التدخل الخارجي في سورية بين الإنساني والمصلحي

 

أدى النزاع المسلح المتواصل في سورية من بدايات 2012 إلى فقدان النظام سلطته في المناطق الخاضعة لسيطرة الجماعات المسلحة المناهضة له، وإلى الانفلات الأمني وضعف المؤسسات الرسمية في مناطق النظام، من جراء ممارسات الميليشيات المسلحة الموالية للنظام، كلجان الحماية الشعبية وعصابات الشبيحة. وقد تحول النزاع في مراحل لاحقة إلى حرب بالإنابة (Proxy War)، بين قوات النظام والميليشيات المحلية والأجنبية الداعمة له، وبين عشرات الفصائل الإسلامية والجهادية المسلحة التي تقاتله. وتتواصل الحرب بالإنابة في سورية، منذ سنوات لصالح قوى عظمى وإقليمية، لها حضور قوي على الأرض السورية، سواء من خلال التواجد الفعلي لقواتها على التراب السوري، أو عبر تقديم الدعم لوكلائهم، سواء لقوات النظام والميليشيات التي تؤيده وتقاتل في صفه، أو للميليشيات المناهضة له التي تقاتل ضده.

فاقمت الحرب حدة الأوضاع الإنسانية في سورية، وجلبت الكوارث والدمار على السوريين، بكافة أطيافهم وشرائحهم؛ إذ تسببت بمقتل أكثر من 300 – 450 ألف شخص، واختفاء عشرات الآلاف داخل السجون ومراكز الاحتجاز، ونزوح أكثر من ستة ملايين شخص داخل سورية، إضافة إلى ما يزيد عن خمسة ملايين أضحوا لاجئين خارج البلاد، بينما يعيش نحو خمسة ملايين شخص، في مناطق محاصرة ومناطق يصعب الوصول إليها. ولم يعد ارتكاب الفظائع والجرائم الخطيرة مقتصرًا على قوات النظام وأجهزته الأمنية وميليشياته، بل إن معظم الجماعات المسلّحة المعارضة ضالعة في ارتكاب جرائم، لا تقلّ خطورة عن جرائم النظام.

إن حماية المواطنين من انتهاكات حقوق الإنسان هي مسؤولية الدولة بالدرجة الأولى. لكن عندما ترتكب السلطة الحاكمة بحق مواطنيها انتهاكات جسيمة، ترقى إلى مستوى جرائم الحرب أو الجرائم ضد الإنسانية أو جريمة الإبادة، أو عندما تكون هذه السلطة غير راغبة أو غير قادرة على تقديم الحماية لمواطنيها؛ فحينئذ يتعين على المجتمع الدولي أن يأخذ على عاتقه مسؤولية حماية المدنيين والأبرياء. ومن هذا المنطلق، هنالك التزامات قانونية وأخلاقية، تفرض على المجتمع الدولي حماية السكان من انتهاكات سلطات بلادهم، في وقت الحروب والكوارث.

في معرض إصرار النظام على استخدام القوة المفرطة بحق المحتجين السلميين، وارتكاب الفظائع وأعمال القتل العمد والاعتقال التعسفي والتعذيب والاختفاء القسري بحق السوريين؛ بدأت المطالبات العلنية بتدخل المجتمع الدولي لتأمين الحماية للمدنيين، عبر تواجد منظمات إنسانية ومراقبين دوليين على الأرض السورية، وفُرِضَ حظرٌ على تحليق الطيران السوري، ومن ثم المطالبة العلنية بالتدخل الدولي العسكري، لوقف مجازر النظام.

لقد تقاعس المجتمع الدولي، ممثلًا بمجلس الأمن، عن التدخل الإنساني لغرض حماية السوريين طوال السنوات السابقة، علمًا أن واقع الحال في سورية يتطلب توافقًا دوليًا على التدخل الدولي الإنساني الجاد لوقف الحرب في سورية، ووضع حد للممارسات الوحشية والجرائم الخطيرة التي ترتكب على نطاق واسع بحق السوريين، وفرض مبادئ حقوق الإنسان والمبادئ الإنسانية والديمقراطية. وكان يفترض بالمجلس التدخل منذ بدء استخدام نظام الأسد للقوة المفرطة، بمواجهة المحتجين السلميين وارتكاب جرائم خطيرة بحقهم. إلا أن تقاعسه عن القيام بواجباته في حماية المدنيين والأبرياء مرده إلى مصالح القوى العظمى، وتحديدًا روسيا وأميركا، واللاعبين الإقليميين كإيران و”إسرائيل” والسعودية وتركيا وغيرهم. ومما يعزز هذه الادعاء، أن كافة هذه الدول تتدخل بشكل مباشر في الحرب السورية، ولها وكلاؤها من ميليشيات سورية ومقاتلين أجانب يقاتلون في صفها.

إن التدخلات الدولية الحاصلة في سورية ناجمة عن سوء نية؛ إذ يغيب عنها الطابع الإنساني، ولها أبعاد مصلحية؛ فالتدخل الدولي الإنساني يجب أن يبنى على “حسن النية”، بحيث يقتصر على حماية المدنيين، بمعزل عن تحقيق أي مصالح للمتدخلين، سواء أكانت سياسية أم اقتصادية أم غيرها، وأن لا يستهدف إفشال تطلعات الشعوب في نيل حريتها وتحقيق العدالة. إذن، يجب أن يقتصر التدخل الدولي الإنساني على حماية المدنيين من ويلات النزاعات المسلحة، كالقتل والتدمير والتعذيب والاختفاء القسري، وغيرها من الأعمال الوحشية التي تمارس على نطاق واسع وممنهج، وترقى إلى مستوى جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية وجرائم الإبادة، وأن يفضي إلى وقف الجرائم الخطيرة التي ترتكب بحقهم، ومقاضاة مرتكبيها أمام القضاء الدولي.

إن استمرار الحرب في سورية يترافق مع تواجد قوى عظمى وإقليمية، تحتل أراضي شاسعة من سورية، وتفرض مناطق نفوذ لحماية مصالحها؛ ما يؤكد عدم اكتراث المتدخلين بالأبرياء والمدنيين. فتجارب العقود الماضية تثبت على نحو قاطع أن فكرة التدخل الإنساني (الصومال، كوسوفو، تيمور الشرقية، أوغندا، ليبيا، العراق، لبنان، أفغانستان، هاييتي، البوسنة وغيرها) استُخدمت ذريعة لفرض هيمنة الدول القوية على الدول الضعيفة، والتدخل في شؤونها الداخلية.

إن ما يحدث في سورية منذ سنوات، من فظائع يرتكبها المتحاربون كافة، يؤكد أن التدخل الدولي في ظل النظام الدولي الحالي لا يُبنى على اعتبارات قانونية، وإنما على اعتبارات ومصالح سياسية. فالحالة في سورية كانت، وما زالت، تستدعي من المجتمع الدولي القيام بمسؤولياته وواجباته، تجاه المدنيين والأبرياء في هذا البلد الجريح. يبقى السؤال المفصلي في مدى توفر الإرادة لدى المجتمع الدولي، ولا سيما الأعضاء الخمس دائمي العضوية في مجلس الأمن، بالتدخل الدولي الإنساني لحماية السوريين، وإنقاذ ما بقي من سورية.

1 عدد الردود

التعليقات مغلقة