ميلي ما مال الهوى

 

كتب سفير غربي سابق، عمل على الملف السوري وخبره قبل وأثناء المقتلة، نصًا مؤلمًا بواقعيته، خلص فيه إلى أنّ أحدًا لن يلتفت إلى معاناة السوريين عمومًا، وإلى مذبحة الغوطة خصوصًا. معتبرًا أن لن يهتم بموت السوريين وجوعهم وتهجيرهم أحدٌ من أصحاب الخطابات الرنانة، ولا من أصحاب تصدير قيم الحرية والعدالة والمساواة في الغرب، داعيًا الفصائل إلى أخذ هذه الحقيقة المرة بعين الاعتبار، حمايةً لمن بقي على قيد الحياة من المدنيين. وكان نصه حقًا يُترجم واقعية سياسية مندمجة مع ألم شخصي، لخبرته وقربه من الملف دبلوماسيًا وباحثًا بعد التقاعد.

انتشر النصّ على المواقع السورية الإعلامية المعارضة كالنار في الهشيم، مُذيّلًا بأشد الانتقادات، وانهمرت على الكاتب عشرات التعليقات الشاتمة، وقد رأى بعض قارئي النص أنه دعوة للاستسلام، وأن كاتبه “وجه النحس”. أما البعض الآخر، فقد وصل به الأمر إلى أن يعدّه “عميلًا” مقرّبًا من النظام القائم في دمشق، يسعى إلى “وهن عزيمة الثورة”.

فرجعت إلى النص معيدًا التمحيص فيه ومحاولة قراءة ما بين السطور، وهي خاصية برع فيها السوريون في السنوات القليلة الماضية. راجعت النصّ كله مرات، وتمعّنت مليًّا في التعليقات التي حصدها؛ لأرى أين أجرم بحق السوريين، وأين تُترجم الانتهازية أو العمالة، كما أسلف بعض المعلّقين المتحمسين؛ فوجدت أنه حمل جرأة البوح بما يخطر ببال كثير من السوريين ولا يجرؤون على التصريح به، خوفًا من ردة فعل غير محمودة، أو وجلًا من تفسيرات ترمي بهم في صفوف لا يُحبّذون أن يقعوا ضمن تصنيفاتها. وبدا أيضًا أن ظاهرة رفض التحليل البارد والبعيد عن الحماسة والشعبوية ما زالت مُهيمنة، وأن محاولة التفكير الهادئ -على الرغم من حرقة المأساة- صارت مُحرّمةً.

بعيدًا عن الخوض في حمولة النص وفكرته ودعوته، التي تُبنى على معرفة وثيقة بدهاليز السياسة الأميركية، وبميوعة السياسة الأوروبية، وباندثار السياسة الأممية، يمكن أن نختلف معه أو مع جزء منه، ويمكن أيضًا أن نتفق معه أو مع جزء منه. والخلاف والاتفاق لا يمكن إسنادهما إلى أحكام عاطفية محضة، ولا يمكن أن نُعمِل الحواس غير المنطقية في التعليق على ما أتى به محلل وكاتب غربي، عُرِف عنه عمومًا أنه متعاطف مع قضية السوريين أو جزء منهم.

المُثير في هذه الواقعة هي قدرتنا، نخبًا وجمهورًا -وربما نخبًا أكثر من جمهور- على إضاعة الأصدقاء أو المؤيدين أو المتعاطفين والإساءة إليهم. وقد أمعنا في ممارسة هذا الأسلوب، منذ اليوم الأول من الثورة. وكان حماسنا يذهب دائمًا إلى من يدغدغ عواطفنا ومن يُشاركنا في الحلم، وإلى من يغض النظر عن أخطائنا، وإلى من يُنافق لنا، وإلى من يستخدم صوتًا جهوريًا في إظهار تعاطفه بكلمات لا قيمة لمعانيها. فكم أُعجبنا بصراخ بعض المحللين السياسيين على الشاشات، واعتبرنا أنهم “أخرسوا” محاورهم، إن كان من طرفٍ آخر، لمجرد أن حبالهم الصوتية أو سرعة التعبير لديهم كانت حاسمة! وكم أعجبنا كذب كثير ممن ادعى الخبرة العسكرية، وأبدعوا في بيع الوهم للجموع! وكم تحمسّنا في اللقاءات والندوات لمن يُعيد إنتاج الخطاب الثوري، ولو كان باحثًا عليمًا ويصوغ عباراته وكأنها شعارات تظاهرات حماسية؟ وكم وقفنا نصفق له وعيوننا تُغالب دموعها!!

بالمقابل، فقد استنكرنا، بصمت أحيانًا وبصوت عالٍ غالبًا، ما يقوله المحللون والباحثون والمعلقون الأصدقاء الذين يبتعدون في أسلوبهم، وفي مسارات تفكيرهم قدر الإمكان عن الوهم والتوهم، عن العواطف والتعاطف، ويحاولون من خلال القول الجاد أن يسدوا إلينا خدمة أساسية، في فهم الظواهر السياسية المهيمنة، وسبر السيناريوهات الممكنة وطرح التوصيات غير الملزمة.

قضينا، رمزيًا على الأقل، على من قاوم بنصّ أو بفكرة. حجبنا النقد ومارسنا بحقه التسخيف والتهميش، واعتبرناه سلبيًا بامتياز. امتنعنا عن الاستماع إلى الكثير من الأصدقاء الذين أرادوا أن يساعدونا بخبراتهم الطويلة في الحقل السياسي المعرفي. بحثنا عمن يقول لنا ما نرغب في أن نسمعه، ولو كان على حساب الحقيقة ومنافيًا للواقع. تعجّلنا في رمي الناس بتصنيفات، تكاد تتقارب مع تلك التي استخدمتها السلطة المستبدة، ولم تزل: حيادي، حيادي سلبي، حيادي إيجابي… إلخ.

في السنوات الأولى للثورة، كان لدينا أصدقاء حقيقيون كثر في الحقول البحثية والعلمية والإعلامية غير العربية، والعربية أيضًا، ولكن بعضنا استسهل الهجوم عليهم، تارة لعدم تطرف مواقفهم، وتارة أخرى لاقترافهم ما لا يُغتفر: أي توجيه الانتقاد إلى بعض الظواهر السلبية في الأداء. لم يغب هؤلاء عن التزامهم، ولكنهم ربما انسحبوا من المشهد قليلًا؛ لأن مزايدات البعض منا ساهمت في إدخال الشك والعتب والتعب في نفوسهم.

بكل صراحة ومرارة، أقول إن القدرة على فقدان الأصدقاء تبدو وكأنها منافسة نسعى للفوز بميداليتها الذهبية. والأمل يبقى في أن جُلّ هؤلاء الأصدقاء بنوا مواقفهم على أسس أخلاقية، وأسندوها بفكر علمي وتحليل منطقي. وبالتالي، فإن ابتعادهم عن نصرة الحرية والعدالة مستبعد؛ إذ إنهم ليسوا كمن نحب من أصحاب الشعارات. فهم لا يتقلّبون، وإن تقلّبوا، فإن ذلك يكون بناءً على مراجعة فكرية حقيقية، لا استنادًا إلى “ميلي ما مال الهوى”.

1 عدد الردود

التعليقات مغلقة