم تعيين!

المغالطة الثانية هي بعض القراءات الانتقائية التي قام الكاتب بإخراجها من سياقها، ليستشهد بها على ما يذهب إليه من اتهام للوثيقة.

سأدلل على هذه المغالطة بمقارنة بين فقرة من المقال، وبين ما اجتُزئ منها لو تم التقاط روح النص، لنقرأ هذه الفقرة من المقال الناقد: (وبما أن موضوع السياسة هو حكم وأمن واستقرار شعب من الشعوب، وعلاقات هذا الشعب الداخلية بنفسه، وعلاقته بسواه من الشعوب الإقليمية والدولية؛ فإن الحديث عن “تدبير المصير”، وكأنه في الآخرة، والهروب من المستقبل القريب والمتوسط، لا ينتمي أبدًا إلى موضوع السياسة)، هذا كلام لم يلتقط روح النص (الوثيقة)، إيقاعه، منحاه وخطه، لنلاحظ الآن كيف يمكن لهذا الكلام أن يصاغ، استنادًا إلى روح الوثيقة: (وبما أن موضوع السياسة هو حكم وأمن واستقرار شعب من الشعوب، وعلاقات هذا الشعب الداخلية بنفسه، وعلاقته بسواه من الشعوب الإقليمية والدولية، فإن الحديث عن (تدبير المصير) (بل التنظير له بعناية المفكر الفلسفي، يغدو ضرورة لا مفر منها للخروج من فوضى الواقع، في ظل مستنقع الحرب الذي تداخل فيه المحلي مع الإقليمي مع الدولي، بشكل مختلط وفوضوي، وتعاشق وتواشج هذا التداخل مع تشظي الذات السورية وضياعها، لذا يغدو الحديث عن السياسة بدون رؤية مستقبلية (تدبير المصير) هو خارج موضوع السياسة، هو أشبه بحرتقات سياسية). ظلّلت الفرق بين الصياغتين بالأسود كي أُبرز وأُكبّر الخطأ (حسب تعبير غرز الدين)، لا شك أن القارئ الكريم لاحظ الجذر الغائب عن المقال الناقد، والحاضر بوضوح في الوثيقة.

إذن -برأيي- وقع ناقد الوثيقة في مطب القراءة الانتقائية، هذا المطب الذي أبعده عن التقاط روح الوثيقة، وهنا يجب أن نعترف بخطأ المحرر الذي قام بتحرير الوثيقة في موقع (حزب الجمهورية)، هذا الخطأ المتمثل بتظليل بعض الفقرات بلون مختلف، بما يشكل هذا العمل من دعوة إلى قراءة انتقائية، وهذا خطأ نعترف به، ونطالب المحرر بتصحيحه، فالنص بكليته، بروحه وإيقاعه وعناوينه ومفرداته ومفاتيحه المعرفية ومفاهيمه وسياقاته ودلالاته، وفي فواصله ونقاطه وعلامات ترقيمه أيضًا.

العدالة والديمقراطية والعقد الاجتماعي والحرية:

استطاعت الوثيقة أن تُثبّت معنًى مهمًا للحرية، نظم الوثيقة بكامل تفاصيلها ومفاهيمها، فخلافًا لما ادّعى غرز الدين أن الوثيقة ذهبت إلى أن (الحرية هي ماهية الإنسان)، وهذه العبارة لم ترد في الوثيقة، لا تصريحًا ولا تلميحًا، إنما وردت العبارة التالية: (الحرية قوام إنسانية الفرد الإنساني)، والفرق واضح، الأول يحيل إلى أن الحرية بنت الطبيعة (الأولى)، والثاني يحيل إلى أن الحرية هي بنت الطبيعة الثانية، والطبيعة طبيعتان: طبيعة طبيعية، بكر، أولى، لا علاقة للإنسان والعمل الإنساني والتاريخ الإنساني بها، وطبيعة ثانية هي إنتاج العمل الإنساني والتاريخ الإنساني، لنقرأ ما تقوله الوثيقة: (الإنسانية ليست شيئًا مضافًا إلى الطبيعة من خارجها، بل شيء ناتج منها. الإنسان كائن حي طبيعي، يمتاز بقدرته على التحسن الذاتي، وتغيير أشكال الطبيعة، وهاتان متشارطتان، ويمتاز قبل ذلك بكونه خالقًا مبدعًا وصانعًا وبستانيًا للعالم. الإنسان ابن الطبيعة، قبل أن يصير ابن المجتمع، من دون أن يكف عن كونه ابن الطبيعة، لكن المجتمع ابن الإنسان، ابن التاريخ، بما هو تاريخ الإنسان، مع عنصر طبيعي غير مرفوع، ولا يمكن رفعه). الحرية تنتمي إلى هذه الحيثية، وبالتالي؛ فالوثيقة بريئة من تهمة أنها خفضت مقولة الحرية إلى حرية بالولادة، أو حرية طبيعية.

هذا تفريق مهم، ومع اعتراضنا على نقد غرز الدين، ومع أن سياق النص واضح في إحالاته، لكن لا أجد حرجًا في القول إن مسودة الوثيقة كانت تحتوي فقرة، تتحدث عن مفهوم الاغتراب الإنساني ومقولة العمل الإنساني، وتشير إلى أن الطبيعة طبيعتان، تم حذف هذه الفقرة كاملة بسبب أنها واضحة بسياق النص.

إذن؛ الحرية قوام إنسانية الفرد الإنساني، بهذا المعنى، كانت الحرية مقولة سيدة في الوثيقة، منها اشتقت باقي المعاني، وعليها استندت باقي الاشتقاقات، ولنلاحظ أن الإصرار على عمومية الدولة، بوصفها مملكة القوانين من جهة، والإصرار على أن المجتمع المدني هو مجتمع الاختلاف والتمايز والتعدد والتنافس… إلخ، من جهة ثانية، هو اشتقاق يستند إلى مقولة الحرية، العقد الاجتماعي أيضًا بني على مقولة الأفراد الأحرار، وكذلك موضوع الأحوال الشخصية، ولنلاحظ هنا أن الناقد تعرض في هذه المسألة لنقد يستند إلى ما عابه على الوثيقة (تعريف عتيق)، فقد استند إلى تعريف المجتمع المدني، بأن (المدني هو نقابات وجمعيات وصالونات وتعاونيات وجماعات ضغط، تنعقد استنادًا إلى الصفة المدنية في الأفراد)، وهذا تعريف (عتيق) بتعبيره، يغفل جذر الحرية؛ لأن المجتمع المدني هو مجتمع الأفراد الأحرار الذين لهم كامل الحرية في تقرير واختيار وبناء تجمعاتهم المدنية، من نقابات وجمعيات وصالونات الخ.. إغفال هذا الجذر -برأينا- هو سبب رئيس في ما نلاحظه من نظرة استعلاء واحتقار وعداء للمجتمع الأهلي، في الأوساط (المدنية).

ينحاز المقال الناقد إلى الديمقراطية، على حساب العدالة والعدالة الانتقالية، ناسفًا مقولة العقد الاجتماعي، وناسفًا بالمحصلة مقولة الحرية كمقولة سيدة، حيث يقول الديمقراطية أوجب من العدالة.

ونحن نقول: التوافقات الكبرى هي أساس الديمقراطية، ومعها التوافق على قوانين الانتخابات قبل ومع الديمقراطية، التوافق على قبول نتائج الانتخابات قبل ومع الديمقراطية، التوافق على آليات العمل الديمقراطي قبل ومع الديمقراطية، التوافق على مبدأ التداول السلمي للسلطة قبل ومع الديمقراطية، التوافق على آلية تعديل الدستور قبل ومع الديمقراطية… إلخ. وتجربة مصر والجزائر ما زالت ماثلة أمامنا، نجح الإسلاميون في الانتخابات في مصر؛ فانقلبوا على الآلية التي أوصلتهم إلى السلطة، بمحاولاتهم “أخونة” الدولة؛ فانقلب العسكر على نتائج الانتخابات. هذه هي الديمقراطية من دون العقد الاجتماعي والتوافقات الكبرى.

ومن الضروري أن نشير هنا إلى ما أشرنا إليه أعلاه، في موضوع الطبيعة والطبيعة الثانية، فالحقوق المدنية في العقد الاجتماعي هي حقوق من إنتاج الطبيعة الثانية، من إنتاج التاريخ والعمل البشري، فالمجتمعات الحديثة يكتسب أطفالها حقوقًا بمجرد ولادتهم، كحق الرعاية والتعليم والطبابة… إلخ، تمنحها لهم الطبيعة الثانية (المجتمع والدولة الحديثة).

العدالة الانتقالية مدخل أساس للتوافقات الدستورية الكبرى، ولنلاحظ أن العدالة هي الأخرى أُسست أيضًا على مقولة الحرية، وعلى هذا المركب المهم (حرية/ مساواة).

إذن؛ تقول الوثيقة بوضوح إن المدخل الحقيقي للديمقراطية هو العقد الاجتماعي والعدالة الانتقالية، المؤسَسان، بل المؤسَسون (مع الديمقراطية)، على مقولة الحرية.

الحداثة وما بعد الحداثة:

التقط الناقد مسألتين من مسائل ما بعد الحداثة، وأغفل الثالثة، بل نقدها ورفضها، على اعتبار أنها تنتمي إلى ما قبل الحداثة، وهو محق في اعتبار أن ملامح ما بعد الحداثة غير واضحة بعد، ولهذا السبب لم تصرح الوثيقة، ولم تأت على ذكر ما بعد الحداثة، إنما اكتفت بالتشديد على أهمية نقد الحداثة والتأسيس المعرفي لهذا النقد.

رفض غرز الدين حديث الوثيقة عن الوطن والوطنية والمواطنة، واعتبر أن الوثيقة تؤسس المواطنة على المكان لا على الدولة، يبدو أنه لم يلتقط نقد الحداثة، أو الجذر ما بعد الحداثي لهذا الحديث، ويبدو أنه اعتبر أن المقصود، في عبارة اضمحلال الدولة، ما نراه في سورية والصومال وغيرهما، لا ما نراه في الدول الأوروبية، أو ما يشير إلى مقولة ماركس (اضمحلال الدولة وزوالها في نهاية المطاف).

لنوضح الأمر:

يبدو أن اللبس حصل، بسبب كلمة وطن، الوطن -كمصطلح ومفهوم- من دون الوطنية والمواطنة، يمكن أن نعتبر أنه ينتمي إلى العوالم الثلاث معًا (الحداثة وما قبلها وما بعدها)، فهو المكان – زمان المأنوس، هذا ينطبق على الوطن قبل الحداثة، ومعها، وبعدها، ما يحدد الفرق بين العوالم الثلاثة في المعنى هو المواطنة والوطنية والدولة. ويصبح حينئذ الحديثُ، عن أن العلاقة مع المكان – زمان هي أبدأ من العلاقة مع الدولة، حديثًا مهمًا للفصل الفكري بين المفاهيم الثلاثة، وليس كما ادّعى غرز الدين أنه خلطة فكرية، تأتي أهمية هذا الفصل للتأسيس لمعرفة نقدية حقيقة للحداثة، الوطن مكان – زمان مأنوس، والمواطنة تمكن، والدولة إلى اضمحلال، هذا كلام يؤسس لنقد عميق ورصين للحداثة، بل هو كلام ما بعد حداثي بامتياز، وقد أشرت، في مقال سابق، إلى فضل المفكر جاد الكريم جباعي، في تطوير هذا المفهوم، وسأوضح الأمر بطريقة فيها شيء من المغامرة في الخروج عن سياق الوثيقة، لكن كي يتضح الموضوع لا بأس من المحاولة.

أنا أرى (رأي شخصي وليس حزبي) أن صيغة الاتحاد الأوروبي هي خطوة حقيقية وعميقة لضرب مفهوم الدولة الوطنية، وقضمها، باتجاه اضمحلالها، أو لنقل إنها خطوة لقضم سيادة الدولة لصالح سيادة المواطن. المجلس التشريعي الأوروبي، والعملة الأوروبية الموحدة (اليورو) ومنصب وزير خارجية الاتحاد الأوروبي، والصيغة العسكرية للاتحاد الأوروبي، والتجول الداخلي للمواطنين والمقيمين الأوروبيين، في كل الدول بلا حدود سيادية وجمارك وخلافه، بل ثمة أكثر من ذلك: بعض القوانين الفرنسية تجيز حق التصويت للمقيمين غير الفرنسيين، في بعض المستويات الانتخابية، هذا يعني أن جزءًا مهمًا من العقد الاجتماعي يُصاغ خارج حدود المجتمع المعني (المجلس التشريعي)، ويعني أن الاقتصاد الوطني غير متمركز على الذات الوطنية، ويمكن أن ينتج خارج حدود الدولة (العملة الأوروبية الموحدة، والعملة رمز الاقتصاد الوطني)، ويعني أن القوة تنتج خارج حدود الدولة، والدولة لا تحتكرها، بل كل الإقليم يشارك في احتكارها، ويعني أن الحدود لم تعد موجودة، كدلالة على حدود سيادة الدولة، وكل هذا يعني أن الوطن هو المكان – زمان المأنوس، وأن المواطنة تكمن فيه، بغض النظر عن صيغة الدولة.