في الذكرى الستين لتجربة الوحدة السورية المصرية – الإشكالية والكارثة

 

بتاريخ 22 شباط/ فبراير 2018 تحل الذكرى الستون لإعلان الوحدة السورية المصرية التي امتدت من هذا التاريخ حتى 28 أيلول/ سبتمبر 1961. وفي كل عام مع مرور هذه الذكرى تكثر الكتابات، لا سيّما على صفحات مواقع التواصل الاجتماعي، حول هذه التجربة القصيرة، كما حول شخصية الرئيس المصري الأسبق (جمال عبد الناصر) الذي ترأسها تحت اسم “الجمهورية العربية المتحدة”. ولا ترى بعض الكتابات في هذه التجربة ورئيسها إلا الجوانب السلبية والأخطاء القاتلة، لدرجة تحميلهما مسؤولية كل الخيبات العربية اللاحقة وصولًا إلى الحالة الكارثية التي تعيشها أغلب شعوبنا ومجتمعاتنا العربية اليوم، بينما ما زال بعضها الآخر ينظر إليها بحنين عاطفي مضمر بالتبجيل دون أي مستوى من المراجعة النقدية، طبعًا، إلا في استثناءات قليلة.

هذه مقاربة مختلفة، من وجهة نظر شخصية في مستوى سوسيو-ثقافي، أكثر من كونها رأيًا سياسيًا، ترى في هذه التجربة ورئيسها تجسيدًا لإشكالية لحظة تاريخية عربية حديثة حرجة ومضطربة، ما زالت تتفاقم جوانبها السلبية الماضية على حساب مقدماتها الموضوعية المستقبلية والإيجابية، لدرجة التغوّل في كل تفاصيل حياتنا العربية المعاصرة.

من الذاكرة

كنت بداية سنيّ الفتوة (المدرسية)، إبان عهد الوحدة السورية – المصرية، شديد الحماسة لعبد الناصر والوحدة، طبعًا بميل عاطفي لفتى في مقتبل العمر بتأثير مدّ حماس شعبي كبير لهما، في ذلك الوقت.

أما بعد ذلك، في مرحلة الشباب، ومع بداية تفتح الوعي السياسي على أرضية ميول يسارية راديكالية، أواخر مرحلة الدراسة الثانوية بين 1968 – 1970؛ صرت أعدّ جمال عبد الناصر العقبة الكبيرة أمام تقدم مسيرة الثورة العربية التحررية والتقدمية بآفاقها البعيدة، كما كنت أحلم وأتوهم وبعض أبناء جيلي آنذاك، كونه أسس مشروعه القومي العربي والاشتراكي في بناء الدولة الحديثة، على الحلول الوسط في حدودها الدنيا.

مع ذلك، ما زلت أذكر حالة الارتكاس الوجداني الكبير الذي أصابني حتى البكاء المر، وأنا في عز عنفوان الحماس اليساري ذاك، لحظة سماعي خبر وفاته مساء 28 أيلول/ سبتمبر 1970، لدرجة أن أهلي جميعًا أهملوا نسبيًا الاهتمام بالخبر الصاعق، وأصيبوا بالذهول وهم يراقبون ردة فعلي الوجدانية، كونهم يعرفون رأيي بعبد الناصر ومرحلته، وعندما سُئلتُ:
ألهذه الدرجة؟ أجبتُ بلا تردد: “إنه جمال عبد الناصر”، وكأنني في لا وعيي أستبطن أنه، حتى وهو ديكتاتور، شخصٌ إشكالي مهم، تجوز في فهمه وفهم مرحلته مقاربات عدة، طبعًا بعكس الطغاة الذين جاؤوا بعده، الذين يحمله البعض اليوم وزر طغيانهم الدامي والمهلك.

ولو سُئلت: ماذا تعني؟ لما استطعت الجواب.. لكن ما أذكره بعد ذلك أني بقيت أيامًا أمشي في مسيرات وداعية عفوية، كانت تُقام في مدينتي طرطوس تحية لروحه، ويُشارك فيها طيف واسع ومتعدد من أبناء المدينة والريف الجبلي حتى يوم الجنازة الوهمية الكبيرة التي انطلقت بعد صلاة الجنازة على روحه في أحد المساجد، يوم تشييعه الفعلي في القاهرة بتاريخ 1 تشرين الأول/ أكتوبر 1970.

اليوم، ربما صار بإمكاني الإجابة على ذلك السؤال المفترض من مقاربات عدة، رغم أني لم أخرج من الإطار الواسع المتجدد لأفكار اليسار التي صرت أفهم وأزعم أنها اليوم صارت الأقرب من الرأسمالية لفكرة الليبرالية بمعناها الإنساني الحقيقي الواسع.

لكن ما يهم في سياق هذه السطور -كما هو واضح من العنوان- ليس محاولة الكشف عن الإشكالية في شخص الرئيس عبد الناصر، بقدر ما يهم تفحّص الإشكالية التي حكمت تجربة الوحدة السورية – المصرية، وأدّت في عمر زمني قصير إلى انتكاستها الأخيرة، وقد يكون في ذلك مستوى من مستويات الجواب على السؤال المفترض سالف الذكر.

بواكير فكرة القومية العربية في سورية

على العكس مما يُقال، فإن تجربة الوحدة بين مصر وسورية لم تكن مجرد استجابة عاطفية لبعض الزعماء السياسيين السوريين لفكرة عبد الناصر في القومية العربية والوحدة، أو هروب من واقع سياسي مضطرب وحرج كانت تعيشه سورية. بل يمكن القول إن سورية، من خلال أعيانها الدمشقيين ومثقفيها المسيحيين في بيروت، كانت مهيأة منذ بدايات القرن العشرين لفكرة القومية العربية. وحول هذه النقطة يشير فيليب خوري في مقدمة كتابه المهم (أعيان المدن والقومية العربية)[1] الذي يهتم فيه بشكل خاص بدراسة (البيئة الاجتماعية والسياسية التي تطورت فيها فكرة القومية العربية) في طفولتها الأولى، عشية الحرب العالمية الأولى، إلى ارتباط نشوء هذه الفكرة وتعميمها في المشرق العربي انطلاقًا من مدينة دمشق، بربطها بطبقة يسميها طبقة (الملاكين – البيروقراطيين) التي ولدت نتيجة حاجة السلطة العثمانية إلى وجهاء محليين، يعملون كوسطاء بين السلطنة وولاتها من جهة، وعامة الشعب من جهة ثانية. الأمر الذي ولد حياة سياسية مدينية محلية مبكرة في مدينة دمشق. وقد استطاع هؤلاء الوسطاء (الأعيان) نقل مركز الثقل لدورهم من (الهيبة الموروثة لمركز اجتماعي – ديني قديم)، أو من مراكز عسكرية وتجارية سابقة إلى “نوع من السلطة أكثر استقرارًا مستندًا إلى ملكية الأرض والمناصب الحكومية في الجناح العلماني المتنامي من بيروقراطية الدولة، وهي قاعدة أكثر تلاؤمًا بكثير مع الحقائق العثمانية لنهاية القرن”[2]، وبذلك بدأت تتمايز في سورية لأول مرة طبقة واضحة ومستقرة هي طبقة (الملاكين البيروقراطيين)، وصارت تسيطر على المسرح السياسي المحلي.

ترافق معها ظهور طبقة أخرى، ارتقت أيضًا مصالحها في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، وهي الطبقة التجارية المسيحية التي لعب أفرادها دور الوكلاء المحليين لبيوت التجارة الأوروبية في الفترة نفسها، بتأثير الامتيازات التي أعطتها السلطات العثمانية -آنذاك- للحكومات الأوروبية بحق رعاية وحماية المسيحيين، ومع ذلك فأول من طرح فكرة العروبة من جديد، بالضد من رابطة الجامعة العثمانية أوائل القرن العشرين، هم المسيحيون السوريون في بيروت التي كانت نافذة تجارية بحرية وحيدة ومهمة مع الغرب الأوروبي. وأول من ترجم هذه الفكرة إلى حركة سياسية ذات أبعاد قومية قبل الحرب العالمية الأولى هم أفراد من طبقة الملاكين البيروقراطيين، المسلمين، في دمشق. والسبب في ذلك كما يشير الكاتب يعود إلى خوف الطبقتين، أواخر القرن التاسع عشر، من تآكل مواقعهما وفقدانها في مطالع القرن العشرين من قبل السلطات العثمانية ذاتها، وفي هذا الصدد يقول الكاتب: “يجب على أي تفسير منظم لصعود القومية العربية أن يأخذ في اعتباره اتساع الهوة التي كانت آخذة في النمو في هذه الأثناء بين مصالح تلك الطبقتين وتوقعاتهما”[3].

مرحلة ما بعد الجلاء والاستقلال الوطني

لكن اللحظة التاريخية المضطربة والحرجة التي ظهرت فيها طبقة الأعيان، أواخر العهد العثماني في دمشق، تلتها أحداث عديدة متسارعة بدءًا من العهد العربي (الفيصلي) الجديد 1918 – 1920 ثم عهد الانتداب الفرنسي 1920 – 1946، ثم عهد الاستقلال الوطني الذي كانت بداياته حتى عام 1949 مرتبكة بعض الشيء، بدليل كثرة تشكيل الوزارات الحكومية وتنازع السياسيين؛ ما أدى إلى تتالي الانقلابات العسكرية منذ ذلك التاريخ حتى عام 1954، كون مؤسسة الجيش هي المؤسسة الوحيدة المنظمة والقوية والقادرة على إحداث تغيير سياسي أو مجتمعي. فكل ذلك أفضى إلى ولادة هشة وضعيفة للمرحلة الليبرالية في سورية، كبنى تحتية اقتصادية قوية ومؤسسات مجتمع مدني فاعلة وراسخة. ولعل هذا ما يشير إليه بحصافة بالغة الكاتب والمثقف السوري البارز فاروق مردم بك في حوار مهم وطويل معه على موقع (الجمهورية نت) هنا رابطه (https://www.aljumhuriya.net/ar/33811)، حيث يقول عن رجال تلك المرحلة: “نعم، كان أغلب هؤلاء السياسيين ليبراليين في الاقتصاد والسياسة على السواء، ومُحافظين أيضًا، اجتماعيًا (بسبب أصولهم الطبقية)، و”مجتمعيًا” (بسبب ثقافتهم التقليديّة). في عام 1958، حين سلّموا الأمانة إلى عبد الناصر، على علمهم بأنّ النظام الجديد لن يحترم الحريات العامة والخاصة التي كانت تتمتّع بها سورية، كانوا قد عجزوا عن مواكبة التحوّلات الاجتماعية، وأفلسوا سياسيًا، في أصعب الظروف الدولية (الحرب الباردة)، والإقليميّة (الصراع على سورية والمؤامرات التي كانت تُحاك في هذا السياق بهدف حرفها عن نهجها المستقل). هذا عدا الضغوط التي كانوا يتعرّضون لها من قبل قادة الجيش”.

ويتابع قائلًا: “إنّ السياسيين السوريين كانوا إمّا من أنصار الوحدة مع العراق (حزب الشعب)، وإمّا من أنصار المحور المصري السعودي (أغلبية الحزب الوطني)، وكانت سورية في الحالتين منذورةً للوحدة العربيّة. وحين رفع شكري القوتلي العَلم السوري بعد الاستقلال، قال إنّه ينتظر اللحظة التي سيرتفع فيها علم الوحدة العربية فوق العلم السوري”.

الوحدة السورية المصرية

مما تقدم؛ يمكن القول إن المبادرة السورية للوحدة مع مصر، والاستجابة الفورية لها، لم تكن مجرد اندفاع عاطفي أو إرادة رغبوية عليا. وإنما هو موقف له جذوره في مفترق تاريخي نوعي كبير، بدأ مع انهيار الإمبراطورية العثمانية وإقامة أول حكومة عربية صرفة في دمشق، كان أهم منظري فكرة القومية العربية (ساطع الحصري) وزيرًا للمعارف فيها.

لكن هذا لا يعني عدم مسائلة تلك التجربة الوحدوية في أحد أهم أسباب إخفاقها النهائي الذي أزعم أنه يتلخص بدمغ تجربة الوحدة مع سورية بختمها المصري، الإداري والسياسي، الصرف على (الإقليم الشمالي؟!) أي السوري، كما تمت تسميته، دون الأخذ بعين الاعتبار خصوصية اللحظة المجتمعية، في سياقها التاريخي والسياسي للمجتمع السوري المتعدد الثقافات والإثنيات والقوميات والطوائف الدينية، وتكونه الحديث الذي كان في بداية طور الاندماج، من كل هذا التعدد الخارج من العباءة الفضفاضة والواسعة لخلافة الإمبراطورية العثمانية المنهارة، بالضد مما كان عليه المجتمع المصري الموحد في دولة واحدة منذ مئات السنين. الأمر الذي كان أحد الأسباب المباشرة المسؤولة عن إخفاق تلك التجربة وانتكاستها النهائية.

تجربة الوحدة السورية المصرية، بأعوامها الثلاث القصيرة، بكل ما لها وما عليها، بطموحات صناعها وحماس الجماهير لها وانتكاستها النهائية، كانت محاولة للخروج من سياق مجتمعي سياسي تاريخي قديم ومديد، لم تنضج مقدماته الموضوعية المجتمعية جيدًا بعد، بسبب الإرث الماضوي السابق الثقيل من جهة، واضطراب اللحظة التاريخية المرافقة كعائق أمام رسوخ المؤسسات السياسية الوليدة والبني التحتية الداعمة من جهة ثانية. بمقابل رسوخ وقوة دور المؤسسة العسكرية من جهة ثالثة. وهذا ما يمكن تسميته بإشكالية اللحظة التاريخية آنذاك التي يتوفر فيها الطموح وإرادة الخروج نحو المستقبل، في الوقت الذي لا تتوفر فيه الإمكانات الواقعية كرافعة قوية للخروج فعلًا، فيغلب مناخ الحماس العاطفي على آلية تفكير عقلاني واقعي هادئ، حتى عند الكثير من النخب السياسية. فكانت تجربة الوحدة تلك تجسيدًا وتعبيرًا عن تلك الإشكالية؛ فخسرت سورية مرحلتها الليبرالية الوليدة آنذاك، كما أخفق طموحها بالوحدة العربية التي تحولت إلى مجرد شعارات حماسية، تخفي أسر المجتمع واعتقاله في مراحل تالية، وها هي تترنح اليوم بتأثير تراكمي من كل ذلك، عبر قرن من الزمن، على وقع حروب داخلية دامية استجرت بدورها تدخلات إقليمية ودولية، تتنازع فيما بينها لاقتسام مناطق نفوذ إقليمية ودولية خاصة بها.

وهكذا؛ فإن تفاقم الإشكالية، وعدم القدرة على الخروج منها طيلة هذه المدة، تحول إلى كارثة حقيقية.

 

 

[1] -: فيليب خوري، (أعيان المدن والقومية العربية – سياسة دمشق 1860 – 1920) ترجمة: عفيف الرزاز – مؤسسة الأبحاث العربية – الطبعة العربية الأولى – بيروت 1993.

[2] -: المرجع السابق ص16

[3] -: المرجع السابق ص21

1 عدد الردود

التعليقات مغلقة