مقالات الرأي

سورية: “النداء صفر”…!

 

كثيرون من أصدقائي، السابقين منهم والحاليين، ينعتونني بعدم الواقعية، ويُدللوّن على ذلك بالكم الهائل من تواتر الفشل وتكراره، الذي بات السمة الرئيسة لعلاقاتي بالمؤسسات السياسية التي انتسبت إليها، ومن ثم علاقاتي الفاشلة بالمبادرات البديلة التي أطلقتها خلال محطات العمر الحزينة، أو تلك التي اشتركت فيها مع آخرين، حيث غادرتها بعد أن اكتشفت غربتي عنها، أو اكتشفَت هي غربتها عني، وهكذا كانت تتكرر تلك الحالة من الإقدام والتراجع بالتواتر، فما كنت أكاد أجد نفسي بين جماعة حميمية شديدة الحماسة للهدف العام المشترك؛ فأمنحها مشاعري، وأحملهّا أحلامي، لكن ما إن نبدأ بالممارسة موضوعيًا حتى نكتشف الكم الهائل من العقبات والمعيقات الموضوعية والقصور الذاتي عن مواجهتها؛ فأعترف بالفشل، وأعود إلى عزلتي وحيدًا، إلى أن باتت العزلة هي السائدة في رحلة العمر الحزينة، وما عداها هو الاستثناء.

لا أبرر الفشل هنا، فشلي بإلقاء المسؤولية على الآخرين، أو على الظروف الموضوعية غير الملائمة لنشاط سياسي مؤسساتي، وإنما، قبل ذلك كله وبعده، أعترف بنصيبي من المسؤولية، فقد كنت منذ زمن بعيد قد استندت إلى قاعدة أحتكم إليها في علاقتي مع الآخر تقول: “إن لكل مشكلة -مهما كانت معقدة- حلًا صحيحًا، في زمن محدد وفي مكان محدد”، وبإخضاع نفسي لتلك القاعدة؛ تكون النتيجة أنني فشلت طيلة نصف قرن في إيجاد حل لمشكلة انقضى العمر في تحليلها، والبحث عن أركانها ومسبباتها وعناصرها، وفشلت كل محاولات العثور على حل لها، فهل هناك مجال بعد ذلك كي أتهرب من المسؤولية عن هذا الفشل؟! وهل هناك مجال للتهرب من صوابية مواقف أصدقائي الذين ينعتونني بأنني لا أملّ من إنتاج الفشل، سواء أولئك الذين نفضوا أيديهم من صداقتي، أو أولئك الذين ما زالوا يتحملون أعباء الصبر عليها، حتى الآن؟!

سأقصر حديثي، وباختصار شديد، عن الفشل الذي رافقني منذ بداية هذا القرن 21، والذي ترافق مع ما عُرف بـ “ربيع دمشق”، حيث كان الحنين الوطني إلى الربيع في أوجه، بعد عقود من خريف عاصف بالغ القسوة، خلّف ما لا يمكن وصفه، وحصره من المآسي الاجتماعية، والوطنية، والقومية في الأجزاء، وعلى صعيد الأمة العربية بين المحيط والخليج، حيث انهار مشروع النهوض والتحرر والتنوير في الكل العربي، وفي الأجزاء العربية، وحل ظلام الطغيان، والاستبداد، والتناحر، والفتن، والاختراق الخارجي.

هكذا، لاحت مع بداية القرن الحالي بارقة أمل باستعادة المجتمع في سورية حراكه السياسي، وإعادة بناء مؤسسات سياسية تكون الحامل لتطلعات المجتمع في بناء دولة المواطنة والعدالة والمساواة والحرية والديمقراطية، وقد اعتقدت يومها أن التأسيس لذلك يبدأ بإعادة الحوار المقطوع في المجتمع عبر منتديات، وجمعيات حقوقية، وندوات مفتوحة إضافة إلى إحياء الدور الحيوي للنقابات والمؤسسات الاجتماعية والوطنية، لترميم النسيج الاجتماعي الذي تعرض لرضوض خطيرة، بحيث تكون تلك النشاطات -في حال نجاحها- حاضنة لولادة مؤسسات سياسية حقيقية، وقد حاولت المساهمة في ذلك كله، وربما كانت حماستي لذلك أكثر مما ينبغي، أو ربما كان رأي أجهزة أمن النظام أن هذا الحراك سيؤدي إلى نتائج خطيرة على بنية النظام، وبالتالي يجب وضع حد له قبل أن يتفاقم خطره، وهكذا ما كدت أفرغ من وضع النظام التأسيسي واللوائح التنظيمية لجمعية حقوق الإنسان في سورية وانتخاب مجلس إدارتها، حتى انتقلت لإدارة ندوة مسائية في “منتدى جمال الأتاسي”، كنت قد رتّبتها ليتحدث فيها الصديق برهان غليون، في الثامن من أيلول/ سبتمبر 2001، وكان بانتظارنا على الباب الأخ حسن إسماعيل عبد العظيم، يرافقه عضو مجلس إدارة المنتدى المكلف الاتصال بالدوائر الرسمية ليبلغاني رسالة مضمونها بالحرف الواحد: أنهما قادمان مباشرة من زيارة لرئيس جهاز الأمن السياسي الذي حمّلهما رسالة مباشرة إلى حبيب عيسى، تتضمن تحذيرًا وتهديدًا مباشرًا بأن اعتقالي بات قاب قوسين أو أدنى؛ فكان ردّي الوحيد: ليكن ما يريد، وتوجهت بدعوة الجميع لافتتاح الندوة، وقدمت غليون للحديث، وكانت المفاجأة الثانية، حيث قام عضو مجلس إدارة المنتدى المذكور فجأة بتدوير كتاب على أعضاء مجلس إدارة منتدى جمال الأتاسي، يدعوهم لاجتماع طارئ خلال 72 ساعة للبحث في التجاوزات التي يقوم بها الناطق الرسمي باسم منتدى جمال الأتاسي (الذي هو أنا)، حيث إنه يُدلي بتصريحات ويصدر بيانات دون الرجوع إلى مجلس الإدارة، ويطالب باتخاذ القرار المناسب، لقد كنت أول الموقعين على هذا الكتاب، وكنت قد اتخذت القرار بيني، وبين نفسي على الفور، أنني لن أحضر ذلك الاجتماع حتى لا أصطدم مع أحد، وسأكتفي بإرسال رسالة خطية أطلب فيها إعفائي من كوني ناطقًا رسميًا باسم المنتدى، وسأتقدم في الوقت ذاته بالاستقالة من عضويتي في مجلس إدارة المنتدى، لكن اعتقالي تم بعد 48 ساعة، وبالضبط بعد منتصف ليل 11 – 12 أيلول/ سبتمبر 2001، وتم إنقاذ الموقف، حيث تحققت العزلة الانفرادية في زنزانة منفردة، لما يقارب السنوات الخمس، فكانت استراحة لها ما لها، وعليها ما عليها.

ثم، في عام 2006، وبعد مغادرة الزنزانة المنفردة، لم أتراجع عن محاولة لم الشمل، ولم يكن بالإمكان مقاومة إغراء تشكيل “إعلان دمشق” فقد اعتبرته في ذلك الحين امتدادًا لـ “ربيع دمشق 2001″، حيث تداعت القوى والتشكيلات السياسية والشخصيات الوطنية، لتشكيل تحالف وطني جامع يطرح الأهداف والمبادئ ذاتها، في بناء دولة المواطنة والعدالة والمساواة والديمقراطية؛ فاشتركت في مجلسه الوطني التأسيسي، وانُتخبت في لجنته للمتابعة، وساهمت في لجنته الإعلامية، لكن ما إن بدأت الممارسة حتى دبت الخلافات بين أطرافه، وكان علي أن أنتقل، من بذل الجهد لتحقيق الأهداف، إلى فض النزاعات بين أركان الإعلان، وهي مهمة ثبت فيما بعد أنها شبه مستحيلة؛ ذلك أنه في مواجهة حدة المواقف والاتهامات تصبح المواقف الوسطية مرفوضة من الأطراف المتنازعة، حتى إن تلك الأطراف تبدأ بالتشكيك بأي موقف لا ينحاز لها تمامًا، وهكذا كان عليّ أن أغادر “إعلان دمشق” إلى عزلة، وزنزانة انفرادية صممتها بنفسي هذه المرة، واستمرت خمس سنوات أخرى حتى عام 2011، حتى لا أكون طرفًا في مهاترات لا أطيقها.

ثم، بدأت رياح “الربيع العربي” تهبّ عام 2011 من قرطاج، وكان لها إغراء جديد لا يُقاوم، شباب واعد حيوي شجاع تمرد على الخوف الموروث وانطلق ينشد التغيير، وفتح ثغرة في الجدار المسدود، لكنه لا يمتلك الرؤية الاستراتيجية، والخبرة السياسية، بينما الجيل القديم، الهرم، ما زال أسير فشله وهزائمه وخوفه، لكنه ما زال يمتلك القليل من الإرادة، والكثير من الخبرة الممزوجة بداء الشخصنة، وهكذا، ورغم ذلك، كان لا بد من السعي للتشبيك بين الجيلين بشكلٍ ما، فالذين يتربصوّن بالربيع العربي ينتشرون على مساحة هذا العالم، هكذا وجدت نفسي مرة أخرى في خضم محاولات مضنية مع شخصيات وطنية، للانتقال من الفردية والشللية إلى لم الشمل الوطني من جديد لمواجهة القادم من الأيام، وهو لا شك خطير جدًا، ومن دون الدخول في التفاصيل، وهي كثيرة وذات دلالة، كان موقفي واضحًا منذ اللحظة الأولى: أنني مع تشكيل كيان وطني لا يستثني أحدًا، وإلا؛ فلن أكون مع أي طرف ضد آخر، مهما كانت المبررات. ومرة أخرى فشلت كل المحاولات للمّ الشمل، وكان عليّ أن أعترف بالفشل مرة أخرى، بعد أن انفض الأصدقاء، بعضهم ذهب ليشكل “هيئة التنسيق”، وبعضهم الآخر توجه إلى الخارج لتشكيل “المجلس الوطني”، ثم بدأت التشكيلات تتوالد بينهما، فكان علي أن أعود إلى عزلتي مرة أخرى، لكن الأوضاع بدأت بالتفاقم؛ فتحولت تلك المحاولات المتناقضة من حل للمشكلة الوطنية إلى مشكلة إضافية، خاصة أن كل طرف من الأطراف المتصارعة بات يدعيّ أنه الممثل الشرعي للشعب السوري، وتفاقمت المأساة، عندما تم الانزلاق إلى فخ مغادرة الساحة الوطنية من قبل الكثيرين، ممن كان يعول عليهم معالجة المشكلات الوطنية ميدانيًا، على أمل أن الخارج يتيح لهم حرية الحركة، وتشكيل كيان تمثيلي بديل للشعب في سورية، لكن النتيجة كانت تشكيل كيانات وتجمعات ومجالس وتحالفات وائتلافات تعددت بعدد الأجندات الخارجية في الخارج، تتنافس على استدعاء خيرة الشباب الذين كانوا صمام الأمان للحراك الثوري إلى الخارج، وذلك للدلالة على أن هذا التشكيل، أو ذاك، أكثر تمثيلًا للداخل من سواه، ولم تكتف تلك التشكيلات الخارجية بذلك بل انتقلت للاتصال بمجموعة هنا أو هناك في الداخل، لتقول إن لها امتدادات داخلية، فأدى ذلك كله ليس إلى فشل تكوين كيان وطني تمثيلي حقيقي في الخارج وحسب، وإنما إلى تشتيت الجماعات الوطنية في الداخل، بل إلى نقل التناحر الخارجي إلى صراع مميت في الداخل.

وفي ظل هذا الصراع المحموم، وانفلات الصراع من دون ضوابط وطنية، إضافة إلى تدخل خارجي متعدد ومتناقض الأجندات، تفاقمت المشكلات الوطنية، وباتت الغالبية العظمى من الشعب في سورية خارج دائرة الفعل، القرار ليس لها، والإرادة مكبلة بألف قيد وقيد، والصراع يستهدف الأرواح والعمران والممتلكات ويستبيح الحرمات، وكائنات غرائزية تتنافس في التوحش الذي قل نظيره، وهكذا في ظل هذا الواقع الموضوعي النابذ للاجتماع الوطني فشلت محاولات إعادة ترشيد المسار، وهكذا عدنا لإنتاج الفشل من جديد، ففي خريف عام 2011 تداعينا إلى تأسيس “لجان المواطنة والسلم الأهلي”، لمواجهة العبث بالنسيج الوطني، لكن العنف المنفلت موضوعيًا وقصورنا الذاتي أفشلا المشروع، ثم تداعينا لمحاولة لمّ شمل الكيانات المعارضة من جديد، وشكلنا لذلك منبرًا وطنيًا، مهمته الاتصال بالجميع دون استثناء، لكن الفشل كان حليفنا مرة أخرى، وتحول المنبر إلى كيان جديد، ثم فرخ كيانات جديدة، ولم نمل من المحاولة، عدنا نعتصم بالداخل رغم المخاطر، فساهمنا بتأسيس “مركز المواطنة”، وحمّلناه مسؤوليات شاملة من ضمنها تشكيل حاضنة وطنية للجماعات السياسية، وباشرنا الاتصال بالجميع، علّ التجارب قد أنضجت شيئًا في النفوس، فتبين أن الأسوأ هو الذي نضج… ثم تداعينا لتأسيس “حركة النداء الوطني”، على أمل أن الفرقاء قد ملوا من الفرقة، لتكون على “بساط أحمدي”، يتداعى الجميع إليه ثم يقررون ما يريدون دون قيد، لكن تم التعامل مع ذلك “النداء” بمزيد من الريبة: من أنتم؟ وكيف تطالبوننا بإلغاء كياناتنا، والتخلي عن أسمائنا التي باتت ماركات مسجلة؟ ثم كيف نتخلى عن وثائقنا وأنظمتنا وتاريخنا…؟ وقد حاولنا الإجابة بالمناشدة: يا جماعة الخير، نحن نعترف بنضالكم ونقدره، لكن المسألة الوطنية تتطلب اليوم تلاقي كل الجهود، في كيان وطني يكون صورة عن الوطن والمواطنة، للتأسيس لنظام عام وطني يصون حقوق الجميع. وهذا لا ينتقص من تاريخ أحد ولا من نضالاته، وإنما يضيف إليه. لكن مرة أخرى اقتربنا من الفشل، فحركة النداء الوطني، وبموجب بيانها التأسيسي ليست كيانًا إضافيًا، وإنما حاضنة وطنية، وبالتالي فهي ليست معنية بالصراع مع أحد، أو التنافس مع أي كان، وإذا فشلت في تأدية دورها الوطني هذا؛ فستعلن ذلك دون مواربة، ولن تكون طرفًا في الصراع بالانضمام إلى طرف، أو التخندق ضد طرف آخر.

في لقاء مع المبعوث الدولي مختار الماني (مساعد الإبراهيمي) أخبرني بحسرة ممزوجة بالسخرية أنه “حتى الآن” أجرى مقابلات مع 176 تشكيلًا سياسيًا وعسكريًا في سورية، وأن كل تشكيل كان يبدأ اللقاء معه بالتعريف: أنه هو الممثل الشرعي لتطلعات الشعب في سورية، لقد كان ذلك اللقاء بيني وبينه، منذ ما يقارب أربع سنوات، ولكم أن تتصوروا أعداد تلك التشكيلات الآن.

إنني لا أتحدث عن ذلك من باب الاستنكار، وإنما من باب التوصيف، وحتى لا نبالغ في جلد الذات، فإن ما يجري على هذا الصعيد الآن في سورية هو من طبيعة الأشياء؛ ذلك أنه بعد عقود من إلغاء الحياة السياسية لا يمكن العودة لممارسة النشاط السياسي إلا عن طريق تشكيل مجموعات صغيرة في البداية، لكن من غير الطبيعي أن تبقى كذلك، فلا بد من تطورها، واندماجها، خاصة إذا كان الوطن يمر بمحنة مأسوية، كتلك التي تمر فيها سورية هذه الأيام، مما يستدعي تشكيل كيان وطني يؤسس لنظام عام لا يميز أحدًا، ولا يهمش أحدًا، ولا بأس أن يقام نصب تذكاري في المستقبل لجميع تلك المجموعات والتشكيلات التي اندمجت في لحظة تاريخية فارقة لإنقاذ الوطن، تُنقش عليه أسماؤها التي كانت.

إن هذا الحديث لا يهدف إلى الحديث عمّا حدث، ولا لماذا وصلت الأمور إلى المأزق الحالي، حيث يتندر الأصدقاء والأعداء في هذا العالم بتشتت القوى في سورية، فهذا حديث يطول، وسيأتي وقته. ما يعنينا الآن هو البحث عن مخارج من المأزق الذي وجدنا أنفسنا فيه، أو وضعنا أنفسنا بين مخالبه، دعونا نبحث عن آليات، ونذلل العقبات علنا نرتقي إلى الصفر، دعونا نتداعى إلى ساحة وطنية لا اسم لها، والصفر بالمناسبة إيجابي، وعندما نصل إليه نكون قد أنجزنا الكثير، فالصفر حلم بالنسبة إلينا هذه الأيام، دعونا نتداعى للتوقيع على عقد وطني لا يختلف عليه أحد، دعونا نقرر أنه ليس لأي جهة أيديولوجية، أو عصبوية داخلية أو خارجية، تحت أي شعار كان، أن تنفرد في صياغة النظام العام في سورية، ابتداء من الدستور، وانتهاء بالأنظمة والقوانين واللوائح التنظيمية في البلاد، وأن ذلك النظام العام يجب أن يصون الحقوق لجميع المواطنين لا هيمنة، ولا إقصاء، ولا تمييز.

دعونا نحلم أنه بإمكاننا أن نُنتج شيئًا آخر غير الفشل…!

مقالات ذات صلة

إغلاق