العلوية السياسية المستبطنة برداء الدولة “القومية”

يمكن القول إن أهم ما ميز النظم السياسية في الشرق، أو لنقل العبوديات الشرقية، في العصور القديمة أو الحديثة، هو استبطان أنماط الإنتاج والطبقات الاجتماعية والعصبيات التي تقوم عليها الدولة، في أحشاء الدولة الاستبدادية المعممة التي عرفتها هذه المجتمعات على مر العصور، باستثناء فترات قصيرة من تاريخ هذه المجتمعات -حيث تعدّ فترة الخمسينيات مثلًا من القرن العشرين فترة استثنائية من تاريخ الدولة السورية- فمنذ العصور القديمة مرورًا بالعصور الوسطى وصولًا إلى العصور الحديثة، عرفت المجتمعات الشرقية الدولة، بوصفها دولة مالكة لوسائل الإنتاج المادية، سواء أكانت أدوات ووسائل الإنتاج هذه من العبيد والأراضي الزراعية، كما في العصور القديمة العبودية أو العصور الوسطى الإقطاعية وما تلاها، أم معامل ومصانع ومؤسسات وأجهزة وبنى تحتية من موانئ ومطارات وطرقات وسكك حديدية وسدود… إلخ، كما في العصور الحديثة. كما عرفت الدولة، عبر كل هذه العصور، بوصفها دولة محتلة ومحتكرة للمجالين السياسي والأيديولوجي في البنى الاجتماعية لهذه المجتمعات، وقد قاد هذا الاستبطان إلى مجموعة كبيرة من النتائج، انعكست على صيرورة ومسار تطور ووجود هذه المجتمعات، منذ أن عرفت هذه المجتمعات الدولة حتى يومنا هذا.

يمكننا أن نشير بشكل مكثف إلى ثلاث من هذه النتائج، يأتي على رأسها أولًا: أن استبطان أنماط الإنتاج في أحشاء الدولة قاد إلى أن يكون طرفا علاقات الإنتاج من عبيد الدولة وسادة الدولة أو إقطاع الدولة وفلاحي الدولة أو برجوازية الدولة وعمال وفلاحين وموظفين وعاملين لدى الدولة… إلخ، تستبطن في أحشاء الدولة، حيث هنا تقوم الدولة، كونها مالكة لوسائل الإنتاج، بممارسة كل أنواع القهر الاقتصادي والسياسي والأيديولوجي (ثلاثي القهر)، وثانيًا: تنشأ وتتوالد الطبقات الاجتماعية هنا في أحشاء الدولة، بوصفها طبقات دولة وبما يعني نشوء الطبقة -السلطة- الدولة بوصفها الطبقة العليا للدولة الاستبدادية التي يقابلها طبقة سفلى للدولة، بوصفها طبقة مسودة، أي هنا يتم اندماج كيان الطبقة المالكة للثروة مع كيان السلطة مع كيان الدولة (ثلاثي الكيانات المالكة للثروة والقوة)، وثالثًا: تنشأ هنا العصبيات التي ترتكز عليها الدولة –السلطة في أحشاء الدولة كذلك، وبما يعني اندماج كيان العصبية القومية أو الطائفية أو القبلية مع كيان السلطة الدولة (ثلاثي العصبية السياسية مع العصبية الطبقية مع العصبية القومية أو الطائفية أو القبلية). وبتعبير مُكثّف يختصر النتائج الثلاثة، يمكن القول: في شروط نوع كهذا من وجود الدولة المالكة لوسائل الإنتاج والقوة، فإن حركة الدولة حول محور نشاطها الاقتصادي والسياسي والأيديولوجي ينسج حوله الهرم الطبقي والاجتماعي الذي لا يُحدد الطبقات الظالمة والطبقات المظلومة فحسب، بل كذلك العصبيات الظالمة والعصبيات المظلومة، وحيث يكون توقف أو تباطؤ حركة نشاط هذه الدولة -نتيجة قلة الموارد المتدفقة إلى خزينتها، أو نتيجة وصول نهب الطبقة ومعها العصبية المالكة للسلطة والدولة لهذه الخزينة إلى مستويات غير مسبوقة، في الشراهة والاستغلال- هو الذي يقود إلى إنهاء تماسك الهرم الطبقي والاجتماعي، أو لنقل يقود هذا إلى انهيار هذا الهرم، أي يعني هذا بلغة المفكر ابن خلدون وصول الدولة إلى مرحلة التفكك والانحطاط، فمع هذا الانهيار للهرم الطبقي الاجتماعي؛ تلفظ الدولة كل ما في أحشائها من طبقات وعصبيات وأوساخ وقذارات سياسية وأخلاقية بشكلها العاري الذي لا يسترها ويخفيها ستر أو رداء، أي يخرج إلى العلن بشكل صريح ما كان مستبطنًا ومخفيًا في أحشاء الدولة الاستبدادية المعممة.

ما يهمنا من النتائج الثلاثة سابقة الذكر هو التركيز على النتيجة الثالثة، حيث هنا يمكن القول إن في هكذا شروط من وجود السلطة والدولة والعصبيات يتم مأسسة القومية أو الطائفة أو القبيلة في أحشاء الدولة وفي بطانتها، أي هنا يتم مثلًا تحويل الطائفة من كيان اجتماعي بذاته له خصوصيته الروحية الدينية إلى كيان اجتماعي لذاته له خصوصيته، إن كان من جهة وعيها لمصالحها أو من جهة وعيها السياسي لهذه المصالح، كون هذا التحول في الوعي هو شرط الانتقال من الطائفة إلى الطائفية، كما تحول الطائفة إلى كيان اجتماعي منظم في مؤسسات مستبطنة ومخفية في مؤسسات وأجهزة الدولة المختلفة العسكرية والمدنية، كون هذا التنظيم والمأسسة شرط للتحول إلى حالة الطائفية السياسية المعلنة أو المستورة والمخفية كما حالتنا في أحشاء وبطانة الدولة الاستبدادية المعممة.

على هذا الأساس يمكن القول إن اعتماد نظم الاستبداد المعمم في الواقع العربي، على العصبيات القومية أو الطائفية أو القبلية المستبطنة في أحشاء دولها الاستبدادية المعممة، قد قاد إلى ما هو أسوأ من ناحية النتائج والتداعيات من الظاهرة التي عرفها الواقع اللبناني والتي سميت بالمارونية السياسية، فإذا كانت المارونية السياسية في لبنان قد عنت تحويل الطائفة المارونية من كيان اجتماعي ديني طبيعي، إلى كيان سياسي صاحب امتيازات من الدرجة الأولى -قياسًا لبقية أفراد المجتمع اللبناني- ومستقل في هويته السياسية كما الدينية عن باقي المجتمع السياسي اللبناني؛ فإن ذلك الكيان السياسي الطائفي وبالرغم من تمايزه عن بقية المجتمع ورغم احتكار ممثليه السياسيين (تعبيراته السياسية) لحصة الأسد من الامتيازات التي حصلت عليها الطائفة المارونية في الدولة اللبنانية، بدءًا من رئاسة الجمهورية وصولًا إلى وظائف الدرجة الأولى في الدولة… إلخ، بالرغم من ذلك، فإن المارونية السياسية في لبنان لم تستطع أن تجعل الدولة اللبنانية كل الدولة اللبنانية وكأنها ملكية خاصة حصرية للطائفة المارونية، أي لم تستطع أن تحول كيان الدولة ليبدو وكأنه امتداد طبيعي للطائفة المارونية حتى في ذروة قوة وسطوة المارونية السياسية وذروة قوة الصيغة اللبنانية الطائفية، أي حتى قبل قصقصة أجنحتها بعد تعديل هذه الصيغة، بعد حربين أهليتين (1958 – 1975) أي لم تستطع أن تجعل سلطات الدولة وأجهزتها المختلفة كرئاسة الحكومة ورئاسة مجلس النواب، وكأنها أدوات تعمل لصالح هذه المارونية السياسية، فعلى الرغم من كل المكتسبات التي حصلت عليها الطائفة المارونية، وفق الصيغة الطائفية اللبنانية التي أسست لدولة لبنان بعد الاستقلال، فإن المارونية السياسية التي نشأت على أساس هذه الصيغة، وبالرغم من احتكارها واختطافها للشارع المسيحي لفترة طويلة من الزمن، فإن هذا لم يقد إلى احتلالها واحتكارها لكل سلطات الدولة وأجهزتها؛ إذ بقي هامش كبير من الاستقلال للكثير من سلطات الدولة خارج نفوذ وسيطرة المارونية السياسية، فقد بقي هامش من الاستقلال بين كيان السلطات وكيان الدولة، كما بقي هامش من الاستقلال بين سلطات الدولة المختلفة التنفيذية والتشريعية، ونقصد هنا المواقع المهمة الثلاثة: رئاسة الجمهورية والحكومة ومجلس النواب، كما أن المجال السياسي والإعلامي في المجتمع ظل حرًا طليقًا، لم تستطع المارونية السياسية أن تحتكره وتحتله بشكل كامل، أو لنقل لم يكن بإمكانها أن تفعل ذلك أساسًا حتى لو سعت لذلك، وذلك يعود أساسًا للتوازنات التي تقوم على المحاصصة الطائفية التي تقوم عليها ما سمي بالصيغة الطائفية اللبنانية.

أما في حالة نظم الاستبداد المعمم التي عرفها الواقع العربي، والقائمة على العصبية الطائفية أو القبلية، وبما يعني اختطاف كيان اجتماعي مذهبي أو قبلي وتحويله إلى قاعدة اجتماعية سياسية (وعسكرية عند الضرورة)، ترتكز عليها السلطة والدولة الاستبدادية المعممة، تضاف إلى قاعدتها الطبقية السياسية العادية، في هذه الحالة فقد عملت هذه النظم على دمج كيان الدولة بكيان السلطة السياسية في مرحلة أولى، ثم دمج كيان العصبية الطائفية أو القبلية بكيان الدولة والسلطة، وبذلك تحولت أجهزة الدولة ومؤسساتها المختلفة إلى ملكية خاصة حصرية بيد السلطة ورأس السلطة السياسية (رأس النظام)، كما تحولت الدولة إلى ملكية حصرية لأهل الدولة من العصبية التي ارتكزت عليها السلطة، وهو ما تم التعبير عنه باللغة العامية السورية بمقولة “نحنا الدولة ولاك”، كما ربطت هذه النظم، وفي مقدمتها النظام السوري ذلك مع مشروع تكوين سلالة عائلية حاكمة إلى الأبد، فقامت لتحقيق ذلك بإعادة إنتاج الوجود الاجتماعي والاقتصادي والطبقي والسياسي والثقافي والأيديولوجي، بما يخدم مشروعها، فقامت على مدى عقود وعقود من وجودها في السلطة بنسج شبكة واسعة من العلاقات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والثقافية والأيديولوجية مع العصبية الطائفية التي استندت إليها؛ فأنتجت بذلك عصبيتها الطائفية اللازمة، كما قامت بنسج شبكة مماثلة من العلاقات الاقتصادية والسياسية والأيديولوجية والثقافية مع الطبقة البرجوازية السائدة داخل المجتمع والمتمثلة بكبار رجال المال والدين من كل الطوائف، ولا سيما في المدن الكبرى كدمشق وحلب في الحالة السورية، فأنتجت عصبيتها الطبقية اللازمة، وقد تشكل نتيجة ذلك في قمة الهرم الطبقي الاجتماعي طبقة، يمكن أن نسميها بالطبقة العليا للدولة الاستبدادية المعممة البرجوازية، وهذه الطبقة مؤلفة من فئتين رئيسيتين:

الأولى التي تشكل نواة الطبقة العليا للدولة ونواة النظام السياسي، وهؤلاء شكلوا ما يمكن تسميتهم أصحاب الدولة الفعليين، وهم في غالبيتهم ينتمون إلى العصبية التي يقوم عليها النظام، وهم خليط من رجال السلطة وممن اغتنوا من رجال السلطة السابقين وأصبحوا رجال أعمال ومال، يضاف إليهم كبار القادة العسكريين والأمنيين، وأهم ما يميز هذه الفئة الأوليغارشية الطائفية والعائلية هي أنها تتحلق حول النظام وتحكم بإشراف النظام وإرادته، كما تعمل على إنتاج وإعادة إنتاج النظام في كل لحظة من وجوده وتطوره، بما يعني أنها الفئة والدائرة التي تسهر على حراسة النظام وتعمل ما يلزم لبقائه واستمراره.

أما الثانية المكونة للطبقة العليا للدولة، فهم ما يمكن تسميتهم بأصحاب الدولة الملحقين، وهم في غالبيتهم ينتمون إلى باقي العصبيات القائمة داخل المجتمع، وهؤلاء شكلوا الواجهات السياسية والاجتماعية والطبقية والدينية والعسكرية والأمنية التي يُجمّل بهم النظام واجهته السياسية أو تجمّل بهم الدولة الاستبدادية وجهها القائم على العصبية الطائفية.

إن الفئتين المشكلتين للطبقة العليا للدولة الاستبدادية البرجوازية السورية اخترقت بروابطها الاجتماعية والطبقية والسياسية الهرم الطبقي الاجتماعي، من القمة إلى القاعدة، حيث الفئة الأولى تستند إلى قاعدة اجتماعية سياسية هي العصبية الطائفية العلوية التي ترتكز عليها السلطة والدولة، وهؤلاء شكلوا أصحاب وأهل الدولة والسلطة، وقد استطاعت هذه الفئة أن تجعل من قاعدتها الطائفية العلوية كيانَ ملحق احتياطي مرتبط ومندمج إلى حد كبير بكيان الدولة (نقصد أجهزتها ومؤسساتها المختلفة الاقتصادية والسياسية والعسكرية والأمنية.. إلخ)، فهنا أصبحت الدولة تحت تصرف هذا الكيان الطائفي الاحتياطي، كما أصبح هذا الكيان الاحتياطي الطائفي تحت تصرف الدولة وأجهزتها، ولا سيما السياسية والعسكرية والأمنية، وبهذا تم إنتاج أشكال جديدة من الطائفية السياسية في أغلب المجتمعات العربية، ولكن بثوب ورداء الدولة “القومية”، إنتاج نوع جديد من الطائفية السياسية غير المعترف فيها لا في الدساتير ولا في الأعراف السياسية، أي طائفية سياسية موجودة ومفروضة بقوة الأمر الواقع الذي تفرضه الدولة الاستبدادية، إنها طائفية سياسية مخفية ومستترة ومستبطنة في أحشاء السلطة والدولة التي ترتدي لبوس الدولة القومية، وهذا النوع من الطائفية السياسية هو أشد خطرًا وفتكًا من الطائفية السياسية التي عرفها المجتمع اللبناني والتي سميت بالمارونية السياسية.

لقد ولّدت نظم الاستبداد المعمم في الواقع العربي أشكالًا عديدة من الطائفية السياسية، فكانت العلوية السياسية في الواقع السوري زمن حكم الأسد الأب والابن، وكانت السنية السياسية في الواقع العراقي (في ظل حكم البعث الصدامي)، وكانت القبلية السياسية في ليبيا (استناد القذافي إلى قبيلة الورفله) والقبلية السياسية في اليمن (استناد نظام صالح إلى قبيلة حاشد وبكيل).

إن ما ميز هذه الطائفيات والقبليات السياسية عن شقيقتها المارونية السياسية اللبنانية هو أن الثانية كانت قد نمت ونشأت على أساس عقد محاصصة طائفية معترف فيها بالعرف السياسي اللبناني، في حين أن الطائفية والقبلية السياسية التي تمت في ظل نظم الاستبداد المعمم قامت ونشأت، بعقد إذعان مخفي ومستبطن في رداء الدولة “القومية”.

إن ما ميز العلوية السياسية في الحالة السورية عن شقيقتها المارونية اللبنانية، وعن شقيقاتها العربيات بشكل عام، لم يكن وعي الطائفة العلوية لضرورة العصيان بالسلطة والدولة فحسب بل مركزيتها، أو لنقل مركزية تحقيق هذه الضرورة أي تمحورها حول رأس النظام الأب ثم الابن، لا بوصفه قائدًا سياسيًا تتحقق من خلاله عملية العصيان بالسلطة، بل باختلاط واندماج ذلك مع المعتقد الديني العلوي الذي رأى في رأس النظام قائدًا يصل في درجته إلى مرتبة الألوهية، فإذا كان المعتقد الديني العلوي يعتبر علي بن أبي طالب التجلي الأرضي الواقعي لإله السماء، حسب فلسفتهم الدينية الأفلاطونية أو المعتمدة على الفلسفة الأفلاطونية؛ فإنهم اعتبروا أن حافظ الأسد هو التجلي الثاني للإله ثم ابنه بشار التجلي الثالث وربما الحبل على الجرار… إلخ، أي هنا العلوية السياسية لم تنشأ عن حالة استبطان العصبية في أحشاء الدولة، كما لم ينشأ التأليه بوصفه تأليهًا سياسيًا، كما هي العادة في ظل نظم الاستبداد التي يتم فيها تأليه القائد الزعيم فحسب، بل ترافق واندمج ذلك مع باطنية سياسية دينية نمت في أحشاء الدولة، هي من نوع الباطنية الدينية العلوية المعروفة تاريخيًا، أي أن العلوية السياسية نشأت في أحشاء الدولة نتيجة اندماج الاستبطان الذي تحدثت عنه في المقدمة، والذي يميز كل النظم السياسية والاجتماعية الشرقية مع الباطنية الدينية السياسية المعروفة التي تميزت بها الطائفة العلوية كغيرها من الطوائف الباطنية دينيًا، أي أن العلوية السياسية كانت مختبئة تحت طبقة من الاستبطان في أحشاء الدولة وطبقة من الباطنية الدينية، وهو الأمر الذي يجعل البعض يصعب عليه رؤيتها أو تصديقها.

إن أخطر ما اتصفت به العلوية السياسية في الحالة السورية هو تشابهها مع المارونية السياسية اللبنانية، حيث نجد تحول العلوية السياسية إلى علوية سياسية إنكشارية، فكما تحولت المارونية السياسية إلى حالتها الإنكشارية، حين طلبت النجدة والمساعدة للعصيان بالسلطة والمكتسبات وبمشروعها السياسي من الخارج الإسرائيلي، حين اقتضت الضرورة، ولا سيما عندما طلبت التدخل والغزو الإسرائيلي عام 1982 للبنان، نجد كذلك أن العلوية السياسية قد تحولت، في وقت مبكر من نشوئها، إلى علوية سياسية إنكشارية تجلت بطلب النجدة والمساعدة من كل عابر طريق وطامح وطامع إقليمي (إيران) أو دولي (روسيا)، إلى الحد الذي تحولت به العلوية السياسية إلى مطيّة، لتحقيق مصالح القوى الاستعمارية الإقليمية والدولية، وما ميز العلوية السياسية، من غيرها التي أقامتها نظم الاستبداد المعمم في الواقع العربي، هو كونها أتت في إطار عقد إذعان شامل طبقي سياسي اجتماعي، فُرض على المجتمع برمته، أي بكل طبقاته الاجتماعية وقواه السياسية والاجتماعية ومكوناته الدينية والثقافية والقومية، وهو الأمر الذي أنتج مجموعة من التناقضات والمظلوميات داخل المجتمع، منها المظلومية العامة التاريخية، ومنها المظلوميات الخاصة، والتي منها مظلوميات تاريخية ومنها مظلوميات لا تاريخية. ونتيجة تراكب هذه المظلوميات والتناقضات بعضها فوق بعض، وتداخلها بعضها ببعض، جعل الخطر كل الخطر على المجتمع السوري يتمثل في سيطرة المظلوميات اللاتاريخية، لحظة تفجر الصراع مع هذا النظام، أي أصبح الخطر كل الخطر في الشروط الدولية والإقليمية، والتي أهم ما يميزها خلوها من وجود صديق (إقليمي أو دولي) حقيقي للشعب السوري، مع تراكب ذلك مع سمات خاصة ونوعية لطبيعة النظام المستبد الذي أهم ما يميزه عداؤه للشعب، واستعداده لارتكاب أفظع الجرائم بحقه، وهو الأمر الذي جعل خطر أن يعمل على إحداث انزياح في حقل الصراع، بين هذا النظام والمجتمع السوري منذ الأيام الأولى للثورة، بحيث يتم إحلال المظلوميات اللاتاريخية الطائفية (من خلال النفخ بها) مكان المظلوميات العامة بين المجتمع كل المجتمع، وهو الخطر الذي يهدد بانقسام المجتمع على أساس الهوية، أو لنقل الأمر الذي يقود إلى موت وتفتت الهوية الوطنية العامة للمجتمع، وتقدم وانتعاش ويقظة الهويات القاتلة الطائفية والقبلية مكان الهوية الوطنية الأساسية للمجتمع، وهو ما يشكل الأساس والأرضية لتشظي المجتمع إلى كيانات سياسية طائفية، تكون مقدمة إلى تحويلها إلى دويلات تقوم على أساس الهوية الدينية أو القبلية أو الجهوية.

إن عدم إدراك حقيقة أن المجتمع السوري لم يعانِ من المظلومية الطائفية وحدها، وإنما عاش وعانى من مجموعة من المظلوميات الأوسع والأعم، هو ما يسهل الطريق أمام مشاريع تقسيم المجتمع السوري وشرذمة كيانه التاريخي الوطني، كما أن عدم التركيز (ولا سيما من قبل معارضي النظام) على المظلوميات العامة والخاصة التاريخية التي يعيشها المجتمع، إن كان في الخطاب السياسي أو في الأشكال التنظيمية والأدوات التي تعمل على إسقاط هذا النظام هو ما يسهل ويفتح الطريق أمام تشظي الهوية الوطنية السورية، وحرمان الشعب من فرصة النصر والتحرر من الاستبداد، والانتقال إلى الدولة الديمقراطية ودولة المواطنة الديمقراطية وذات الهوية الوطنية. فالرد على العصبية الطائفية بعصبية طائفية مقابلة يعني، في شروط وجود أقطاب إقليمية طائفية، انقسام المجتمع إلى جيشين إنكشاريين يتحاربان لحساب مصالح الدول الإقليمية والدولية الطامعة والطامحة لتحقيق مصالحها في سورية والمنطقة العربية، وعلى حساب جثة ومستقبل الشعب السوري، وجثة ومستقبل شعوب المنطقة كلها.

1 عدد الردود

التعليقات مغلقة