روسيا تريد دستورًا فوق الدستور

 

الدستور أيًا كان ذلك الدستور، وفي أي بلد كان، لا يمتلك قوة ذاتية لتطبيقه، إذ لا بدّ من سلطة حاكمة تقوم على تطبيقه وإنفاذه، وعدم السماح بتجاوزه أو سن قوانين تخالفه شكلًا ومضمونًا، وأن تراعي أن لا تقوم السلطات الإدارة أو التنفيذية بأي مخالفة لهذا الدستور.

مع انطلاق الثورة السورية، بدأ الحديث عن الدستور والإصلاحات الدستورية، وفي عام 2012 قامت سلطة الأمر الواقع في دمشق ببعض التعديلات على الدستور، وألغت المادة الثامنة منه والتي تنص على أن حزب البعث هو قائد للدولة والمجتمع، واستثنت الرئيس “القائم” من شروط الترشّح وسمحت له استثنائيًا بالترشّح كرئيس جديد، وألغت الدورتين السابقتين، وتاليًا، وحسب المادة 155 من دستوره المُعدّل، يحق للرئيس الحالي الترشّح لدورتين انتخابيتين مدة الدورة الواحدة سبع سنوات، أَي بقاء بشار الأسد حتى العام 2028.

في حقيقة الأمر، كانت خطوة السلطة محاولة بائسة لإعادة تدوير ذاتها، وإيهام المجتمع الدولي أن الأزمة في البلاد كانت أزمة دستور، تمّ حلّها بهذه التعديلات. والحقيقة أن الثورة كانت وما زالت على النظام ذاته، غير الأمين على تطبيق الدستور، والذي انتهكه منذ كتابته عام 1971. وفي الأصل، لو كانت السلطات منذ عام السبعين حتى 2011 تحترم الدستور؛ لما قامت الثورة حتى ببقاء المادة الثامنة في الدستور السابق، علمًا بأن القول إن الحزب قائد للدولة والمجتمع هو قول يسخر من عقول السوريين، حيث الجميع يعلم علم اليقين أن لا وجود للحزب بعد وصول حافظ الأسد وأجهزته الأمنية إلى السلطة، إذ بات الجهاز الحزبي عبارة عن قاعدة بيانات للجهات الأمنية المختلفة، ومُنفذًا لرغبات هذه الجهات، وبشكل أوضح كان الحزب هو الستارة، والقائد الحقيقي للدولة والمجتمع هو أجهزة الاستخبارات، حيث كانت تتدخل في الدولة، بدءًا من تعيين عامل النظافة وصولًا إلى تعيين رئيس الحكومة، مرورًا بتعيين وانتداب أعضاء مجلس الشعب، ولو أردنا حصر مخالفات السلطات السورية للدستور، على مدار أربعين عامًا؛ لاحتجنا إلى كتاب كامل لا مجرد مقال.

المعارضة، من جهتها، منذ بداية تشكيل هياكلها، ذهبت للحديث عن الدستور تارةً، وعن الإعلان الدستوري تارةً أخرى، وتحدثت رسميًا عنه في مؤتمر الرياض الأول، حيث حصل تجاذب حول كلمة “علمانية”، وكحل وسط؛ تم التوافق على كلمة “مدَنية” بدلًا من “علمانية”، في وصف سورية المستقبل، وكان هناك تباين بين تيار المحافظين ذوي التوجه الإسلامي وبين اليساريين ذوي التوجه العلماني. والحقيقة أن المعارضة السورية بكاملها كانت منقسمة على الدوام حول هذه المسألة، والجميع حاول أن يأخذ ضمانات فوق دستورية لشكل سورية المستقبل، والقول فوق دستورية يعني أن هذه المبادئ ستكون وثائق مستقلة عن الدستور، وغير قابلة للتعديل أو المناقشة مستقبلًا وغير قابلة للطرح للاستفتاء عليها.

وجدت روسيا، من جهتها، أن ضمانتها لن تدوم اعتمادًا على شخص الرئيس؛ لذلك سعت بدورها، وأدلت بدلوها من خلال محاولة تمرير مسودة دستورٍ يُطابق رغبتها ورؤيتها لسورية المستقبل، وبعد أن وجدت هذه النسخة الكثير من الرفض؛ سارعت إلى عقد مؤتمر سوتشي وتسمية شخصيات سورية لكتابة الدستور، ودعَت تركيا وإيران وبعضَ الدول الأخرى، كي يكسب هذا المشروع شرعية دولية أو شبه شرعية، وكذلك قامت بدعوة المبعوث الخاص ستيفان دي مستورا، علمًا أن مسألة الدستور مطروحة في جنيف، ولكنها في المرتبة الثانية، بعد تشكيل هيئة حكم انتقالي يكون من مهامها تشكيل لجنة لكتابة الدستور توافقيًا، بين من يُمثّل النظام ومن يُمثّل المعارضة في هيئة الحكم الانتقالية. وهذا الأمر لا يُناسب روسيا لأنها لن تستطيع حينئذ السيطرة ليخرج الدستور مطابقًا لرؤيتها ورغباتها، ولذلك سعت لتقديم خطوة الدستور على خطوة الحكم الانتقالي، وستبقى تعرقل أي حل ممكن، قبل أن تحصل على دستور يضمن مصالحها، وربما مصالح دول أخرى مثل “إسرائيل” التي يناسبها أن تتحول سورية إلى فدراليات على أن تبقى دولة موحدة، وإن ببعض الشيء من اللامركزية، وأن تضمن عدم قيام دولة بدستور إسلامي أو مستمد من الشريعة الإسلامية، وبهذه النقطة يتوافق الروس مع الكثير من دول المنطقة والإقليم، وكذلك مع فئات من اليسار السوري الذي يغض النظر اليوم عن الجرائم التي ترتكبها روسيا، طمعًا بأن تنجح روسيا بفرض دستور يناسبهم كيسار مُهمّش ومشرذم. أما السوريون الذين دفعوا دماء أبنائهم ثمنًا لحريتهم، فهم غير معنيين بكل هذا الصخب حول الدستور، وما يهمهم في الدستور القادم هو عدم وجود السلطة الحاكمة وأجهزتها الأمنية المجرمة التي ثاروا في وجهها، قبل سبع سنوات دامية.