مقالات الرأي

عودة النظام إلى النظام أم؟

 

إن تأمّل وجه المعارضة السورية اليوم، أو على الأقل القسم الكبير ممن يفاوض باسم السوريين، يبين لنا وجود العديد من المنشقين عن النظام، ممن خدموا سنوات في مؤسساته وأجهزته، دون أن يصدر عنهم أي صوت منتقد أو معارض، قبل عام 2011، علمًا أن تاريخ اضطهاد السوريين على يد هذا النظام يعود إلى سنين طويلة.

نقاش هذا الأمر يضعنا أمام مفارقات كثيرة، تحمل الكثير من التناقض، خاصة إزاء الموقف الذي علينا اتخاذه إزاء هؤلاء، وطبيعة النظر إلى مواقعهم الجديدة، ولا سيّما أن قسمًا كبيرًا منهم بات يتخذ اليوم مواقع مسؤولة، في تركيبة المعارضة ومؤسساتها، فيما يقدم آخرون أنفسهم كوجوه إعلامية تنطق باسم السوريين الأحرار!

إذا كانت الثورة عمل فعل وبناء ومحاولة جذب أطراف كثيرة إلى صفوفها؛ فإن الترحيب بالمنشقين يغدو “ضرورة ثورية”، بل أكثر من ذلك، ينبغي العمل الحثيث على الدفع بهذا الاتجاه، لسحب أكبر كتلة ممكنة إلى صفوف المعارضة؛ لأن الديمقراطية في أحد وجوهها تعني العمل على إقناع الجماهير بصوابية البرنامج المناهض لبرامج السلطة، فما بالك حين نكون في ثورة؟ الأمر الذي يعني أن الترحيب بالمنشقين والعمل على زيادتهم يغدو أمرًا ضروريًا، لتوسيع الثورة وزيادة أنصارها، ولزيادة مأزق النظام.

في مستوى آخر، يغدو السؤال: هل يمكن النظر إلى كل المنشقين بالنظرة نفسها؟ هل يمكن أن ننظر إلى منشق في وزارة الصحة، كما ننظر إلى منشق عن أجهزة الأمن أو الخارجية أو الإعلام؟

لا شك أن السوريين العاملين في مؤسسات الدولة السورية، يمثلون أغلبية السوريين، إذ نادرًا ما نجد سوريًا لم يعمل في تلك المؤسسات أو سعى للعمل بها، وذلك ضمن إطار البحث عن لقمة العيش، مع ملاحظة أن هؤلاء لم يكن لهم أي دور في خدمة الاستبداد أو التطبيل له، وإن كان القسم الأكبر منهم (وهذا ينطبق على أغلب السوريين) اضطر إلى المشاركة في حفلات الولاء و”الأعراس الوطنية” التي كانت تنظمها السلطة، لتجميل وجهها العفن.

بموازاة من سبق، إن الذين خدموا في المؤسسات الأمنية والإعلامية والسفارات كانوا أداة تجميلية في وجه النظام، وإن كان ينطبق عليهم ما ينطبق على كل من عمل في مؤسسات الدولة، لأن هؤلاء كانوا يبحثون عن لقمة رزقهم أيضًا. إلا أن هؤلاء كانوا يقومون بتلميع وجه الاستبداد والترويج له، وهم يعلمون أنهم يقومون بهذا الدور. المفارقة الثانية هنا أن انشقاق هؤلاء يغدو أكثر أهمية، نظرًا إلى تأثيرهم في بنية النظام من جهة، ولكون قسم لا يستهان منهم يُعدّ من مطبخ عمل النظام، أي يمتلك معلومات، ويدرك آلية تفكير النظام؛ ما يعني أن انشقاقهم خسارة مؤكدة وضربة موجعة لنظام الاستبداد، وهذا يوصلنا إلى الأسئلة الصعبة: أين ينبغي أن يكون موقع هؤلاء في صفوف المعارضة؟ وهل وجودهم في مواقع قيادية يخدم قضية الثورة حقًا؟

إن الإجابة عن سؤال كهذا تبدو محفوفة بالمخاطر، وينبغي التعامل معها بكثير من التأني، وبطريقة تبتعد عن التخوين من جهة، ولكنها تأخذ مصلحة الثورة من جهة أخرى أيضًا، ولكن كيف يمكن هذا؟

إن المنطق السليم يقول إن الذين خدموا في تلك المواقع كانوا يدركون تمامًا الدور الذي يؤدونه في خدمة الاستبداد، ويمكن القول أيضًا إنّ القسم الأكبر منهم كان شريكًا في لعبة الفساد أو التغطية عليها في حد أدنى؛ الأمر الذي يعني أننا إزاء عقلية تبحث عن مصالحها أينما كانت، ولذا هي تنتقل من مكان إلى آخر، بناءً على مصالحها؛ ما يعني أن قسمًا كبيرًا من هؤلاء انتقل من صفوف النظام إلى صفوف المعارضة، بناءً على أحد أمرين: الأول التنسيق مع النظام، وقد رأينا عودة قسم منهم إلى “حضن الوطن”، بعد أن انتهت أدوارهم التي لعبوها لصالح نظام الاستبداد. والثاني البحث عن مصالح جديدة، توهموا إيجادها بعد سقوط نظام الاستبداد، إذ يصعب القول إن العقل الذي كان يؤدي دوره كاملًا في خدمة نظام الاستبداد قد تغيّر، بين ليلة وضحاها بعد الثورة، فقسم كبير من هؤلاء -وإن غدا يحارب النظام سياسيًا اليوم- يواجه النظام من موقع العقل والآلية نفسيهما، أي آلية المصالح والمنافع، ولهذا نجد أن قسمًا كبيرًا من هؤلاء باتوا أدوات للدول الفاعلة في الملف السوري اليوم، فهم لم يفعلوا إلا أن نقلوا مواقعهم من خدمة المستبد إلى خدمة الفاعل الخارجي، وهو ما يفسر لنا اليوم وجود الكثير من سلوكيات النظام في هرم المعارضة.

إن تاريخ الانشقاق والحركات المنشقة يقول لنا إن الأمر يأتي بعد مراجعة ونقد وتراكم، بحيث تغدو مسوغات الانشقاق مفهومة وواضحة، معرفيًا وفكريًا وسلوكيًا أيضًا، وقد رأينا على الصعيد الفكري كيف أن الانشقاق ولد معه نظريات فكرية وسياسية، باتت مدارس بحد ذاتها، في حين أن تاريخ الانشقاق السوري يغدو ضحلًا حتى اليوم، فهل عاد النظام إلى النظام، أم سيكون للتاريخ مسار آخر، هو مسار الأمل؟

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

إغلاق