مقالات الرأي

الثورة المغدورة في عالم الاستغباء

 

بين الثامن والخامس عشر من آذار/ مارس عادة، أسبوع كامل، أما وأن التاريخ الأول ينتمي إلى عام 1963، والثاني إلى عام 2011، فقد امتد هذا الأسبوع ثمانية وأربعين عامًا، قبل أن يخرج جيل جديدٌ كليًا، لم يكن معظم أفراده قد رأى النور في 8 آذار/ مارس 1963، كي يقول، في نهاية الأسبوع، كلمته الفصل في مبنى ومعنى الصفة التي أُضفيَت إلى هذا اليوم بغير حق، أي اسم وصفة ومعنى “الثورة”، على امتداد كل هذه السنوات، وصولًا إلى الخامس عشر من آذار عام 2011، أي قبل سبع سنوات، كي يستحوذ على الاسم والمعنى الأصل، الشرعيّ بدءًا وبداهة، والمختلفُ، من ثمَّ، جذريًا. على أن هذا الأخير بدا، منذ الأشهر الأولى، وكأنه دقَّ ناقوس خطر محدق، فكانت استجابات سدنة المعنى الأول، سريعة، وبقدرة على الاستمرار مريعة، داخليًا وخارجيًا، على مستويات مختلفة، وفي اتجاهات متباينة، لكنها استهدفت، وما تزال تستهدف، جميعها، تغييب ثم طمس المعنى، والقضاء بمختلف الوسائل على مالكه الشرعي والأصيل الذي استعاده، في الوقت نفسه.

قيل وسيقال الكثير عن هذه السنوات الفاصلة بين تاريخين. لكن السنوات السبع الأخيرة، ما بين عامي 2011 و2018، هي ما تعنينا، باعتبارها اليوم موضوع الساعة واللحظة. وهي تفرض بذلك الحديث عنها وحولها، سردًا وتحليلًا، في ضوء ما جرى خلالها وما سيجري بعدها، في قادم الأيام. إذ إن الحفاظ على معنى “الثورة” الذي اعتمدته نظم العسكريتاريا العربية، لتغطية استبدادها وقصورها وعجزها، هو ما كان الهمُّ الأكبر لدى هذه النظم، حين انتفضت الجماهير العربية عام 2011 من تونس إلى سورية، كي تحول دونها ودون أن تستعيده بمعناه البدئي. كانت استجابة النظام الأولى في سورية على ما انطلق في تونس وليبيا ومصر تقوم على استبعاد مثل هذا الاحتمال في سورية، لأنها -كما زعم رئيس النظام يومذاك لصحيفة وول ستريت- مختلفة عن تونس وعن مصر. وحين كذبت الجماهير السورية هذا القول، وخرجت تطالب بإسقاط النظام، كان رفض اعتراف هذا الأخير بما يحدث (بحجج بدأت، خلال الأسابيع الأولى، بالحديث عن سلفيين مأجورين يسعون إلى إقامة إمارات إسلامية، ولم تنته بالحديث عن “المندسين” و”العراعرة”…، إلخ) فاتحة العمل لإعدام الثورة والثوار الحقيقيين. لم يكن ذلك قرار النظام السوري وحده. فالانتفاضة الثورية في مختلف البلدان العربية فاجأت، وأذهلت، ومن حيث لا تحتسب، هدَّدت؛ فكان لا بدّ من استجابات تتلاءم مع الواقع والجغرافيا، ولذلك كانت تلك التي ووجهت بها الثورة في سورية خصوصًا، لا تقتصر على النظام، ولا على نظم الدول المجاورة على اختلافها، عربية أو غير عربية فحسب، بل تعددت، متباينة في طبيعتها، في دول أخرى بعيدة، صُنِّف بعضها ضمن “أصدقاء سورية”، ونظر إلى بعضها الآخر، عربًا وغير عرب، بوصفه من “حلفاء النظام” التاريخيين.

من هنا، لم يكن مفاجئًا في هذا المقام، بمعزل عن أي اعتبار آخر، أن يكون أول بلد بادر إلى دعم الثورات العربية في تونس وليبيا ومصر هو نفسه أول بلد ندد بالثورة في سورية: إيران، باعتبارها “مؤامرة ضد نظام المقاومة والممانعة”. لم يكن ذلك مفاجئًا بالفعل، إذ كما أطلق العسكر على انقلاباتهم صفة “الثورة”، منذ أول انقلاب في العالم العربي جرى في سورية عام 1949، كذلك استحوذ عليه العساكر الجدد المُعَمّمين في إيران، وكلاء الله على الأرض بما أنهم “آياته”. وإذا كانت لإيران، في قمع كل تمرد أو بادرة ثورة على “الثورة”، تجارب ناجعة سرعان ما بادرت إلى محاولة تسويقها لدى النظام في سورية على الفور؛ فإن لدى النظام السوري، الذي راكم طوال نيف وأربعين عامًا من التجارب في القمع والقتل، ما يساوي، أو ما يتفوق به حتى على أعتى النظم الاستبدادية التي عرفها عصرنا الحديث، من خبرات استنفرها في الرد على من خرجوا ينادون بسقوطه. كذلك، لم يكن مفاجئًا أن تدلي روسيا بدلوها معتبرة أن الانتفاضات العربية محض صناعة غربية، وأن تهرع بالتالي لدعم خيارات النظام في سورية إزاء الانتفاضة بالسلاح وبالعتاد، ثم في المجال الدبلوماسي، قبل أن تسارع -حين أوشك هو وحلفاؤه من الميليشيات المرتزقة على الانهيار في صيف 2015- إلى احتلال سورية، بالمعنى المادي والصارخ للكلمة.

كان النظام إذن، ومعه حلفاؤه، قد اعتمدوا سياسة لا يمكن وصفها بكلمة أخرى غير الاستغباء. سياسة برزت آلياتها واضحة المعالم منذ الأيام الأولى للثورة التي كانت تنقل وقائعَها وسائلُ الإعلام المرئية، في العالم أجمع، بفضل الشباب الذين ارتجلوا العمل الصحفي، بالأفلام التي كانوا يصورونها ويرسلونها بواسطة هواتفهم المحمولة، وكان النظام ينكر بكل بساطة وجودها، بصورة شديدة السذاجة في البداية، كزعم وسائل إعلامه أن الناس كانوا يخرجون إلى الساحات احتفالًا بسقوط المطر، أو الاستوديوهات الهوليودية التي بنتها قناة (الجزيرة)، لتبث منها صور تظاهرات مصطنعة كي “تزعم حدوثها في مدن سورية”! إلخ. لكن الأخطر من كل ذلك تجسَّدَ في الإعلان عن الجماعات الدينية السلفية، قبل ظهورها الفعلي على الأرض السورية. كان ذلك واضحًا لكل ذي عينَين، مثلما كانت صفاقة الاستغباء واضحة. لكن ذلك كان إعلانًا عن الطريق الذي اختاره النظام على الصعيد الإعلامي، في محاولة لتفريغ الثورة من معانيها إعلاميًا ودبلوماسيًا. أما على صعيد المواجهة المباشرة مع التظاهرات التي كانت تستفحل في مدن سورية الكبرى، فقد كان الحل الأمني عنوانها، مع وسائل كانت هي الأخرى شديدة التباين، لكن هدفها لم يتغير هنا هو الآخر: دفع الشعب إلى استخدام السلاح بصورة أو بأخرى، لمواجهة الإهانات، أو الانتقام بسبب المجازر التي تقوم بها ميليشيات النظام، وتتهم بها الجماعات المسلحة التي انتشرت كالفطر في سورية، والتي كان كثير منها بالتالي يعمل لحساب النظام وبتوجيهاته، وصولًا إلى تشويه الثورة والثوار.

لا يمكن نكران نجاح النظام الأسدي على الصعيد الإعلامي، بمساعدة حلفائه على الأرض، في تغييب الوجه الأنقى للثورة السورية من المشهد ومن الصورة: الشباب الذين قاموا بها، والذين مورست بحقهم كل الجرائم: السجن والتعذيب وصولًا إلى القتل، والتهجير، أو فرض التواري عن الأنظار، أي شلّ حركتهم. كما لا يمكن نكران نجاحه على الأرض في استخدام الجماعات الإسلامية التي أخرج زعماءها من سجونه في بداية الثورة؛ كي تحلّ مكانه في ممارسة قمع تقوم به لحسابه، في ما كان يسمى “الأراضي المحررة”. لكنه جعل منها في الوقت نفسه عنوان الإرهاب الذي بات هاجس العالم كله، والحجة التي اعتمدها كمحارب له، كي يبرر بها كل ضروب الوحشية التي مارسها، وما يزال، إزاء شعب بأسره. هكذا استطاع أن يقنع قطاعًا واسعًا من الرأي العام العربي والعالمي بأنه يواجه الإرهاب، لا ثورة شعب طالب بكرامته وحريته!

بذلك؛ تحول المشهد إعلاميًا، بدعم من أرباب الاستغباء في إيران وفي روسيا، إلى حرب بين “حكومة شرعية”، لا تكف وسائل الإعلام الإيرانية والروسية وذيولها في المنطقة العربية عن تكرارها صبح مساء، و”جماعات إرهابية” تراها “الحكومة الشرعية” وحليفتها إيران، في كل من وقف في وجهها أو عارضها، ويبالغ الحليف الأقوى: روسيا، حين تمضي بممارسة الاستغباء إلى حدوده القصوى: تحتل سورية تحت شعار محاربة الإرهاب، وتقصف خبط عشواء في كل مكان، في الوقت الذي تتحدث فيه، على لسان وزير خارجيتها، عن “معارضة معتدلة” و”معارضة متطرفة”، وعن إرهابيين لا بدّ من تصفيتهم، أيًا كان الثمن من أرواح المدنيين وقراهم ومدنهم، في تجاهل كامل -هو الاستغباء بعينه- للسبب الأساس وراء كل ما يحدث في سورية.

هكذا جرت، وما تزال تجري، محاولات القضاء على معنى الثورة التي خرجت قبل سبع سنوات، لتضع حدًا لمعنى “ثورة الاستبداد والقمع” التي مثلها البعث في البداية، ثم النظام الأسدي منذ عام 1970. ولسوف تكون ذروة الاستغباء الموجهة إلى الشعب السوري، نجاح هؤلاء وأولئك من حلفائه في إعادة تأهيله التي لم يتوقفوا عن فرضها بوصفها الحل الوحيد الممكن.

خرج شعب سورية، في منتصف آذار/ مارس 2011، من أجل الحرية والكرامة. من هو الأحمق الذي يسعه أن يتخيل رؤيته عائدًا من حيث أتى، بعد كل هذا الثمن الذي دفعه، ولا يزال يدفعه، من أجلهما حتى هذه اللحظة؟!

مقالات ذات صلة

إغلاق