حين يعيد التاريخ نفسه

 

وضعت المسألة السورية بتعقيداتها الكثيرة المقولة الفلسفية الشهيرة “إنك لا تنزل في مياه النهر نفسها مرتين”، في موقف حرج لا تحسد عليه، فالواضح حتى الآن أن الأحداث تتكرر بالترتيب نفسه ودون تبديل، وقد استعادت إحدى القنوات التلفزيونية نص كلمة ألقاها مندوب نظام دمشق في مجلس الأمن الدولي عام 2016، وقارنتها بكلمة ألقاها خلال شهر شباط المنصرف، لتضعنا أمام نتيجة أنه حتى الكلام نفسه يتكرر بدءًا من “أنقذوا حمص”، أواخر العام 2013 مرورًا بـ “الرقة تذبح بصمت”، و”دير الزور تُباد”، و”حلب تحترق”، وصولًا إلى يومنا هذا “أنقذوا الغوطة”، الشواهد السابقة كلها لم تسفر حملات التضامن معها عن أي شيء، وإذا أردنا استعادة السرد الذي رافق كل واحدة من تلك “النداءات”؛ صدمتنا حقيقة مؤلمة أن تلك المدن أخرِجت من معادلة الثورة منذ زمن بعيد، ويعاد تأهيلها شيئًا فشيئًا لتعود إلى “حضن النظام”، وتنضم إلى سورية المفيدة التي ترسم حدودها عشرات الميليشيات الإيرانية بإشراف روسي، وهي تنجح حتى الآن، بسبب غياب كلي لأي طرف آخر يقف في وجهها، لا نريد الحديث هنا عن التفكك الهائل الذي ضرب فصائل المعارضة السورية المسلحة، وأفقدها تلك القدرة التي كانت تملكها في أوقات سابقة وتجعلها قادرة على الصمود، ولا عن الاقتتال الحاصل فيما بينها، رغم أن المتقاتلين اليوم لا يمكن إدراجهم ضمن خانة القوى الثورية السورية، فهم مشاريع جهادية تحمل أجندات مختلفة عن مشروع الثورة السورية الذي كان يسعى إلى دولة للجميع، تقوم على الديمقراطية والعدالة.

كما حدث في الحالات السابقة جميعًا، على مدى السنوات الماضية، فإن ردات الفعل الإقليمية والدولية تكاد تتطابق، فالاستنكار والتنديد والمطالبات تقود بالضرورة إلى رفع مستوى التهديد، وصولًا إلى التلويح باستخدام القوة العسكرية، وهذا الأمر لم يحدث سوى مرة واحدة، إبان مجزرة خان شيخون في نيسان عام 2017، حيث استهدفت الولايات المتحدة الأميركية مطار الشعيرات بهجوم صاروخي ليلي، وارتفع سقف توقعات المتوقعين وقتئذٍ، ليقولوا إن الاستراتيجية الأميركية تجاه الملف السوري قد تغيرت، لكن تبين لاحقًا، بعد عشرات المجازر التي ارتكبتها قوات النظام وحلفاؤها، منذ مجزرة خان شيخون حتى يومنا هذا، أن ذلك الهجوم الصاروخي اليتيم كان المقصود منه رسالة أميركية إلى روسيا بأننا موجودون، وسوف تجري بعد ذلك وعلى مدى عام كامل مجموعة تفاهمات أميركية روسية، قادتهما إلى تقاسم مناطق النفوذ في دير الزور، بعد طرد تنظيم (داعش) من ثلاثة أرباع مساحة المحافظة وريفها، ويتجاور العدوان اللدودان هناك ما بين شرق الفرات وغربه، فيما تواصل إيران عملها على الأرض بإتقان شديد، نعم بإتقان شديد، وعلينا أن نعترف بذلك كي لا نظل نتخبط في وهم أن ثمة من سيلجم تلك القوة الإيرانية المفرطة، إن لم ترغب واشنطن تحديدًا فعل ذلك، إذ من الواضح أن الدول العربية منشغلة بما هو أهم بكثير من المسألة السورية برمتها، وهي تحاول ترتيب بيوتها الداخلية الهشة عمومًا، والمتخوفة من امتداد المشروع الإيراني إلى عواصمها، هذه حقيقة أخرى ينبغي ألا نغفل عنها، فمن سوف يوقف الزحف الإيراني الذي بدأ في مدينة القصير في ريف حمص الشمالي التي احتلتها ميليشيا “حزب الله” اللبنانية الإيرانية، وفرضت سيطرتها عليها؟

الإجابة قد تحملها عبارات الصمود، التي تتسرب من الغوطة المحاصرة، التي تذبح بالقصف والتجويع منذ سنوات، والتي يصرّ أهلها على البقاء مرابطين، رغم كل ما يتعرضون له، نعم تلك إجابة تبدو في الوقت الحالي معقولة، لكن ماذا إن تواصلت الحملة الهمجية على الغوطة أكثر؟ هل يستطيع المحاصرون أن يصمدوا وقتًا أطول؟ وهل هم قادرون حقًا على مقاومة هذا الكم الهائل من الكراهية والحقد الذي يهيّأ لهم؟ الإجابة للأسف قد تكون لا، لأن النماذج التي ذكرناها في المقدمة تجبرنا على الاستسلام لواقع الحال، وواقع الحال يقول إن نظام دمشق قد حاز من المجتمع الدولي ضوءًا أخضر للاستمرار في المذبحة، وإن جميع التصريحات المنددة والمستنكرة، التي يطلقها قادة العالم المتحضر ليست سوى ذرٍّ للرماد في العيون، وليس علينا أن نرفع سقف توقعاتنا لننتظر أن تكون البوارج الأميركية والفرنسية التي تتحرك في المتوسط قارب نجاة، يتم إلقاؤه لأهل الغوطة دون مقابل، وإلا لتحركت تلك البوارج للرد على الضربة الكيمياوية التي وجهتها قوات النظام إلى الغوطة صيف العام 2013.

أخيرًا، وصلتني منذ أيام مقاطع فيديو من قلب الغوطة، لم يسمح لي مرسلوها بنشرها كيلا تظهر إحداثيات مناطقهم، تظهر تلك المقاطع عملًا أهليًا جبارًا يقوم به متطوعون في الإغاثة والمساعدات الإنسانية، يعملون ليل نهار للحفاظ على صمود أهل الغوطة، وعلى بقائهم مرابطين في أرضهم وعدم مغادرة بيوتهم، كيلا يكون مصيرهم التهجير، وكيلا تحتل الميليشيات الإيرانية بيوتهم، كما حدث في داريا والمعضمية والزبداني وسواها، تقول سيدة في أحد المقاطع: نريد أن نموت في بيوتنا، نعلم أنه لا شيء ينقذنا إلا صبرنا، فالعالم كله يكذب علينا… تردد السيدة في آخر المقطع: “ما إلنا غير الله”.

1 عدد الردود

التعليقات مغلقة