دور الأحزاب والهيئات في الثورة السورية

 

“سندعو إلى حوار وطني مع الشخصيات المعارضة؛ سيقبل البعض ويتردد البعض ويرفض البعض؛ وهكذا تظهر المعارضة مشرذمة، لا يمكن التعويل عليها، محليًا أو دوليًا”.

الكلام أعلاه جزء من الخطة الشاملة التي وضعها النظام السوري، في الشهر الرابع من عام 2011، بعد مرور شهر على انطلاق الثورة السورية، وكانت محل دراسة لمدة أسبوعين قبل توزيعها حسب قطاعات العمل: أمني، سياسي، إعلامي، رجال دين، أعضاء مجلس شعب، وجهاء قبليين موالين للسلطة.

هذا ما حصل تمامًا، منذ اللحظة الأولى التي دعا فيها النظام إلى حوار وطني؛ إذ شاهدنا المهرولين إلى الاجتماع، وشاهدنا مَن تردد، ومَن رفض ذلك بالمطلق، ودائمًا كان هناك تيار المعارضة المُصنعة في أقبية المخابرات السورية الجاهز لتقديم خدماته للسلطة، مقابل منافع صغيرة وشخصية على الغالب، واستمرت حالة الشرذمة ترافق المعارضة السورية، في كافة مراحل الثورة ومحطاتها المهمة، ومعها استمر النظام باللعب على وتر تناقضات المعارضة وخلافاتها الحزبية والأيديولوجية الضيقة، مُحاولًا أن يُشكّك بصدقيتها كمعارضة لا تحمل مشروعًا وطنيًا، يمكن للسلطة القبول به كمشروع بديل أو حتى للتشارك فيه. واليوم، بعد سبع سنوات، ما زال النظام يرفض الاعتراف بوجود معارضة وطنية، ولا يوفر فرصة من دون أن يستغلها، لوصف المعارضة بأنها مجموعة من المرتزقة والمأجورين أو أصحاب الفكر المتطرف، وتارةً يعترض على هذا الوفد المفاوض، وتارة يقبل به، مستغلًا اختلاف توجهات المعارضة تبعًا إما لأيديولوجيتها أو لأماكن تواجدها أو مدى تناغمها مع حلفائه روسيا وإيران، حيث كان هناك دومًا جزء مهم من الشخصيات المعارضة يُراهن على دور روسي، وهؤلاء هم من حضر مؤتمر سوتشي الأخير.

في الطرف الآخر، كان جزء من المعارضة يُراهن على دور تركي أو خليجي، ويقع -بشكل مباشر أو غير مباشر- في نطاق النفوذ الأميركي المباشر أو غير المباشر.

وفي صفوف المعارضة، هناك جماعات متعددة الاستخدامات، أطلقت على نفسها تسمية “تيارات” أو “منصات”، جعلت تارة موسكو، وتارة القاهرة، دولًا ضامنة، سواء في اتفاق الغوطة أو سواه، علمًا أن بعض قادة فصائل الغوطة يقيم في المملكة العربية السعودية، وكان من الأسهل قيام تركيا بدور الضامن بالنسبة إلى الغوطة، لكن بعض التيارات والمنصات، بالتوافق مع روسيا، أرادت أن يكون لمصر دور تستقوي به روسيا لاحقًا على تركيا والسعودية، من حيث ترجيح كفة المعارضة المتناغمة معها مباشرةً، على كفة المعارضة المدعومة من تركيا والسعودية، وبالمقابل منحت مصر لبعض هذه التيارات حرية عقد الاجتماعات والمؤتمرات الصحفية والعمل السياسي عمومًا، ولكن ضمن التوجه المصري العام من الثورة السورية، وهو اللعب على وتر الحل السياسي، حتى يكون النظام قد استعاد السيطرة عسكريًا على كامل الأرض الخارجة عن سلطته.

لكن يبقى الجرح الأعمق في الثورة السورية هو المراهقة التي مارستها جماعة اليسار السوري، حيث كان السوريون يضع أملهم. والحديث عن اليسار السوري حديث مؤلم ذو شجون؛ إذ من غير المفهوم كيف كان أحدهم يُغامر بحياته -سابقًا- لحضور اجتماع سري في سورية، وحين أصبح في مأمن في الخارج؛ يرفض كل فرصة للقاء بالآخر، ظاهرة عصية على الفهم والتفسير أن كل هؤلاء مدعي اليسارية لم يستطيعوا تشكيل حزب أو تيار يجمع أصواتهم، على الرغم من أن جميعهم يحملون الهدف نفسه ويرفعون الشعار نفسه، هم ممارسون للعمل السياسي، وأغلبهم على درجة عالية من الثقافة والوعي، ولكن -للأسف- كل ذلك لم يجعل منهم صوتًا موحدًا مسموعًا؛ فكان الصوت الراديكالي أقوى ومسموعًا أكثر، وبدلًا من أن تنصرف جماعة اليسار إلى مقارعة النظام؛ ذهبت إلى الهجوم على هذه الدولة أو تلك، بذريعة أن المال كان أقوى منها، وهذا ادّعاء باطل، طالما هي أصوات مشرذمة ومتفرقة، لم تستطع أن تكون موضع احترام السوريين على طرفي الصراع، فبدوا لا لون لهم ولا طعم، كمراهقين عابثين في الساحة السياسية، وكان أكبر إنجازات هذا اليسار أن ذهب إلى سوتشي فقط، ليقول أنا موجود، ولو على حساب الثورة وليس لصالحها، وعكس إرادة الشعب السوري، وتم اختصار هذا اليسار السوري بثلاث شخصيات، لا تلقى في الشارع السوري أي ترحيب أو قبول.

1 عدد الردود

التعليقات مغلقة