لا حياة لمن تنادي

 

“لقد أسمعتَ لو ناديت حيًا … ولكن لا حياة لمن تنادي”. هذا الكلام موجّه لكل من يوجّه نداءً لحكّام روسيا أن يضعوا آليات لمراقبة الهدن في سورية، أو للضغط على النظام ليحترمها، في الغوطة وسواها، أو يأمل أن تتوقف روسيا عن مشاركة النظام السوري جرائمه، أوروبيًا كان من يُطالب أم عربيًا أم سوريًا.

يُدرك الفرنسيون والألمان أن روسيا لن تستمع لأي صوت أوروبي، في ما يتعلق بعنفها وجرائم حربها في سورية، وستسير في ما خططت له إلى أجل غير مُسمّى، طالما أن القطب الآخر، الأميركي، يستخف بالمأساة السورية، ولا يتخذ سوى إجراءات سلبية وعقيمة، ليس الآن، بل منذ انطلاق الثورة قبل سبع سنوات.

تنطلق بعض المطالب الأوروبية من رغبة في التخفيف من الموت المجاني ومن جرائم الحرب في سورية، التي تُشارك فيها روسيا في العمق، لكن هذه المطالب، في مثل هذه الظروف، عقيمة، وأقرب إلى “رفع العتب”؛ فالولايات المتحدة حجّمت الدور الأوروبي في الشرق الأوسط عمومًا، وفي سورية على وجه الخصوص، وحصرت أوروبا في زاوية لا تتعدى قضية اللاجئين، وقضايا إنسانية وإغاثية وإعلامية، وبالتالي، فإن ما يصدر عن أوروبا محكوم بسقوف أميركية، مرئية وغير مرئية، ومشوشة كثيرًا.

بعد كل ما ارتكبت روسيا في سورية من جرائم موثقة لدى مراصد حقوق إنسان محلية ودولية، وبعد دعمها المطلق للنظام السوري، ومحاربتها للمعارضة السورية، السياسية والعسكرية، وتحالفها الاستراتيجي الطارئ مع إيران، وإصرارها على أن تتصرف في سورية كعصابة مافيا؛ لا يمكن لأي جهة أن تعتقد أن موسكو يمكن أن تكون وسيطًا حياديًا، أو يمكن أن تكون مُسيّرة لعملية سلام، أو جسرًا للحل السياسي المأمول.

الحل عند الأميركيين، ولا تفتقر الولايات المتحدة للآليات والقدرات ووسائل الضغط التي يمكن من خلالها حشر الروس وإرغامهم، سواء على مستوى تثبيت الهدن، أو حتى على مستوى تثبيت حل سياسي متكامل، لكن لا إرادة أميركية حتى الآن.

المفاتيح بيد الأميركيين، في السابق والآن، فهدنة جنوب سورية فُرضت فرضًا على الروس والإيرانيين والنظام، وطُبّقت دون خلل، ومرشحة للاستقرار المديد، ما لم يُقرّر الأميركيون عكس ذلك. كذلك، قتلَت الولايات المتحدة بغمضة عين ما يُعتقد أنه أكثر من 600 مقاتل من حلفاء النظام، نحو ثلثهم ربما من المرتزقة الروس، عندما تجرأ مرتزقة روس وميليشيات إيرانية على التحرّش بموقعٍ أعلن الأميركيون أنه خط أحمر، ورضخ الروس وبلعوا جرحهم.

وقبل هذا وذاك، عندما قررت الولايات المتحدة أنها تريد الكيمياوي السوري؛ رضخ الروس، وأرضخوا النظام السوري رغمًا عنه، ليُنفّذ سحب الكيمياوي، دون أي اعتراض أو احتجاج. وهناك شواهد أخرى كثيرة تؤكد أن كلمة الفصل هناك، في البيت الأبيض، وليس في الكرملين.

وللتذكير، ليس إلا، إن الإنفاق العسكري للولايات المتحدة يُعادل الإنفاق العسكري لكل من روسيا والصين وفرنسا وبريطانيا وألمانيا والهند واليابان وكوريا وإيطاليا وجميع الدول العربية ونصف الدول الأفريقية مجتمعين.

الأسف كل الأسف أن الولايات المتحدة لا تريد الحل الآن، بل ربما هي سعيدة بما يحصل، فالجميع يخسر إلا هي، والجميع يغرق إلا هي، والخشية كل الخشية أن يستمر السوريون بدفع الثمن، من الغوطة إلى إدلب إلى الجنوب فالشمال، طالما استمرت روسيا على هذا المنوال دون رادع، وطالما استمر الأميركيون بهذه السلبية والاستخفاف والغموض في الأهداف.

1 عدد الردود

التعليقات مغلقة