موت الأساتذة

 

حين تلتقي بجيل بعثي قديم، أو قريب أيديولوجيًا من هذا الجيل، ويجري الحديث عن التجربة البعثية، فإن أحدًا من هذا الجيل، لا يذكر ميشيل عفلق وصلاح البيطار وأكرم الحوراني، إلا وهو يلحق اسم كل واحد منهم بلقب الأستاذ، حتى لو كان معارضًا، أو عمل قطيعة معهم. فصديقنا مروان حبش الذي كان فاعلًا في انقلاب 23 شباط/ فبراير عام 1966، ما زال في سرديته يذكر الأستاذ ميشيل والأستاذ صلاح والأستاذ أكرم، وظل والدي المتدين بعثيًا حتى آخر أيامه، عندما يذكر فقط كلمة الأستاذ يعني به ميشيل عفلق.

تنطوي صفة الأستاذ على اعتراف بالمخاطِب بأنه تلميذ تلقى العلم، وبأن الأستاذ هو الذي منح العلم. وهؤلاء الأساتذة أستاذة لأنهم أسسوا الحركة ومنحوها مضمونها الفكري والأيديولوجي، وتقوم العلاقة بين الأستاذ والتلميذ على حالة من الإيمان المتبادل هنا، فالأستاذ يؤمن بقدرة التلامذة على أن يكونوا الطليعة التي ستحقق ما فاض عن الأستاذ، والتلامذة يؤمنون بما يفيض عن الأساتذة إيمانًا كليًا، وفي كل أحوال الاعتراف المتبادل هنا نوع من الاحترام المتبادل، وإن كان احترام التلميذ للأستاذ هو الأسطع.

في عام 1966، سيقوم تحالف ضد الأستاذ وما يمثله من سلطة واقعية وروحية وفكرية، كان التحالف خليطًا من عسكر فلاحي بعثي من طوائف كثيرة، يُشكّل فيه السنة أقلية، وتنجز انقلابًا عسكريًا ضد ما كان يسمى بالقيادة القومية التي كان فيها منيف الرزاز هو الأمين العام، وميشيل عفلق هو القائد المؤسس، وتصف عفلق والرزاز والبيطار بالقيادة اليمينية.

لم يكن الانقلاب دمويًا، لكن الأساتذة تفرقوا في بلاد الله الواسعة، وتنقلوا من بيروت إلى العراق إلى فرنسا.

الأستاذ الأول ميشيل عفلق لن يطول به المقام في الغرب، فيعود إلى العراق الذي يحكمه البعثيون الذين ظلوا موالين للشرعية الحزبية كما يَرَوْن، والتي خرقها انقلاب 23 شباط/ فبراير 1966، الأمين المؤسس سيجد نفسه رجلًا خارج صناعة القرار، أمام شخص شاءت الظروف أن يتحول إلى دكتاتور مُطلق هو صدام حسين، بعد أن ورث السلطة عن أحمد حسن البكر. لقد ظل الدكتاتور التلميذ محبًا للأستاذ ووفيًا له، لكن دون أن يمنح الأستاذ سلطة فعلية، محتفظًا بسلطة معنوية، فالتلميذ أصبح الرئيس القائد، والولاء يجب أن يكون للقائد لا للمؤسس الذي وجد نفسه وراء مكتبه مغتربًا.

فيما كان التلميذ الآخر الذي قام بانقلابه على رفاقه، اللواء حافظ الأسد في 16 تشرين الأول/ أكتوبر 1970 أكثر عداءً للأستاذ من سابقيه وحقدًا، فأصدر حكمًا بالإعدام على ميشيل عفلق. لا شك بأن الحكم بالإعدام على الأستاذ، بما ينطوي عليه من انحطاط أخلاقي، كان مقصده الانتهاء من رمز المؤسس من قبل شخص أطلق على نفسه “قائد المسيرة”. لم يكن (قائد المسيرة وسيد الوطن والقائد الرمز)، وهي الصفات التي أطلقها عليه المتمجدون، يرضى بتداول اسم ميشيل عفلق في أدبيات البعث وذكرى تأسيسه، فكان الحكم بالإعدام، بما ينطوي عليه من فضيحة، هو الحل، وزج ما تبقى من الموالين للأستاذ في السجون.

يترك الأستاذ بغداد ويذهب إلى باريس، وهناك يلفظ أنفاسه الأخيرة، ليعود جثمانًا إلى مقبرة في بغداد، ويُعلن بأنه قد اعتنق الإسلام وسمّى نفسه أحمد.

ميشيل عفلق، بدلالة اسمه المسيحي، لم يرق لتلامذته القوميين، فاختاروا أن يكون المتوفى هو أحمد لا ميشيل، لكن الاسم أحمد لم يشفع له أمام الجرافة التي جرفت ضريحه بعد الغزو الأميركي.

فيما كان مصير الأستاذ الدمشقي الثاني صلاح الدين البيطار أكثر تراجيدية، إذ يُغادر الأستاذ هو الآخر بعد خيانة التلاميذ ويقيم في باريس، ويحافظ على همومه الوطنية والقومية والفكرية، ناشطًا في الندوات والمؤتمرات، ومشرفًا على مجلة الأحياء العربي، في عام 1978 يأتي البيطار إلى سورية، باتفاق مع حافظ الأسد، الذي كان يواجه حركة الإخوان المسلمين المسلحة، ويلتقي بهذا الأخير لمدة خمس ساعات، في محاولة من حافظ الأسد لأن يعود هذا الدمشقي إلى سورية، ليكون جزءًا من السلطة، ولكن المحادثات فشلت عندما تيقن البيطار أن الجنرال يريده أن يكون شكليًا فقط، وليمنحه شرعية سنّية دمشقية، فغادر إلى باريس مرة أخرى ليقضي بطلقة من مسدس كاتم للصوت على يد مخابرات الأسد عام 1980، ولينقل جثمانه ليدفن في بغداد.

أما الأستاذ الثالث، الذي كان يتمتع بدهاء شديد، وسمي “ثعلب سورية”، والذي كان صادقًا في دفاعه عن طبقة الفلاحين ضد الإقطاع، وفتح أبواب الكلية العسكرية أمام فلاحي الطوائف، أكرم الحوراني، فقد اختلف مع الأستاذين، قبل 8 آذار/ مارس، وغادر سورية بعد الانقلاب، فأقام في بيروت ثم بغداد ثم فرنسا ثم الأردن، وظل هناك من يدين له بالولاء، وبخاصة من أهل حماة، وتوفي عام 1996 في عمان ودفن فيها.

لا شك بأن هؤلاء الأساتذة كانوا مخلصين فيما ذهبوا إليه، وطوباويين حالمين بعالم أفضل، وقد تعرض بعض أتباعهم، بسبب أفكارهم، للاعتقال والقتل، وما زال بعض من آمنوا بأفكارهم مقتنعين بما صدر عنهم، ومعجبين بِسِير حياتهم.

لكن هل كان يدور في خلد الأساتذة أنهم سيخلفون وراءهم مجرمين، يقتلون باسم الشعارات التي تحولت لديهم إلى شعارات زائفة ليبرروا إجرامهم؟ هل خطر في بال هؤلاء السوريين الثلاثة أن يتحول بعض من تلاميذهم إلى مجرمين، ويحدثون كل هذا الخراب والدمار والقتل في الشام؟ قد يجيب مجيب بأن من يحكم بالإعدام على أحد مؤسسي الحزب الذي يحكم باسمه، ويغتال الآخر، ويرفض أن يدفن الثالث في وطنه، قابل لأن يفعل كل شيء من أجل البقاء في السلطة.

ولكن أليس الأساتذة أنفسهم قد زرعوا بذرة الاستبداد في أيديولوجيا شمولية نافية للمختلف؟

1 عدد الردود

التعليقات مغلقة