غانديون مع الاحتلال الأسدي لا الإنكليزي!

 

“إن إيقاف الحرب هو الحل الوحيد لتلافي المزيد من الكوارث، وإنقاذ ما يمكن إنقاذه من البشر والحجر”. يمكننا أن نقرأ ونسمع هذه المقولة أو الدعوة، حيثما تلفَّتنا، في التلفزيونات والإذاعات والصحف و(فيسبوك) وحتى في القصائد: “أوقفوا الحرب وافتحوا النوافذ للشمس”. إنها دعوات غاندية وربما أكثر من غاندية، على الرغم من الفوارق الكبيرة، بين تعامل احتلال إنكليزي مع مقاومة سلمية، وبين احتلال أسدي لا ضوابط له ولا قيم ولا سقف لحدود وحشيته وبطشه. قلتُ من سنوات طويلة، وأعيد (بالطبع، كان ويبقى الاحتلال احتلالًا، بكل ما ينطوي عليه من ذل وجور وقسر ومضض، غير أن مفهوم الاحتلال -عندي- لم يعد مقتصرًا على الآخر أو الأجنبي أو الخارج. ثمة احتلالات داخلية “وطنية” أشد بؤسًا وجورًا ونهبًا وبطشًا وتدميرًا، وفي المحصلة؛ أشد كسرًا للإرادة الوطنية).

بعد انطلاقة الثورة السورية وردات فعل النظام الدموية؛ صرتُ أقدَرَ على تفهُّم والدي وأبناء جيله، وهم يترحَّمون على أيام فرنسا. النسبة أو التناسب انتسابٌ لمن أراد أن ينتسب. وبالطبع لا أنسى، ولا أتناسى، أن الاحتلال الفرنسي للجزائر كان واحدًا من أفظع الاحتلالات وأكثرها وحشية، في تاريخ البشرية.

لا أشك في أن بعض من يقفون وراء مثل هذه الدعوات صادقون، إلا أنهم -على ما أظنّ- لم يسمعوا بالقصة المعروفة عن شجار بين اثنين ودخول ثالث ليحجز بينهما، وقول “المُحجِّز” لأحد المتشاجرين: “أفلتْ”، فيجيبه “أنا مُفلِت، دعه هو يفلِت”. وربما لم يسمعوا أيضًا بأني، فور خروجي من السجن، أعلنت مسامحتي وتنازلي عن حقي الشخصي، لكل من جلدني بأمانة حسب الأوامر لا أكثر، والمشكلة أن بعض الجلادين يرفض مسامحتي.

لكن هناك من يعرفون كل ذلك، ولا يكفّون عن دعواتهم الغاندية. بعض هؤلاء، ممن يرى أن الحل هو بإيقاف الحرب، لا يكمل معروفه، ويخبرنا عن الكيفية الممكنة لذلك. هل يكون إيقافها برضوخ أحد الأطراف وإعلان الاستسلام مثلًا، أم بقيام طرف بإلحاق الهزيمة بالطرف أو الأطراف الأخرى، أم بوجود إمكانية للتوافق بين جميع الأطراف على إيقاف الحرب؟

أنا أتحدث عن هؤلاء البعض، ممن هم على وعي واطلاع كافيين، إضافة إلى تجاربهم المشرِّفة، كمعارضين سياسيين سابقين لنظام الأسد الأب، وربما الابن حتى اندلاع الثورة، وإن شئتم الانتفاضة. بعض هؤلاء ما زال يحترم تاريخه، ويخجل من إعلان انحياز واضح إلى نظام الأسد، وهؤلاء يا حسرة قلبي عليهم. أمّا من أعلن انحيازه أو غيَّر مساراته أو غيَّرتْه الهواجس أو المصالح، فلا شأن لهذه المقالة به.

من الواضح، خلال سبع سنوات، بشكل متصاعد، أن الأسد وداعميه يريدون حلًا عسكريًا. عشرات آلاف الغارات الجوية للطيران الأسدي، خلال أول خمس سنوات، ثم الطيران الأسدي والروسي لاحقًا، ومئات آلاف الصواريخ والقنابل والبراميل المتفجرة، إضافة إلى اعتراضات الفيتو الروسية المتتالية، على معظم مشاريع القرارات التي تدعو إلى وقف العنف أو الحرب في سورية.. كل ذلك يؤكد أن النظام، منذ التظاهرات الأولى حتى آخر قرار لمجلس الأمن، يرى أن العنف هو الطريقة المثلى لهزيمة خصومه. وأحيانًا أفكِّر أن إيران وروسيا بصورة مكشوفة، وغيرهما من تحت الطاولة، يرون أن العنف هو الطريقة المثلى حتى لو كلفتهم عشرات أو مئات المليارات، وكلَّفت السوريين مئات آلاف الضحايا. ولو افترضنا -جدلًا- أن للأسد رأيًا في ما يجري، وقرَّر أن يجد مخرجًا؛ فهو يعرف أن روسيا وإيران مستعدتان وقادرتان على تصفيته. اِعرف من هم حراس ومرافقو الرئيس؛ تعرف من الذي يحكم سورية.

يتستر وراء الدعوة إلى إيقاف الحرب، هكذا من دون كيف، موالون كثر ورماديون ومتذاكون وانتهازيون، يضمرون رغبتهم في استسلام الشعب السوري لنظام الأسد، مقابل وقف الحرب، ولكن توخي “السترة” بقولهم إنهم مع وقف الحرب أفضل من فضيحة قولهم: استسلموا للأسد، وأريحونا.

أنا لن أكتب قصيدة عن فضائل إيقاف الحرب، ذلك لأن أعمى القلب والبصيرة يعرف فضائلها، من أيام معلقة زهير بن أبي سلمى، وقبلها وإلى اليوم. الأهمّ هو كيف نوقفها، ومن له مصلحة بإيقافها، وهل كلفة إيقافها أعلى من كلفة عدم إيقافها؟

مسار جنيف، وألاعيب أستانا، ومهزلة سوتشي، وقرارات مجلس الأمن التي تولد ميتة، وكذلك عدد الطلعات الجوية كل يوم لطيران بوتين والأسد، كلها تشير إلى أن إيقاف الحرب لن يحدث إلا في هذه الأحوال أو ما يدور في إطارها:

إذا استسلمت قوات المعارضة المدنية والعسكرية لنظام الأسد وأسياده استسلامًا كاملًا غير مشروط.

إذا نجح النظام في كسر المعارضة المدنية والعسكرية، وإلحاق الهزيمة الكاملة بها.

إذا اتفقت كل الأطراف السورية على إيقاف الحرب، وهذا بعيد الاحتمال؛ إذ لا النظام مستقلّ الإرادة، ولا المعارضة أيضًا، وكلّ منهما مستعد للقتال إلى الحد الذي يطلبه أسياده.

إذا حدث توافق دولي وإقليمي، يراعي مصالح الجميع قدر الإمكان. وهذا -حتى الآن- لا مؤشرات جدية عليه، وإلى ذلك الحين، فإن الأرجح أن لا تستسلم المعارضة المدنية والعسكرية، وأن لا ينجح نظام الأسد في هزيمتها، وأن لا تتفق جميع الأطراف السورية على كلمةٍ سواء، وبالتالي لا مفرَّ من انتظار ما سيسفر عنه الوضع الدولي والإقليمي.

لو كانت المعارضة السورية ملائكة، أو في منتهى الديمقراطية؛ فإنها لم تعد قادرة على أي تغيير مهمّ في موازين القوى، لأن حلفاءها لا مصلحة لهم في دعمها، كما هي مصلحة روسيا وإيران في دعم حليفهم الأسد. وإذا كان هناك ما يمكن التعويل عليه من شرفاء المعارضة، فهو ليس النصر، بل عدم الرضوخ لكامل إملاءات الحل الدولي والإقليمي. أعني تحسين الشروط والإملاءات، وتقليل سنوات الارتهان في ما فُرِض على النظام من اتفاقات مع إيران وروسيا، وأيضًا في ما سيُفرض على المعارضة أو هيئة الحكم الانتقالي. إذا كان الأسد منح الروسَ قاعدة حميميم لخمسين عامًا؛ فسيمكن للمعارضة أن تفاوض على منحها خمسة أعوام، مثلًا، وإذا استطاعت فعلى عدم منحها يومًا واحدًا، وكذلك الأمر مع “إسرائيل” وإيران وتركيا وغيرهم. صحيح أن المعارضة الآن لا تستطيع أن تفرض شروطها، لا على النظام ولا على الأطراف الدولية والإقليمية، وهذا لا يقتضي اليأس والاستسلام. فالمعارضة ما زالت تمتلك العديد من الأوراق، وأهمها أنها تستطيع أن لا تمنح الشرعية لأي اتفاقات أو قرارات، وذلك برفض التوقيع عليها. يشبه الأمر حال السجناء، حين يُعرَض عليهم أن يوقّعوا على تعهّدات مُذلَّة أو استرحامات أو ما شابه. كان بعض السجناء يرفضون التوقيع، رغم الفارق الكبير في موازين القوى بينهم وبين النظام، وكان النظام في النهاية مضطرًا إلى قبول عنادهم، وبالتالي الإفراج عنهم، لأن ضريبة إبقائهم سجناء، بعد انتهاء أحكامهم، كانت أكبر من ضريبة الإفراج عنهم.

1 عدد الردود

التعليقات مغلقة