أبحاث وتحليل سياسات

قراءة في الوثيقة المشتركة – الجزء الثاني (التموضع السياسي)

 

سننظر إلى الوثيقة وأصحابها في هذا الجزء بدلالة بعض (المعايير السياسية) التي نراها أساسية، في تقييم أي عمل أو حدث أو ظاهرة سياسية، سننظر بدلالة: موازين القوى، والمناخ العام، الآن وهنا، ومفاعيل الزمن.

أولًا – الوثيقة وأصحابها و(موازين القوى):

القوى السياسية والمدنية كثيرة، ومثلها العسكرية، وإن سألنا السؤالين التاليين سنعرف بالضبط من هي القوى السياسية التي يمكن لنا أن نضعها على ميزان السياسة:

أما السؤال الأول فهو: من هي القوة السياسية أو المدنية أو العسكرية السورية التي تستطيع أن تخطو خطوتين سياسيتين متتابعتين ومترابطتين بوعي هادف؟

وأما السؤال الثاني فهو: من هي القوة السياسية التي تستطيع، في حال حدوث حدث سياسي ما، أن تستثمره وتوظف نتائجه بصالح الثورة؟

في الحقيقة جواب السؤالين معًا هو: لا يوجد!

تعاني الساحة السياسية السورية بشكل عام من غياب الفاعل السياسي السوري، وهو ليس غيابًا بمعنى عدم الحضور، إنما هو غياب بمعنى عدم الفاعلية والتأثير، وبمعنى عدم القدرة على المراكمة واستثمار الأحداث استثمارًا سياسيًا، رغم كثرة التشكيلات والفصائل والتجمعات والتحالفات، سياسية كانت أو مدنية أو عسكرية، وغياب الفاعل العسكري نعني به هنا غياب القرار السوري عن الفعل العسكري الذي تقوم به بعض الفصائل، فالفعل العسكري موجود، بل وجوده طاغٍ على سواه، لكنه لا ينطلق من قرار سوري، فكما هو واضح أنه ينطلق من قرار يصاغ في محاور إقليمية ودولية.

تُعاني الساحة السياسية أيضًا مما يمكن أن نسميه “فرط التسيس”، يوجد كثرة كثيرة من الأفراد العاملين بحقل السياسة بالمعنى المباشر للكلمة، أي بمعنى الانتماء إلى منظمات وأحزاب وتيارات وتحالفات… إلخ، وبمعنى القيام والمباشرة بفعل سياسي، يؤمن صاحبه -على أقل تقدير- بأنه فعل سياسي يهدف إلى إحداث فرق ما، أو مراكمة ما.

إذن؛ كثرة فاعلين وقلة فاعلية، كثرة تنظيمات وقلة تنظيم، كثرة رؤى وقلة نظر، وكأننا بهذا المشهد أمام مملكة من النحل، نرى نحلًا نشيطًا يصدع الرأسَ طنينُه، لكننا لا نرى خليةً ولا عسلًا.

ما يعني أن جميع -وأنا أعمم- القوى السورية هي قوى خارج موازين السياسة، بما في ذلك أصحاب هذه الوثيقة (حزب الجمهورية واللقاء الوطني الديمقراطي)، فجميعها إن وضعت على الميزان، فلن يلحظها الميزان، فهي ما دون مقاييس السياسة.

ليس لدى أصحاب هذه الوثيقة وهمٌ حول أنفسهم، فهم يدركون أن خطوتهم في إنجاز هذا التقارب العميق -إن لم يتبعها خطوات أخرى- لا تكفي، كما أنهم يدركون أنهم في حال تمكنوا من إنجاز الاندماج؛ فإن ذلك أيضًا لا يكفي، لكنهم بالمقابل يعتقدون اعتقادًا راسخًا بأن ما قاموا به هو أحد البدايات الحقيقية لصناعة الفرق في موازين القوى، يأملون أن تشجع هذه الخطوة السوريين على اتخاذ خطوات مشابهة، والبداية في تشكيل عملية سياسية تستطيع المراكمة والمتابعة.

ثانيًا – الوثيقة وأصحابها و(المناخ العام):

يستخدم تعبير “المناخ العام” بمعان مختلفة، ونحن نقصد به مجموعة التوجهات العامة والرؤى والتصورات والأمزجة والأجواء التي تدفع بنسق أفكار وسلوكيات أو مجموعة أنساق إلى الانتشار والتوسع، وتحاصر أو تدفع مجموعات أخرى وأنساق أخرى إلى الذبول والانكفاء والانحسار.

المرحلة الأولى من الثورة كانت تشكل مناخًا عامًا، يساعد على انتشار الرؤى والأفكار والسلوكيات والمظاهر المدنية، فرأينا فيها جوانب مشرقة من الشعب السوري.

في المراحل اللاحقة، بدأ مناخ الحرب واستمر بالتعمق حتى تمكن من إبراز السيئ بل الأسوأ عند الجميع. في مناخ الحرب، هرب الفاعلون المدنيون خارج المعركة، وهذا الهروب له مجموعة كبيرة من الأسباب -نأمل أن نتمكن من طرحها في مقال مستقل قريبًا- لكن له سببًا يتعلق بموضوعنا هو أن أنساق التنظير للمجتمع المدني عمومًا كانت تحمل في عمق وعيها نظرة عدم احترام للمجتمع الأهلي، بل نظرة عدم ثقة، تصل إلى درجة الاحتقار، وكانت تستبطن العداء لهذا المجتمع، وهذا -برأينا- هو أحد أهم الأسباب التي جعلت أصحاب هذا التيار لا يحتمون بمجتمعهم، هذا من جهة، ومن جهة أخرى فإن التنظير الماضوي لتيارات الإسلام السياسي أدى إلى تعاشق بينها وبين المجتمع الأهلي في مرحلة الحرب، استطاعت هذه التيارات أن تغذي أوهام المجتمع الأهلي؛ لتحصل بالمقابل على احتضانه وحمايته لها، حتى أصبحنا أمام هذا الانقسام الخطير الذي يمكن لنا أن نختصره بالآتي: تقاطعت مصلحة النظام مع مصلحة تيارات الإسلام السياسي في أسلمة الثورة، مصلحة النظام هي إيجاد مبرر لمزيد من العنف، ومصلحة الإسلام السياسي هي إيجاد بيئة حاضنة لمشروعه. من جهة ثانية نرى أن مصلحة النظام تقاطعت مع تيارات المدنية والليبرالية والعلمانية في إدانة أسلمة الثورة، مصلحة النظام تكمن في تبرير ضرب الثورة بمزيد من العنف، ومصلحتها تكمن في الحد من انتشار الإسلام السياسي.

هذا مناخ الحرب، المناخ الذي تظهر فيه اصطفافات بنزعة متطرفة؛ فنرى صراعًا عربيًا كرديًا، وآخر علمانيًا إسلاميًا، وآخر طائفيًا متعدد الأطراف… إلخ، وكل هذا بأسوأ أشكاله.

نرى أسوأ ما في الدولة، وأسوأ ما في السياسة، وأسوأ ما في مصالح الدول، وأسوأ ما في النظام الدولي، وهذا كله لأن مناخ الحرب تعاشق مع تشظي الذات السورية، وتذرر الهوية العامة للسوريين.

في هذا المناخ، صدرت الوثيقة، وصاغ أصحابها تفاهماتهم؛ ليعزفوا لحنًا خارج إيقاع الحرب، وخارجًا عليه. استطاعت الوثيقة أن تقبض على الذات السورية والهوية السورية، وأن تجعل منها بوصلة عامة موجهة ومرشدة للعمل، واستطاع أصحابها تقديم نموذج مهم، من خلال التفاهم العميق، بين قوة أغلبية أعضائها من العرب السوريين وقوة أخرى أغلبية أعضائها من الأكراد السوريين؛ لتعلن أننا إن لن نتمكن من إيقاف الحرب، فبإمكاننا إيقاف سوئها، فهذا التقارب بين (الجمهورية) و(اللقاء) هو مسمار حقيقي في نعش الحرب بين العرب والأكراد، والتي تأخذ أكثر من مستوى لعل مستوى (حرب الثقافة الأهلية) أخطرها وأدومها.

ثالثًا – الوثيقة وأصحابها (الآن وهنا):

(الآن وهنا) هي الحرب، هي الضياع، هي مستنقع الاحتراب، هي تشظي الذات والهوية الوطنية، هي استحضار كل ما يخدم مقولات الحرب… الخ. ولنلاحظ أن الـ (هنا) في عام 2011، كانت الثورة، كانت الشعب الغاضب لكرامته والمطالب بحريته، كانت (واحد واحد الشعب السوري واحد).

ولنلاحظ أيضًا أن الـ (هنا) في المستقبل مفتوحة على فضاء احتمالي متعدد وواسع الاحتمالات. إذن؛ يجب رفض التسطيح والتبسيط الذي يرى أن الـ (هنا) هي المكان المشار إليه بالجغرافيا فقط، وأن (الآن) هي الزمن الحالي المنفصل عما قبل وما بعده، المقتطع من سياق التاريخ بمعناه الواسع. يجب تعميق هذا المركب المهم في معايرة السياسة والعمل السياسي، فنحن نرى أن (الآن وهنا) هي مقولة عميقة، حيث إنها تعبر عن الوجود وشكله، الوجود وإعادة تشكله. الـ (هنا) هي الوجود، و(الآن) شكله. (هنا) الوجود، وفي المستقبل إعادة تشكله. هنا الوجود، وفي كل آن له شكل.

الوثيقة التقطت هذا العمق بذكاء وإتقان، حين تحدثت عن الـ (مكان – زمان المأنوس)، عن الوطن، وحين عبّرت عنه بدلالة المستقبل المنشود. وأصحاب الوثيقة وصناعها التقطوا هذا العمق، وترجموه إلى فعل سياسي، حين أنجزوا هذا التفاهم العميق الذي يعني أولًا أنه خطوة حقيقية في إعادة بناء الهوية الوطنية، وخطوة في بناء التفاهمات العميقة بين (مكونات) الشعب، وخطوة في المأسسة المهمة في عملية المراكمة.

رابعًا – الوثيقة وأصحابها و (مفاعيل الزمن):

مفاعيل الزمن هي خارج حسابات القوى السورية، وقد يعود سبب ذلك إلى أن معظم هذه القوى قد بنت سياساتها على قراءة اللحظة الآنية منقطعة عن سياقها ومآلات تطورها، وبالتالي امتازت سياسات هذه القوى بأنها سياسات غير استراتيجية، بل ضد استراتيجية (سياسة الخطوة الواحدة وفقط).

إن مفاعيل الزمن هي عنصر حاسم في رسم السياسات الاستراتيجية، فمع اندراج خطوات العمل في الزمن؛ ستظهر مستجدات، وتتغير موازين القوى، وتتغير الأمزجة العامة ومناخات العمل، وكل هذا إن غاب عن حسابات السياسة؛ فهذا يعني أننا نفقد بعدًا مهمًا من أبعاد الواقع، وبالتالي نخرج خارج دائرة السياسة، إلى دائرة يصح تسميتها ما شئتم إلا سياسة.

لا يمكن امتلاك مفاعيل الزمن من دون امتلاك وزن سياسي نوعي، ودون امتلاك الـ (هنا) والقبض عليه بالمعنى الفكري، ودون امتلاك (الآن) والقبض عليه بمعنى الفعل الواعي، ودون القدرة على تعديل المناخ العام ليصبح مناخًا مؤاتيًا لإدراج المقولات والسلوكيات المنشودة. امتلاك مفاعيل الزمن، أو القدرة على توظيفها بالحد الأدنى، هو تحصيل حاصل لجميع العوامل السابقة.

أخيرًا:

بقي أن نقول في خاتمة هذا الجزء إن أصحاب هذه المبادرة/ الوثيقة ليس لديهم وهمٌ في أنهم ليسوا قادرين وحدهم على (إخراج الزير من البير)، حسب المثل الشعبي، لكن يحدوهم الأمل في أن تتلاقى هذه المبادرة/ الوثيقة مع مبادرات أخرى؛ لإنضاج تيار سياسي قادر على أن ينطلق من (الآن وهنا) إلى الوطن المنشود، وقادر على تعديل موازين القوى لصالح الشعب السوري، وقادر على إحداث خرق في المناخ العام ليتمكن هذا الشعب من التعبير الطبيعي عن تطلعاته، وقادر على امتلاك مفاعيل الزمن؛ للانتقال من موقع الكارثة إلى طريق النهوض.

 

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

إغلاق