كلمة جيرون

بين “استوديوهات الجزيرة” و”استوديوهات موسكو”

 

كان النظام السوري يقول إن التظاهرات الضخمة التي كانت تقوم ضده، بدءًا من عام 2011، والأفلام التي بثها -ويبثها- سوريون وتُصوّر الضحايا الذين يقتلهم رصاص أجهزته الأمنية وميليشياته، هي مشاهد مُلفّقة، وإنها مُصوّرة ومُفبركة في “استوديوهات الجزيرة” وغيرها من الاستوديوهات الافتراضية، وكذّب حتى الثمالة في نفيه حقيقتها، معتقدًا أنه سيُقنع البشر بادعاءاته.

مبدأ الكذب قاعدة تكتيكية ثابتة، لدى النظام السوري من رأسه حتى أذنابه، وهو ملح إعلامه، وأسلوب مسؤوليه، منذ اليوم الأول لانطلاق الثورة، بل بات الجميع يعرف أن النظام السوري اتّبع مدرسة “غوبلز”، وزير الدعاية لهتلر، صاحب عبارة “اكذب ثم اكذب حتى يصدقك الناس”، وهذا ليس أمرًا جديدًا، بل لا يستحق أن يُكتَب عنه.

لكن اللافت أنه صار لغوبلز تلامذة تفوقوا عليه، فبالإضافة إلى رأس النظام السوري، هناك الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، الصديق الصدوق للأسد، وحامي حماه.

قبل أيام، عرض بوتين (أفلامًا متحركة) أمام نخب سياسية روسية، قال إنها لأسلحة جديدة تمتلكها روسيا، ستجعل العالم يرتعد ويستسلم، ويرفع راياته البيضاء، بل سيتوسل إلى “دب” الكرملين، كي يرأف بحال البشر وربما بحال الكون.

عرض بوتين (أفلامًا متحركة) عن أسلحة نووية جديدة “تستطيع أن تصيب أي نقطة في العالم، ولا سبيل لاعتراضها”، منها صاروخ باليستي ضخم جدًا عابر للقارات، ورأس حربي نووي صغير يمكن تركيبه على صواريخ موجهة، وطائرات نووية مُسيّرة تعمل تحت الماء، وسلاح أسرع من الصوت، وسلاح ليزر، وغواصات تغوص إلى أعماق كبيرة وتُطلق صواريخ تعبر المحيطات، وغير ذلك، وتباهى بأن روسيا قادرة على إفناء الكوكب بسهولة، بل بخنصرها.

بدا واضحًا أن بوتين ما زال صبيانيًا بهذا الجانب، ويحب (أفلام الكرتون) كثيرًا، بل مولع بها، ويعتقد، كما زميله في القتل في سورية، أن الناس ستصدق أي شيء، إن لم يكن برغبتها، فبالعصا، وإن لم يكن في العالم، ففي روسيا وسورية على الأقل، وعلى كل البشر الخوف من “غريندايزر” الجديد، صاحب العضلات المفتولة، المفتون بجماله و(دنجوانيته)، صاحب أكثر عدد عمليات تجميل لرئيس، المصاب بجنون العظمة، قيصر روسيا الوهمي، الديكتاتور الذي لا يرحم أحدًا حتى أصدقاءه، صديق كل الخطأة المستبدين في العالم، وحليف المافيات المحلية والدولية، وداعم أسوأ السيئين في العالم، رأس الفساد وراعيه، الحساس تجاه العلاقات الشرعية الدولية البناءة، هاوي العنف والدماء، وعاشق إذلال الشعوب، والمستعد أن يجلس على التلة، ولو بعد خرابها.

في روسيا، يعرفون أن ما عرضه بوتين هو من محض الخيال، وأن هذه الصواريخ لا تطير إلا في أثير أفلامه، وهذه الغواصات لا تغوص إلا في بحر أحلامه، والطائرات النووية لا تطير إلا في فضاء أوهامه، وأن كل ما قدّمه مُعَدّ في “استوديوهات موسكو” الافتراضية، ليُصدّقه من لا عقل له.

بين اتهامات “استوديوهات الجزيرة”، وبين خيالات “استوديوهات موسكو”، يستمر عته النظام الروسي وتابعه السوري، وتستمر الخيالات في أدمغتهما المريضة، وتتواصل وضاعة الأخلاق وسوء النيّات، وتستمر محاولات الضحك على الشعوب وتوريطها، ويستمر جنون العظمة الذي سيقود صاحبه إلى الجحيم، طال الزمن أم قصر.

مقالات ذات صلة

إغلاق