بوتين وادعاء الدولة العظمى بأشلاء السوريين

 

ليس صدفة أن يأتي استعراض بوتين العسكري مليئًا بروح الغطرسة والتبجّح؛ إذ إنه جاء للتغطية على ما حدث قبل أسابيع قليلة، لا سيما من جهة إسقاط طائرة روسية في شمالي سورية، وهي من فخر الصناعات الحربية لدولته، وكذلك من جهة مصرع نحو مئتين من العسكريين الروس بنيران القوات الأميركية، لمحاولتهم تجاوز الخطوط الحمر التي وضعتها الولايات المتحدة، والقاضية بعدم السماح لقوات النظام، أو لأي قوة عسكرية موالية له (روسية أو إيرانية)، بالعبور شرق نهر الفرات. وللتذكير: سكتت روسيا -حينئذ- عن هذا الحدث مدعية أن القتلى مجرد مرتزقة، في محاولة منها للتخفيف من حدّة هذا الحدث.

أيضًا، يأتي هذا الاستعراض لمناكفة الولايات المتحدة، في غمرة التوعّد الأميركي بفض الاتفاق النووي مع إيران، وتحجيم نفوذها، والتهديد بمعاقبة النظام السوري على استخدامه الأسلحة الكيمياوية ضد السوريين، في الغوطة وشمالي سورية.

على ذلك، وفي شأن محاولة روسيا القول إنها “دولة عظمى”، لا تقلّ عن الولايات المتحدة، وإن هذا الوضع يرتّب على العالم أن يقبل بها على هذا النحو، بل أن يتصرّف بناءً على ذلك. وهنا يجدر إيراد ثلاث ملاحظات أو تحفّظات، على هذه المسألة، وفقًا للاعتبارات الأساسية الآتية:

أولًا، تحاول روسيا تسويق صراعها في سورية، وكأنه مصدر يؤكد عظمتها، وقوتها، وكمعرض لترويج سلعها العسكرية، مع تصريح بوتين باستدراج عروض بقيمة 45 بليون دولار، في حين أنها في الحقيقة لا تواجه هنا دولة مثلها، أو تقاربها، إذ هي هنا تشنّ حربًا شعواء، وغاشمة، مع نظام الأسد ومع إيران وميليشياتها الطائفية المسلحة، ضد شعب أعزل، أو ضد فصائل معارضة لا تمتلك أي سلاح متوسط، أو نوعي، وهي لا تتمتع بأي إسناد من الخارج. لذا فأين هي العظمة يا ترى في هذا الأمر، بخاصة أن روسيا لا تقاتل على الأرض، وإنما بواسطة القصف من الطائرات، أو بالصواريخ عابرة القارات؟ ثم ما هذه البطولة التي تدعيها روسيا، في هذا الصراع الدامي والوحشي الذي تشنه منذ أواخر 2015 ضد السوريين الذين لا يملكون أي دفاع عن أنفسهم إزاء الطائرات والصورايخ؟!

ثانيًا، للتذكير: إن قوة روسيا مهما كبرت، فهي لا تكبر بإزاء الدول الكبرى الأخرى، لا سيّما إزاء الولايات المتحدة التي تحتل ثلث السوق العالمية من التجارة بالسلاح (نسبة روسيا 23 بالمئة)، مع الفارق النوعي الكبير بين الأسلحة الأميركية ومثيلتها الروسية، من الناحية التقنية ومنظومات المعلوماتية والاتصالات والإدارة. وربما يجدر التذكير، أيضًا، بأن ما يقارب نصف الإنفاق السنوي العالمي على التسلح (يقدر بـ 1600 بليون دولار) هو من نصيب الولايات المتحدة، بمبلغ يراوح بين 600 – 700 بليون دولار، سنويًا، وعلى الرغم من أن هذا المبلغ كبير، فإنه يمثل جزءًا صغيرًا من ناتجها القومي السنوي، وقدره نحو 20 ألف بليون دولار، بنسبة تقدر بنحو 3 – 4 بالمئة، علمًا أن الناتج القومي الأميركي أكبر بـ 13 مرة من الناتج القومي لروسيا (1500 بليون دولار)، والتي تنفق نحو 90 بليون دولار على التسلح بنسبة 6 بالمئة من دخلها القومي. أيضًا يجدر التذكير بأن الولايات المتحدة هي في مكانة الدولة الأكثر إنفاقًا على البحث العلمي، بما يناهز 4 بالمئة من ناتجها القومي السنوي، وهي مصدر أغلب براءات الاختراع في العالم، ولديها أقوى وأكبر عشر شركات عالمية.

طبعًا، هذا لا يعفي أن ثمة مشكلة كبيرة لنا مع الولايات المتحدة، لا سيّما في موقفها المحابي والمساند والداعم لـ (إسرائيل)، ومؤخرًا في سكوتها عن نظام إيران، وتسهيل تمكينه من العراق وسورية ولبنان، لكن هذا لا يعفينا من رؤية موقع الولايات المتحدة، كمنتج أو كمصدّر لأغلبية التطورات الحاصلة في العلوم والتكنولوجيا، التي أفادت مجتمعات البشرية.

ثالثًا، بكل المقاييس أو المؤشرات العالمية؛ نجد أن روسيا ليست دولة متقدمة، لا صناعيًا ولا تكنولوجيًا، في عالمٍ باتت فيه العلوم والتكنولوجيا هي المقياس الأول لعظمة الدول، وتطور إنتاجيتها، ومستوى معيشة شعبها. وكنا تحدثنا عن الناتج القومي لروسيا مقابل الولايات المتحدة، وقد يجدر القول، أيضًا، في المقياس ذاته، إن روسيا ليست في عداد الدول العشرة في العالم، فهي بعد الولايات المتحدة والصين وألمانيا واليابان وفرنسا وإنكلترا والهند وإيطاليا والبرازيل وكندا، وناتجها ليس أكبر بكثير من كوريا وإسبانيا وأستراليا، رغم أنها أكبر دولة في العالم من حيث المساحة، ورغم حيازتها على ثروات معدنية هائلة، من ضمنها النفط والغاز. في مقاييس الصادرات، مثلًا، كلنا يعلم أن روسيا لا تصدّر سلعًا صناعية أو تكنولوجية أو استهلاكية، حتى إن بيوتنا تخلو من أي سلعة روسية، في حين تجد سلعًا صينية ويابانية وكورية وماليزية.. إلخ. وفي ميزان الصادرات، فإن نصف الصادرات الروسية هي من النفط والغاز (نحو 140 بليون دولار من إجمالي صادرات قدرها 285 بليون دولار (2016)، ولديها صادرات سلاح بنحو 17 بليون دولار، وصادرات زراعية بنحو 20 بليون دولار، أما صادراتها من الحديد والمعادن والأخشاب، فتقدّر بنحو 15 بليون دولار، أما صادراتها من الآلات فهي لا تتجاوز 10 بليون دولار، في حين بلغ حجم صادرات الولايات المتحدة، في عام 2015، أكثر من 1500 بليون دولار، أي أكثر من الصادرات الروسية بخمس مرات، معظمها سلع صناعية وتكنولوجية، وهذا فارق نوعي كبير جدًا.

سيظل الرئيس بوتين يتبجّح ويستعرض قوته، غير عابئ بوصمة العار المتمثلة باعتباره السوريين بمنزلة حقل تجارب لتسويق أسلحته، وسيظل يعيش في حالة إنكار، مثل كل الدكتاتوريين الذين تغشى أعينَهم روح الغطرسة، في حين أن دولتهم باتت بمنزلة دولة من دول العالم الثالث، تعيش على التصدير من مواردها الطبيعية، وتتبجّح بعضلاتها العسكرية الخرقاء في مواجهة الضعفاء، ولا يوجد ما تقدمه للعالم سوى الحروب ودعم الطغاة. لذا؛ فإن دولة مثل هذه لن يكون مآلها أحسن من مآل سابقتها، ومن كل دولة مثلها عرفتها البشرية في تاريخها.

1 عدد الردود

التعليقات مغلقة