حول المطالبة بتطبيق دستور الخمسين

 

ما حرضني على كتابة هذا المقال هو تلك الحملات الواسعة والجدية والممنهجة، التي تطالب بتطبيق دستور العام 1950، على المرحلة الانتقالية القادمة في سورية، وما حرضني أكثر هو هذا الكم من المحامين والقضاة و(السياسيين) و(المثقفين) الذين يدعمون هذه الحملة ويقفون وراءها… وهم من يفترض بهم معرفة معنى وأبعاد ما يطالبون به.

يَسوق هؤلاء، لتبرير مطالبتهم بدستور الخمسين، بعض المبررات، أولها أنه دستور ديمقراطي، صاغته جمعية تأسيسية منتخبة، وتتمثل فيه مختلف فئات السوريين وتلويناتهم، وهذه ميزة يختص بها هذا الدستور دون سواه. وثانيها أنه لا بد من أحكام دستورية تغطي المرحلة الانتقالية، وتمنع حدوث فراغ دستوري فيها، ولا يوجد في تاريخ سورية الحديث سوى هذا الدستور التوافقي، والظروف القاهرة تمنع السوريين من إنجاز عملية دستورية يُعتدُّ بها… إذن؛ ملخص رأيهم أننا نحتاج إلى دستور يغطي المرحلة الانتقالية، والبلاد غير قادرة على إنتاجه، ولا بد من اعتماد دستور سابق، ولا يوجد أفضل من دستور الخمسين، من حيث صحة النشأة والإعداد.

ستقول الأسطر الآتية إن هذا الرأي ضعيف ومتهافت، لا يسعفه منطق ولا علم ولا واقع، فلا دستور الخمسين يصلح للمرحلة الانتقالية، ولا المرحلة الانتقالية تحتاج إلى دستور أصلًا.

نبدأ بمناقشة صلاحية دستور الخمسين، ونتناول الموضوع من بعده الزمني أولًا، ثم نتناول ظروف نشأته ثانيًا، ثم نتناوله من بعده التشريعي ثالثًا، ثم نتناوله من حيث ملائمته للظرف الاستثنائي لحالتنا السورية رابعًا.

في البعد الزمني، نقول إن السنوات السبعين التي تفصلنا عن العام 1950 كفيلة بأن تحيل عددًا كبيرًا من أحكام أي دستور إلى التقاعد، بفعل التقادم، ودستور الخمسين ليس استثناء، لأن الحياة مستمرة، وهي في تطور وتجدد دائم يستدعي تطويرًا وتجديدًا مواكبًا في التشريعات الحاكمة، ومنها الدستور. وحتى لو افترضنا أن سورية تعيش حالة تطور طبيعي، وأنها لم تعرف البعث، ولم تُبتلى بنظام الأسد، ولم تحدث فيها الثورة، وما زالت محكومة بدستور الخمسين.. لشهدنا -حتمًا- عدة تعديلات عليه، تطال الكثير من أحكامه، فكيف بالأحرى أن سورية تعرضت لما تعرضت له من تغييرات جذرية، طالت بناها المجتمعية والسياسية والاقتصادية… تلتها ثورة واحتراب وكارثة رهيبة مستمرة تستكمل عامها السابع بعد أيام؟

في ظروف النشأة، نقول إن دستور الخمسين هو، دون شك، علامة فارقة في تاريخ التشريع الدستوري في سورية، وهو ابن شرعي للسوريين بكل معنى الكلمة، وُلد على يد جمعية تأسيسية منتخبة، ومر بكل مراحل الولادة الطبيعية الديمقراطية. لكن ذلك لا يمنعنا من القول أيضًا إنه وُلد في ظروف استثنائية، من عدم الاستقرار والانقسام السياسي الذي كانت تعيشه البلاد -آنذاك- بسبب الانقلابات، وبُعيد النكبة بسنتين، وهذه الظروف أرخت بظلالها على الدستور، فكان لا بد من مراعاة جميع القوى المؤثرة؛ ما أدى إلى إدراج أحكام إشكالية ومتناقضة أحيانًا، فجاءت بعض أحكامه مغالية في إسلاميتها، وبعضها مغاليًا في عروبته، وبعضها مغاليًا في اشتراكيته، مع أحكام ليبرالية بالمقابل، مع أحكام متميزة ومتقدمة في مجال الحريات وحقوق الإنسان واستقلال القضاء وحقوق المرأة.

نأتي إلى مضمون الدستور، ونحاول تلمس مدى ملائمة أحكامه لوقتنا وحالتنا، فنرصد نقاطًا خلافية، غريبة عن الزمن والسياق، نأتي على بعضها فقط، لضيق المجال.

النقطة الأولى الأكثر خلافية، كما أراها، هي حضور النص الديني بصيغة مشدّدة في الدستور، فقد جاء في المقدمة أن “الدولة تعلن استمساكها بالإسلام ومثله العليا”، وجاء في الفقرة الأولى من المادة الثالثة أن “دين رئيس الجمهورية الإسلام”، وفي الفقرة الثانية من المادة نفسها أن “الفقه الإسلامي هو المصدر الرئيسي للتشريع”. وسننظر في معاني وأبعاد ذلك. آخذين بعين الاعتبار أن الإسلام المقصود هو إسلام مذهب أهل السنة والجماعة، وهم طائفة الأكثرية العددية في سورية.

فعبارة “دين رئيس الجمهورية الإسلام”، تعني أن هذا المنصب حكر على جماعة دينية محددة، هي جماعة المسلمين، السنّة تحديدًا، وممتنع على الجماعات الدينية الأخرى. وعلى الرغم من أن هذا النص لا علاقة له بمدى تطبيق أحكام الشريعة، فإنه يجرح مبدأ المواطنة، التي تفترض المساواة التامة بين المواطنين، في الفرص والحقوق والواجبات، بغض النظر عن انتمائهم ودينهم وجنسهم ولون بشرتهم، وأحسب أننا أصبحنا بأمس الحاجة إلى التمسك بمبدأ المواطنة المتساوية والعض عليه بالنواجذ، لأنه حبل نجاتنا الوحيد. ومن جانب آخر، لا أرى أي فائدة عملية للمسلمين من وجود هذه المادة، لأن منصب رئيس الجمهورية مضمون لهم بحكم أكثريتهم العددية، ومن دون نصوص دستورية، وحيث يستحيل وصول أي مرشح لا يرغبون في وصوله. وأرى من جانب ثالث أن هذه المادة قد تضر بالمسلمين أنفسهم؛ لأنها ستمنعهم من اختيار مرشح غير مسلم، قد يرون فيه المواصفات المناسبة لقيادة البلاد.

أما النص على أن “الفقه الإسلامي هو المصدر الرئيسي للتشريع”، فهو الأخطر والأبعد أثرًا، وهو نص خلافي بامتياز، ويستحيل على غير “الإسلاميين” القبول به (ولا أقول المسلمين). فمع “أل” التعريف التي تسبق كلمة “الفقه”، يكون الفقه الإسلامي، منفردًا، هو المصدر الرئيس للتشريع، وتكون المصادر الأخرى ثانوية، أيًا كانت، ولا يمكن اللجوء إليها إلا عند عدم وجود نص صريح في الفقه الإسلامي، حول الموضوع محل التشريع، وعندما تتعذر إمكانية الاشتقاق من أحكام الشريعة، ومع مراعاة ألا تتعارض الأحكام التي تستند إلى مصادر أخرى مع مبادئ الشريعة الإسلامية الأعلى مرتبة.

وعبارة “الفقه الإسلامي”، بحد ذاتها، تحيلنا إلى طيف واسع من الأحكام الظنية الثبوت والدلالة، والخلافية في أحيان كثيرة، بحكم اتساع وتنوع التراث الفقهي الإسلامي نفسه.

إذن؛ أن يكون “الفقه الإسلامي” هو “ال” مصدر الرئيسي للتشريع، فهذا يعني أننا أمام قضية خلافية كبيرة يصعب تجاوزها، لأنها ستُواجه بمقاومة شرسة من الجماعات الدينية الأخرى، ومن نسبة كبيرة جدًا من السنّة أنفسهم. ولا داعي للتذكير بأجواء الريبة وانعدام الثقة بين فئات السوريين، في وطنٍ خرج لتوه من مأساة مديدة قلّ نظيرها في التاريخ.

صحيح أن هذه المادة المقترحة من قبل جماعة “الإخوان المسلمين” قد قُبلت من باقي أعضاء اللجنة الدستورية، بعد أن قدّم الإخوان ضمانات شفهية عبر ممثلهم في اللجنة الدستورية “مصطفى السباعي” على أن تلك المادة لن تكون سببًا لزيادة نفوذ الشرع الإسلامي، وأن للبرلمان حق التشريع بما يراه مصلحة الأمة. وصحيح أن هذه المادة لم تُفعّل خلال فترات العمل بهذا الدستور (3 فترات). وصحيح أن ثمة مواد أخرى تعاكسها في الاتجاه، وتتحدث عن حرية المعتقد… لكنها تبقى لغمًا يمكن تفجيره في أي لحظة، والأجدر بنا أن لا نترك ألغامًا في طريقنا، ويفضل استبدالها بمادة تنص على أن “مبادئ الشريعة الإسلامية مصدر من مصادر التشريع”، أي أن نستبدل عبارة “الفقه الإسلامي”، بـ “مبادئ الشريعة”، ونستبدل عبارة “المصدر الرئيسي”، بـ “مصدر من المصادر”، وأعتقد أن صيغة من هذا النوع يمكن تفهّمها من قبل الكافّة.

أختم في هذه النقطة بالقول: إن ورود النص الديني في الدستور، بالطريقة التي جاءت في دستور الخمسين، يعني أدلجة الدستور، وبالتالي الدولة، وهذا لن يمر إلا بالغلبة والقهر، وهو -إن مرّ- كفيل بالقضاء على إمكانية الانتقال إلى الدولة الوطنية الحديثة التي ينشدها أغلب السوريين، لأنه ينال بالضرورة من فكرة الحرية، ومن فكرة الديمقراطية، ومن فكرة المواطنة المتساوية، ويجعل الدولة على مسافات غير متساوية من جميع مواطنيها، وهذا مدخل حتمي لاستبداد جديد.

نترك حضور النص الديني في دستور الخمسين، وننتقل إلى النقطة الثانية، وهي حضور “العروبة”، ونلاحظ أن دستور الخمسين يركز على عروبة سورية، وعلى القومية العربية بشكل فاقع، يعكس المناخ العام الذي كان سائدًا في تلك الفترة، وكأن العرب وحدهم سكان البلاد، وهذا أيضًا، بمقياس المرحلة، لا يمكن للفئات غير العربية تمريره، الكردية منها بشكل خاص، ويفضل اللجوء إلى صياغات تركز على العروبة، كفضاء ثقافي ومحيط جغرافي تنتمي إليه سورية، والابتعاد عن مفهوم العروبة كمنظومة أيديولوجية أو فكرية أو سياسية؛ ما يجعل من غير العرب مواطنين من الدرجة الثانية.

جاء في مقدمة الدستور إياه: “نحن ممثلي الشعب السوري العربي، المجتمعين في جمعية تأسيسية”. وجاء أيضًا: “نعلن أن شعبنا الذي هو جزء من الأمة العربية، بتاريخه وحاضره ومستقبله. يتطلع إلى اليوم الذي تجتمع فيه أمتنا العربية في دولة واحدة، وسيعمل جاهدًا على تحقيق هذه الأمنية المقدسة، في ظل الاستقلال والحرية”. وجاء في الفقرة 1 من المادة 28: “على الدولة أن تجعل أولوية في الموازنة لنشر التعليم الابتدائي والريفي والمهني وتعميمه، تحقيقًا للمساواة بين السوريين، وإقامة للنهضة القومية على أسس صحيحة”. وجاء في نص القَسم الذي يقسمه النواب (مادة 47) والذي يقسمه الرئيس (مادة 75): “…. وأن أعمل على تحقيق وحدة الأقطار العربية”.

النقطة الثالثة هي الحضور الواضح للنفس الإشتراكي في بعض القواعد، وهذا ما تجاوزه الزمن، وأصبح من الصعب تقبله، فهو يعزز دور الدولة التدخلي، ويُضعف المبادرة الفردية، ويقيد حقوق الأفراد في التملك، ولا يقدم لهم الحماية الكافية، والملكية الخاصة مقيدة ومهددة… وأقتبس بعضًا مما جاء في الدستور، فقد نصت الفقرة 3 من المادة 21 على أنّ “الملكية الخاصة مصونة، ويعين القانون كيفية حيازتها والتصرف بها، بحيث تؤدي وظيفتها الاجتماعية”. والفقرة 1 من المادة 22: “يعين بقانون حد أعلى لحيازة الأراضي تصرفًا أو استثمارًا بحسب المناطق، على أن لا يكون له مفعول رجعي”. والفقرة 2 من المادة 22: “تشجع الدولة على إنشاء الجمعيات التعاونية وتقوم بمراقبتها”. والمادة 24: “للدولة أن تؤمم بقانون كل مؤسسة أو مشروع يتعلق بالمصلحة العامة، مقابل تعويض عادل”. والفقرة 6 من المادة 28: “تتبنى الدولة الحركة الرياضية والكشفية والفتوة في المدارس والجمعيات والأندية، وتعمل على حمايتها وتقويتها ونشرها”. فهل ثمة من يقبل التأميم مرة أخرى؟ أو يقبل تبني الدولة للحركات الرياضية والكشفية والفتوة في المدارس؟

بعيدًا من النقاط الخلافية، ماذا نفعل بمؤسسات ينص عليها دستور الخمسين، وقد اختفت عن الوجود، مثل (ديوان المحاسبات)، أو (المجلس الاقتصادي)؟

بعد ما ورد أعلاه، هل يبقى ثمة داعٍ لمناقشة مدى ملاءمة هذا الدستور للظرف الاستثنائي الذي تعيشه بلادنا، حيث ترك حكم الطغمة، بإدارته السامة للبلاد على مدى نصف قرن، ثم بخياره الأمني العسكري الوحشي في التعامل مع شعبه على مدى سبع سنوات، بلدًا ممزقًا، وشعبا مكلومًا مشردًا، وشروخًا غائرة بين فئات المجتمع السوري، وصدورًا مليئة بالكراهية والحقد تجاه الآخر، وثقة معدومة بين الجميع؟ بمعنى أنه إذا كان دستور الخمسين غير ملائم الآن لبلد يعيش حياة طبيعية؛ فكيف سيكون ملائمًا لبلد يعيش مأساة بهذا الحجم؟

ثم، من سيعطي هذا الدستور شرعيته؟ ومن لديه صلاحية اعتماد هذا الدستور أو ذاك؟ أو شطب هذه الأحكام منه وإبقاء تلك، أو إضافة أحكام جديدة ضرورية؟ وهل ثمة شعب سوري يستطيع الآن منح الشرعية، أو منح التفويضات لهيئات منتخبة؟ وهل ثمة مجال لانتخاب أصلًا؟… وإذا كانت مسألة الشرعية محلولة؛ فلماذا إذن لا ننتج دستورنا المناسب دون الحاجة لاستحضار دستور تجاوزه الزمن؟

أخلص إلى القول، إنه لا يمكننا استحضار دستور سابق لتغطية مرحلة استثنائية مختلفة جذريًا في كل شيء، حتى لو سلّمنا أنه كان ناضجًا متكاملًا في حينه، لعدم مواءمة أحكامه لهذه المرحلة من جانب، ولعدم توفر الشرعية اللازمة لاعتماده أو تعديله من جانب آخر. ونؤكد أن المرحلة الانتقالية لبلاد منكوبة مثخنة بالجراح لا تحتاج إلى دستور أصلًا، بل إلى قواعد دستورية مؤقتة مفصّلة على قياس المرحلة، تضعها الحكومة الانتقالية المشكلة بموجب الاتفاق السياسي، ضمن وثيقة دستورية مؤقتة تدعى “إعلان دستوري”، تتضمن مبادئ الاتفاق السياسي، والقواعد الدستورية اللازمة والكافية لتغطية المرحلة الانتقالية، وإيصال البلاد إلى مرحلة الاستقرار والتعافي والنضج الكافي لوضع دستور دائم، ومنظومة قانونية متكاملة.

1 عدد الردود

التعليقات مغلقة