مقالات الرأي

“ملحمة الموت والحياة”

 

“أهكذا أصبح حالنا؟! خرجنا من بلدنا مشتتين مطرودين، بعد أن صمدنا أكثر من سنتين في وجه ذلك العدو الحاقد اللئيم، وضحينا بالغالي والنفيس، وسقط منا الآلاف بين قتيل وجريح، ودمّرت بيوتنا، وفقدنا أرزاقنا وممتلكاتنا.. أهكذا أصبح حالنا، نحن أهالي القصير، مطرودين من أعداء الوطن ومنبوذين من إخوتنا في الوطنية!”.

هكذا صرخ عبد الرحمن عمار، ابن الخامسة والستين، في ختام رحلة التشرد التي عاناها، مع غيره من أهالي القصير التي دمرتها براميل الأسد المتفجرة وميليشيات “حزب الله” على رؤوس أصحابها، وشردت من بقي منهم حيًا، بين بساتين لوز القصير وجرود قارة، “بعد أن استشهد من سكانها على أرضها، حتى تاريخ حزيران/ يونيو 2013، نحو ألفين بين ثائر وكبير وصغير ورجل وامرأة”.

يروي عمار في سرديته (ملحمة الموت والحياة) تفاصيل رحلة العذاب تلك التي استغرقت عدة أيام، مشيًا على قدمه الجريحة تارة، وتارة في صندوق الشاحنة العتيقة، التي يقول إنه لو واصل المشي لسبقها، وهي تتلوي في “الطرق” الترابية الصخرية المتعرجة والطويلة، تجنبًا للتعرض لنيران الجيش أو المرتزقة التي أطلقت عليهم بالفعل، في أكثر من محطة من محطات تلك الرحلة الرهيبة. يروي الأحداث بأسماء الأماكن والأشخاص واليوم والساعة، بحيث يعيش القارئ معه، ومع الآلاف من أمثاله دقيقة بدقيقة.

يجعلك تتألم معه من جرح القدم المصابة التي تضطر إلى السير على الأحجار المدببة؛ تجوع.. وتفرح بكأس الشاي واللقمة التي يتراكض الآخرون لاقتسامها معك؛ تنبطح على الشوك لتتجنب الرصاص المنهمر.. ثم تشاركه الحزن والألم، عندما ينهض ليرى جثث القتلى حوله، وبينهم بعض أهله وأعزائه. تشعر معه بالاعتزاز والفخر لرؤية رجال يحملون الجرحى ساعات طويلة، وتصيبك الكآبة والمرارة لمرور شاب بجوار جريح، فيتركه محاولًا النجاة بنفسه من الأهوال المحيطة.. وتطير معه من الفرح عند التقائه، أخيرًا، “بأم العيال وأم الأحفاد” في يبرود، بعد أن طرده ومرافقيه صاحبُ المنزل الذي كان يستأجره أحد أهالي القصير في قارة.

كان ذلك في صيف عام 2013، حين كانت بلدات القلمون (قارة والنبك ويبرود) ما تزال خارج سيطرة نظام الأسد وميليشيات “حزب الله”. كانت مدينة يبرود في ذلك الوقت نموذجًا يحتذى. كان أبناؤها يديرونها بأنفسهم: ينظمون المرور، ويشرفون على سير الأعمال، ويراقبون الأسعار، ويتأكدون من حصول جميع السكان واللاجئين على ما يكفي من الغذاء.. بل كانوا يفضون النزاعات ويقضون بين المتخاصمين، وينظمون عقود البيع والشراء، ويعالجون مشكلات الزواج والطلاق… ولم يعجب ذلك، بالطبع، نظام الأسد وأعوانه؛ فظلت طائراته تقصف المدينة التاريخية الصغيرة، ثلاثة وثلاثين يومًا، ممهدة الطريق لميليشيات “حزب الله” لاحتلالها، وتشريد من بقي من سكانها واللاجئين إليها.

يوثّق الكاتب، ابن القصير، أعداد المشردين من بلدته التي كان يسكنها نحو خمسين ألف نسمة، ويسكن الأرياف المحيطة بها نحو سبعين ألفًا. وقد تم تهجير أبناء المدينة بالكامل (لتحل محلهم عائلات جلبها “حزب الله”، في إطار عملية التغيير الديموغرافي التي تعمل عليها إيران وتابعوها). كما تم تهجير عدد كبير من الأرياف المحيطة، بحيث صار عدد اللاجئين موزعًا على الأماكن التالية، وفقًا لما يقول الكاتب:

“وبحسب ما تم توثيقه وإحصاؤه للعائلات النازحة بكل منطقة، وبشكل تقريبي، فقد نزح إلى منطقة (حسياء وجندر) عشرة آلاف نسمة تقريبًا، ونزح إلى منطقة (قارة) نحو خمسة عشر ألف نسمة، وإلى منطقة (دير عطية) نحو ثلاثة آلاف نسمة، وإلى منطقة (النبك) نحو خمسة آلاف نسمة، وإلى منطقة (الحميرة) القريبة من دير عطية (هي قريتي الصغيرة التي لم أعد أتمكن من زيارتها، منذ صيف عام 2011 خ. ز) أكثر من ألف نسمة، وإلى منطقة (القريتين ومهين) نحو ألف وستمئة نسمة، وإلى منطقة (يبرود) وريفها لجأ نحو اثني عشر ألف نسمة، ونزح إلى بلدة (عرسال) اللبنانية نحو عشرين ألف نسمة…”. وما من شك في أن هؤلاء جميعًا شُردوا مرة ثانية أو ثالثة، بعد أن استعاد النظام السيطرة على معظم القلمون الغربي.

“وفي كل مرة يزداد الشتات، ويزداد تباعد الأسرة الواحدة، منهم من توجه نحو ريف حلب الشمالي ثم إلى تركيا، وكثر اللجوء إلى الأردن ولبنان، كما هو حال أسرتي (أسرة عمار). ولا تخلو بقعة في أرض لبنان من عشرات العوائل من أهالي القصير، وشبابها يبحثون عن عمل.. أي عمل، ليخففوا من غائلة الجوع وذل السؤال، ولا أحد يلتفت إليهم، فيضطر الكثيرون إلى الرحيل والشتات مرة أخرى، ولا سيما إلى أوروبا:

وبعد شتاتنا يأتي شتاتٌ    ولا أحدٌ يواسي أو يَثيبُ”

في نهاية كتابه، يوثق عبد الرحمن عمار أسماء مئة وعشرين شخصًا، من أهالي القصير الذين سلموا أنفسهم، إما لسلطات الأسد وعساكره أو لشبيحة “حزب الله”، والذين “لم يدركوا أنهم هربوا من الموت إلى الموت”، حيث اعتقلتهم عساكر السلطة، في غضون أيام قليلة، وتمت تصفيتهم إما بالإعدام أو تحت التعذيب.

ما جرى في القصير جرى مثيله، أو أكثر أو أقل، في معظم بقاع الأرض السورية. وتنقل نشرات الأخبار والصحف والتقارير ووسائل التواصل الاجتماعي.. وغيرها بعضًا من صور عمليات التهجير وأعداد المهجرين ومعاناتهم في أثناء عمليات التهجير وبعدها. لكنْ أن تعيش الحالة مع كاتبٍ يصف ما عاناه بدقة العالِم وأسلوب الأديب لشيء آخر تامًا. وأنا أدعو كل من مرّ بتجارب شخصية مماثلة، من الكتاب والصحفيين وغيرهم، أن يحذوا حذو عبد الرحمن عمار.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق