معوّقات ومخاطر عملية “غصن الزيتون”

مع العملية العسكرية التركية في عفرين (غصن الزيتون)، تدخل المسألة السورية طورًا جديدًا، تتقاطع فيه حسابات وإرادات إقليمية ودولية، وتتبدى مشروعات صفقات كبرى، تدخل في صميم مستقبل المشرق العربي لعقود طويلة مقبلة. فمع انحسار تهديد (داعش)؛ شعرت أنقرة بأنها الوحيدة التي لا تزال تتعرض لتهديدات إرهابية حقيقية، تستهدف أمنها القومي من “حزب العمال الكردستاني” التركي (PKK). وزاد الطين بلّة إعلان الولايات المتحدة الأميركية، مؤخرًا، عزمها تشكيل جيش لحماية الحدود، قوامه عناصر من قوات (PYD) الذي تعدّه أنقرة الجناح السوري لـ (PKK)، ومحاولة أطراف دولية تكريس وجود إقليم كردي مجاور لها، من خلال فرض دستور يعترف بالفيدرالية والإدارة الذاتية؛ ما يشكل خطرًا على سلامة أمنها القومي، من وجهة نظرها، ويهدد وحدة الأراضي السورية. وقد يفضي إلى تقسيمها لاحقًا، وبالتالي إنشاء كانتون كردي، قد تنتقل تداعياته إلى عدة محافظات تركية تقطنها أغلبية كردية.

وإذا كانت عملية (درع الفرات)، التي استهدفت وجود (داعش) في مثلث (جرابلس – إعزاز – الباب)، استمرت لما يقارب الثلاثة شهور؛ فإن عملية (غصن الزيتون) قد تتطلب وقتًا لا يقل عن ذلك. إذ كشفت المعارك، منذ 20 كانون الثاني/ يناير الماضي، صعوبة مهمة القوات المهاجمة، في ضوء تداخل وتشابك المعطيات السياسية والعسكرية والجغرافية، إن لجهة صلابة القوة المدافعة التي تخوض المواجهة معززة بخبرة ميدانية كبيرة، وجغرافيا مواتية وحاضنة شعبية محلية مؤيدة، إضافة إلى أن المنطقة جبلية وعرة؛ ما يقلل من تأثير القصف الجوي.

قد تنجح الحملة العسكرية (غصن الزيتون) بهزيمة (قسد) والسيطرة على منطقة عفرين، لكنها لن تنهي الصراع التركي-الكردي، داخل تركيا وخارجها، بل ستزيده مرارة واحتقانًا، وإن الأجدى “الانخراط في تسوية تاريخية، تضع حدًا للمواجهة الدامية وتفتح الطريق لاستقرار وازدهار شعوب المنطقة ودولها”. لا بد أن تفكر تركيا وتعمل بجدية، من أجل حل عادل للقضية الكردية لديها، أما الإصرار على الحل الأمني، فهو أمر سيستنزف الإمكانات، ويمنع الاستقرار الداخلي، ويضعف الدور التركي على المستويين الإقليمي والدولي.

ثم إن العقدة الكردية المزمنة تشكل عقبة أمام دور تركيا الشرق أوسطي مستقبلًا، فالوضع الراهن في سورية، واحتمالات تطوره، لا يقتصر على كونها تستهلك من موارد السياسة الخارجية ما يمكن تخصيصه لتدعيم إمكانات هذا الدور، فالقلق الزائد عن حده في تطلعات أكراد سورية، يدفع تركيا إلى التسليم ضمنيًا بنفوذ إيراني في سورية. ويتعارض سلوك تركيا، المدفوع بالعقدة الكردية، مع أحد متطلبات اضطلاعها بدور إقليمي رئيسي قابل لأن يصبح محوريًا، وهو استقلال سورية عن النفوذ الإيراني، وبالتالي نجاح الشعب السوري في سعيه للحرية والكرامة.

الثابت أن معركة عفرين ليست نزهة، فمعركة الباب التي خاضتها القوات التركية استغرقت قرابة أربعة أشهر، ومعركة كوباني التي صمد فيها الكرد استغرقت أشهرًا طويلة، وهي المعركة التي جلبت لهم التحالف مع الإدارة الأميركية. وغاية القول هنا أن معركة عفرين قد تستغرق وقتًا طويلًا، ولن يكون هذا الأمر في صالح تركيا، ولا سيّما إذا أدت العمليات العسكرية إلى وقوع ضحايا في صفوف المدنيين، إذ سيجلب هذا الأمر مزيدًا من التعاطف مع الكرد، ومثله من الضغوط على تركيا في المحافل الدولية.

الأكراد يعرفون أن هناك خيارين قد يجنّبان عفرين السيطرة التركية: أولهما أن يكتفي الأتراك بحزام أمني حدودي من دون التوغل صوب مدينة عفرين، وهذا قد يحدث، إن نجح الأكراد بالمطاولة أكثر بالمعارك، وتزايد الضغط الدولي لوقف المعارك. وثانيهما ما تريده سلطة آل الأسد وطهران وروسيا، وهو أن تتواصل المعارك لتقترب من عفرين، وحينئذ يستعين الأكراد بقوات النظام، لتدخل عفرين. وما يؤخر هذا السيناريو، ربما، محاولة الأكراد الحصول على شروط أفضل للعودة تحت خيمة السلطة، بالحفاظ على حد أدنى من مكتسبات الإدارة الذاتية الكردية في عفرين.

فهل ستكتفي أنقرة بمحاصرة المدينة والضغط على القوات الكردية لمغادرتها؟ أم أن عفرين مجرد بوابة لإحداث تسويات بين كل اللاعبين في المشهد السوري؟ قد تكون هذه وتلك موجودة في عقل صانع القرار السياسي والعسكري التركي، فهدف الأمن القومي التركي الرئيسي هو منع قيام كيان كردي على حدودها، وتأمين منطقة نفوذ لها، والجغرافية السورية باتت مقسمة بين اللاعبين: بادية الجزيرة شرق الفرات باتت منطقة نفوذ أميركي، وبادية الشام منطقة نفوذ روسي إيراني. فلماذا لا تكون عفرين وجبل الكرد وصولًا إلى رأس البسيط منطقة نفوذ لأنقرة؟ هكذا يتساءل العقل السياسي التركي، خاصة بعد أن انسحب الروس منها، وأعطوا الضوء الأخضر لدخولها.

وهكذا، ستترك عملية عفرين تأثيرات عميقة في العلاقات بين أكثر من طرف، فإذا كانت المقايضات بين عفرين وإدلب عنوان الصفقة التركية-الروسية؛ فمن غير المعروف ما إذا كانت المقايضات ستكون أيضًا عنوان الاشتباك التركي-الأميركي المقبل في منبج، وبالتالي بداية تصحيح العلاقات التركية-الأميركية، أم بالعكس، يدخل الطرفان في مواجهة هي الأولى من نوعها. إذ يبدو أن معركة عفرين غير بعيدة في الأساس عن لعبة الصراع، بين موسكو وواشنطن، على النفوذ في سورية، وربما تسفر عن معادلة جديدة للتحالفات الإقليمية والدولية، فإحساس تركيا بالأزمة والموقف الحرج استراتيجيًا يجعلها تندفع بوتيرة متسارعة نحو تعزيز التحالف مع إيران وروسيا، ولكنّ العملية أيضًا قد تكون فخًا استراتيجيًا مزمنًا لتركيا، والأمر مرهون بتطور موقف الولايات المتحدة، ورؤيتها للأمر وسيناريوهاتها المقبلة للمسألة السورية.

مهما كانت التفاهمات والمواقف الدولية حيال العملية العسكرية في عفرين السورية؛ فإن المدنيين السوريين هم الطرف الخاسر الوحيد، عربًا وكردًا وتركمانًا وسواهم، وقد يدفعون ثمنًا يضاف إلى الأثمان الباهظة التي دفعوها في السنوات السبع الماضية.

1 عدد الردود

التعليقات مغلقة