تحوّلات العلاقات الدولية وأهم تداعياتها على المسألة السورية

شهد نظام العلاقات الدولية في التاريخ الحديث عدة تحوّلات توافقية بين الأطراف الدولية الرئيسية في كل مرحلة: معاهدة وستفاليا في عام 1648 التي أسست لمفهوم “سيادة الدولة” بعد الحروب الدينية في أوروبا، ومعاهدة فيينا في عام 1815 بعد هزيمة نابليون بونابرت وسيادة مبدأ “توازن القوى” في العلاقات الدولية، ومعاهدة فرساي بعد الحرب العالمية الأولى وإنشاء “عصبة الأمم المتحدة”، واتفاقية يالطا بين القوى المنتصرة في الحرب العالمية الثانية وإنشاء “هيئة الأمم المتحدة”. ومنذ سقوط “جدار برلين” ونهاية الحرب الباردة في عام 1989، ينشغل الساسة والمؤرخون وعلماء السياسة والعلاقات الدولية بتحليل النظام الدولي الجديد وطرح التساؤلات التي يثيرها.

وبالرغم من طموح شعوب العالم إلى تطوير أنماط جديدة من الحياة الدولية المعاصرة، تعبّر عن حاجة العالم إلى نظام دولي جديد يتماشى مع حقائق الحياة، وتوفر الأمن والعدل والتقدم والديمقراطية وحقوق الإنسان والسلام لشعوب ودول العالم، فإنّ شعوب العالم ونخبه ما فتئت تتساءل عن سمات المرحلة الجديدة التي تبدو بازغة في الأفق، خاصة بعدما أظهره عجز المجتمع الدولي عن رفع القتل عن الشعب السوري. إذ يمكن أن نحدد المسألة السورية باعتبارها المحك الرئيس لتحوّلات جذرية في بنية النظام الدولي،‏ هيكلًا وتفاعلًا‏،‏ باعتبارها إحدى أهم القضايا المحورية في إعادة تشكيل هذا النظام‏.‏

لقد كان الصراع الدائر في سورية وعليها، منذ ما يقرب من سبع سنوات، قد أخذ في البداية شكل مسألة داخلية أفرزتها ثورة شعب في مواجهة نظامه المستبد. غير أن التفاعلات المتشابكة لتلك المسألة ما لبثت أن حولته إلى صراع دولي واسع النطاق، وجاذب للقوى المتنافسة على قيادة المنطقة والهيمنة على النظام العالمي؛ الأمر الذي أدى إلى تحوّل سورية –تدريجيًا- إلى ساحة لتصفية الحسابات المتعلقة بأنواع الصراعات القديمة والمستجدة كافة.

إن تداخل الوجهين السياسي والقانوني في عمل مجلس الأمن الدولي، من شأنه أن يؤثر على عملية تصنيف المشاكل الدولية المطروحة عليه. حيث لا تعتمد في ذلك -في أغلب الأحيان- المقاييس نفسها، بسبب خضوع مجلس الأمن لمصالح الدول الكبرى، خاصة تلك المتمتعة باستعمال حق النقض؛ إذ إن المعايير المزدوجة والممارسة الكيفية لسلطة مجلس الأمن واضحة، ما يشكل تهديدًا للسلم والأمن الدولي. ولكن هل من حدود أو ضوابط قانونية، على مجلس الأمن التقيّد بها في ما يتخذ من إجراءات، وما هي هذه الحدود والضوابط؟

إن المعايير المزدوجة والمعايير غير المنطقية التي يعتمدها مجلس الأمن في قراراته التي يتخذها، أو يمتنع عن اتخاذها في ما يتعلق بحفظ السلم والأمن الدوليين، هي خرق فاضح لمبدأ المساواة أمام القانون. فتجاهل مجلس الأمن جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية التي ارتكبتها سلطة آل الأسد وداعموها الروس والإيرانيون، يعطي الدليل القاطع على خروج مجلس الأمن عن الضوابط القانونية الواجبة لشرعية قوانينه.

سبعة أعوام والأمم المتحدة في حالة تراجع دائم، فبدلًا من أن تولي المأساة السورية، التي لم يشهد العالم لها مثيلًا منذ الحرب العالمية الثانية، اهتمامًا يرتقي إلى مستوى خطورتها، فإنها اكتفت بإدارة الأزمة وتصريفها. ولا شك أن روسيا والولايات المتحدة الأميركية تتحملان المسؤولية الرئيسية في منع الأمم المتحدة من لعب دورها في معالجة هذه المأساة، وبالتالي تدمير صدقية المنظمة الدولية.

إن تهاون الأمم المتحدة في سورية شجع روسيا على الاستهتار بها، وتعطيل قراراتها. فهي تعمل على ترسيخ التفافها على القرار الأممي 2401، الذي دعا إلى هدنة في سورية لمدة ثلاثين يومًا، عبر استغلال “الهدنة الإنسانية” التي أعلنتها في الغوطة الشرقية لمدة خمس ساعات يوميًا؛ لتهجير أهالي المنطقة من خلال إعلان فتح ممر إنساني لإجلاء المدنيين.

وهكذا، مرة بعد أخرى، يخفق النظام الدولي في إيجاد حلول للمأساة السورية، حيث عجز مجلس الأمن الدولي لوقت طويل عن بناء موقف جاد وملزم للتعامل مع معاناة المدنيين في أغلب المناطق السورية، وتركهم تحت قصف جوي وصاروخي، من دون أي مقدرة على التصدي لهذه الوحشية. فلم يمنع القرار 2401، الذي تبنّاه بالإجماع مجلس الأمن الدولي في 24 شباط/ فبراير الماضي، جيش سلطة آل الأسد وحلفائها الروس والإيرانيين من متابعة العملية العسكرية التي تهدف للسيطرة على غوطة دمشق الشرقية. ولم ينتج عنه أية مفاعيل سياسية ضاغطة على الحكومة السورية، فالقرار لا يمنع جيش سلطة آل الأسد والميليشيات الإيرانية إطلاقًا من استعادة السيطرة على كامل الغوطة الشرقية، مع ما ينطوي عليه ذلك من تغيير ديموغرافي في محيط دمشق، بل يجعلها تجري بالتقسيط المريح عسكريًا.

يبدو واضحًا أن روسيا باعت للعالم بأسره قرارًا أمميًا قيمته، من الناحيتين السياسية والعسكرية، تساوي الصفر، تنحصر قيمته بالجانب الإغاثي المضبوط أصلًا من سلطة آل الأسد وحلفائها.

مرة أخرى، يثبت مجلس الأمن الدولي عجزه الفاضح حيال القرارات التي يصدرها وتبقى حبرًا على ورق، حتى عندما تتخذ بالإجماع وبعد تقديم تنازلات تفرغ النصوص من آليات تطبيقها على الأرض.