شلال الدم في سورية والمصالح الغربية

 

“أعتقد أن هناك تقصيرًا واضحًا من قِبل النظام في موضوع معالجة هذه الأمور على أرض الواقع. كنت أتمنى أن يكون هذا النظام أوعى ممّا هو عليه الآن، وأن يعمل شيئًا فقط لعدم إراقة الدماء. أنا أتألم جدًا عندما أرى أعدادًا من إخوتي السوريين مسيحيين ومسلمين يُقتلون”…

المطران المغيب في سجون النظام مار غريغوريوس يوحنا إبراهـيم.

بهذه الكلمات، أعرب نيافة المطران المغيب في سجون النظام مار غريغوريوس يوحنا إبراهـيم، عن ألمه للدم السوري الذي يراق على الأرض السورية. وتُحمّل هذه الصرخة بشكل مباشر النظامَ الطاغي في دمشق، مسؤوليةَ شلال الدم هذا. بالطبع كان هذا التصريح الأخير لنيافته عام 2013، ولم يكن شلال الدم في سورية قد وصل إلى ما وصل إليه اليوم، لترزح سورية تحت الاحتلالات العديدة التي جلبها النظام، ولتدمَّر بأكملها، من شمالها إلى جنوبها، ومن شرقها إلى غربها.

لقد جاءت محنة الغوطة الشرقية في الأيام الأخيرة، لتثير عاطفة البابا فرنسيس الأول بابا الفاتيكان، الذي اعتبر أن ما يحدث في سورية “غير إنساني”، وقال: “إن أفكاري وصلواتي هذه الأيام تتجه نحو سورية الشهيدة والحبيبة”، داعيًا قداسته إلى إيصال المساعدات الإنسانية إلى الغوطة الشرقية بأسرع وقت. قد يقول بعضهم إن قداسته قد تأخر في موقفه هذا، ولكنهم نسوا أنه وجّه رسالة، زوّرتها وكالة النظام (سانا)، داعيًا فيها الأسد إلى وقف القتل. ونتيجة التزوير هذا، اضطر الفاتيكان، وخروجًا عن تقاليده في مخاطبة رؤساء الدول، إلى نشر النص الحرفي لرسالة البابا فرنسيس.

اليوم يزداد شلال الدم الذي يخضب الأرض السورية، بدماء الأبرياء في الغوطة الشرقية، حيث القصف الجنوني والأرعن، بكل أسلحة الدمار الروسية، وربيبهم الأسد الصغير، لتقتل المدنيين وعلى رأسهم أطفال كبراعم الورود، تُـسحق تحت أقدام البرابرة. فاليوم تلحق الغوطة الشرقية، بالغوطة الغربية، وبحلب وحمص والرقة ودير الزور والحسكة ودرعا وحماة وكل سورية، ليشهد العالم الصامت عن الجريمة، كيف دمر مجنون قاسيون البلدَ، الذي أقسم على حمايتها وحماية أهلها، وأغرق الوطن السوري في شلال من الدم.

يخرس العالم كله أمام فظاعة ما يحدث في الغوطة الشرقية، ولكن هذا العالم يبقى مشدوهًا أمام الحدث، دون أن يفعل أي شيء لإيقاف آلة الحرب الروسية التي حولت سورية إلى حقل تجارب لأسلحة الدمار التي يُجرّبها المستعمر الروسي على الأرض السورية، في مناطق سيطرة قوى المعارضة، بذريعة أنهم يُحاربون الإرهاب، هذا الوهم الذي هم خلقوه، ليُنسوا العالم كله إرهاب الدولة الأسدية الذي دام أكثر من نصف قرن.

ما يحدث مؤلم ومؤلم جدًا، كما صرح المطران المغيب مار غريغوريوس يوحنا إبراهـيم، الذي دفع ثمن هذا التصريح، ولكن علينا أن لا ننسى أن هذه الدول لا يهمها مقتل مئات الآلاف من السوريين، ما دامت مصالحها تتحقق.

عندما حاولت قوات النظام الاقتراب من آبار النفط السورية بالقرب من دير الزور؛ قصفها الطيران الأميركي المغطى باسم التحالف الدولي، ليقتل مَن قتل مِن الذين هاجموا تلك الآبار بهدف استرجاعها وتسليمها للروس والنظام ورجال الأعمال المرتبطين بالنظام الفاشي في دمشق.

سكت الروس عن مقتل جنودهم، مدعيين أنهم مرتزقة روس، ومتسترين على العدد الفعلي الذي قد يكبر أو يصغر، ولكنه في النهاية يُشير إلى تضارب المصالح الأميركية–الروسية، فيبدو أن منابع النفط في الشمال الشرقي السورية، هي من حصة الأميركيين، لذا سكت الجميع عن القواعد العسكرية الأميركية المنتشرة من الحسكة إلى منبج، ومن التنف إلى تل أبيض والرقة ودير الزور.

السيطرة الأميركية على هذه الآبار تُكذّب النظرية التي روج لها الغرب: أن النفط لم يعد له ضرورة وأهمية، وهذا ما يدلّ على تكالب كل قوى الشر في العالم، على الصراع على سورية، التي تشير التقارير إلى أنها تعوم على بحيرة كبيرة من النفط.

يكتمل تدمير سورية اليوم، ومن هنا؛ ليس هناك مؤشر لوجود أي حل، فالحل ليس في أستانا ولا سوتشي، بل بيد المحتلين، سواء الغربيين منهم أم الشرقيين، فسورية اليوم التي أضعفها الأسد، غدت دمية يلعب بها الجميع ليحققوا مصالحهم، ولا يهمهم مصلحة الشعب السوري، بأي شكل من الأشكال، فالوجع سوري والمعركة مع النظام هي معركة سورية.

يقول البابا فرنسيس في نهاية موعظته: “لا نُحارب شيطانًا بشيطان آخر”، ليُشبّه هذا النظام بالشيطان الذي يـُدمر ولا يـُعمر. نعم نحن نتألم لما يحدث، لأننا سوريون، ومقاومة المحتلين حق مشروع للشعب السوري بكل قواه، حقّ كفلته شرعة الأمم وشرعة حقوق الإنسان وحق تقرير المصير.