سيف التخوين وصكوك الوطنية البائسة

 

محن كثيرة وامتحانات أكثر يعيشها السوريون داخل مِرجل الحرب، لا تقل آثارها عن الحرب نفسها، بحيث لا يمكن إغفالها أو غض الطرف عن وجودها؛ فهي لم تعد مسألة تفصيلية في الانقسامات والصراعات السورية، وكيفية التعاطي مع تأثيراتها، ولن تكون كذلك في المرحلة القادمة. والحديث هنا ليس عن ظاهرة التسلّح والأسلمة وغيرها، مما أخذ مساحات واسعة من النقاش والجدل والإدانات، بل عن “المكارثية السياسية” التي تعبّر عن الإرهاب الثقافي الموجّه ضد المثقفين -وتنسب إلى عضو مجلس الشيوخ الأميركي: جوزيف مكارثي، الذي اتهم عددًا من موظفي وزارة الخارجية الأميركية بالشيوعية والعمل لمصلحة الاتحاد السوفيتي السابق- والتي شكّلت موجة عاتية في التدمير لبنية الفرد السوري وإقصائه عمدًا عن الفاعلية، وحجب دوره عبر رمي التهم جزافًا في “مكارثية” جمعية، طالت معظم الأطراف فئات وجماعات وأفراد، يرفعون سيفَ التخوين أو يُرفع ضدهم.

فتحت الثورة السورية باب السجال والنقاشات، حول الكثير من مقولات الديمقراطية والدولة المدنية والمواطنة، وأسطورة الدولة الدينية ومسألة العلاقة بين الدين والسياسة، وغيرها من المواضيع التي كان يستحيل الخوض فيها في ظل الاحتكار السلطوي، لكن هذه الديناميكية الشعبية في طرح الأفكار المختلفة لم تأخذ موقعها المناسب في التأسيس لوعي سياسي مجتمعي، بل سحبت الغطاء عن آفات مدّت جذورها في البنية الهشّة للمجتمع السوري، الذي تم تأسيسه منذ عقود على سياسة الخنوع والانكسار التي دفعت للخوض في مستنقعات آسنة اختلطت فيها الوطنية بالسياسة، وظهرَت الانقسامات حول تأييد للثورة أو معارضتها، ثم تأييد النظام أو معاداته، واستدعت سيلًا من التصنيفات، وأسست لمساحات كبيرة من التخوين والتخوين المضاد، بين السوريين المحرومين من أدنى الحقوق والواقعين تحت نير “مكارثية” أعلى وأعتى، تعدّ الكل خائنًا حتى يثبت العكس، إنها مكارثية النظام الاستبدادي وتهمه المعلّبة التي خبرها السوريون جيدًا -إضعاف الروح الوطنية ونشر أخبار كاذبة، وهن نفسية الأمة وإضعاف الشعور القومي، إيقاظ النعرات العنصرية والمذهبية- قبل أن يعرفوا تصنيفها، والتي أضيفت إليها تهمة الإرهاب التي تعتمد تسفيه وتخوين وشيطنة جميع القوى المعارضة والتوجهات السياسية وكل من طالب بالتغيير، وامتدت تأثيراتها لتشمل التشكيك في المجتمع برمته.

الأحداث المتتالية، من معارك واشتباكات عاشها المجتمع السوري في ظل حالة من الإحباط والتيه وخلخلة البنى الفكرية والمفاهيم، دفعَت لتتحول الوطنية إلى وجهة نظر، وجعلت ظاهرةَ التخوين لا تقتصر على رأي وتقديرات قوى حاكمة ومؤيديها ضدّ معارضيهم أو العكس، أو على حملات التخوين بين الجماعات المسلحة وأمراء الحرب، بل امتدت وسط نخب سياسية وثقافية متباينة، متحوّلة إلى سمة فكرية مجتمعية بالغة الخطورة، فإن أي اختلاف بالرأي، حول لعبة كرة قدم أو نوع القذيفة وانتماء الضحية، يستوجب التخوين والقتل المعنوي والذي يمثّل استمرارًا لمفاعيل سياسة العقل الأمني الذي يجعل الجميع ملتبس بالجناية.

وقد يكون ما حدث مؤخرًا  مع عملية (غصن الزيتون) في عفرين، وانقسام الآراء بين مؤيد ومعارض لها، وما واكبها من حملات تخوين شاملة اتخذت شكلًا أكثر فجاجة بين المعارضين أنفسهم، أو ما استجرّه مؤتمر سوتشي من اكتساح بائس للتخوين على صفحات التواصل الاجتماعي، يستوجب الكثير من التدقيق، فبدل توجّه النخب المثقفة إلى نقاش مُخرجات هذا المؤتمر وغاياته وتداعياته المستقبلية على العملية السياسية في سورية، تفجّرت الصفحات الافتراضية بسيل من التخوين والإهانات، في فعل عبثي يرسّخ المأساة وحالة الغرق في العقم الفكري والثقافي الذي وصل إلى حدوده القصوى من الانغلاق وانسداد الأفق، رغم إدراك هذه النخبة أن فورة التخوين والتكفير ضيّعت الصوت السوري الوطني الذي أطلق الثورة أملًا بحياة أفضل دون أن يصل مراده بعد.

سياسة التخوين ذات تأثيرات متشعبة ولا تستثني أحدًا، ولا تجد من يتصدى لها بفاعلية، ويوقف سطوتها حتى بين الأصوات التي حملت شعارات الديمقراطية وحرية التعبير، وأساسها احترام حق الرأي المخالف، والتي يُنتظر منها أن تكون أكثر انفتاحًا في رؤيتها للمشكلات المجتمعية والسياسية، وألا تعتمد الاغتيال المعنوي للخصوم السياسيين، أو تتعمد إبعاد أحد عن مسرح السياسة، مهما كان مختلفًا في الرؤية، خصوصًا أن السوريين، رغمًا عنهم، سقطوا في حرب تزعّمها الاستبداد والفساد والإرهاب والاحتلال، وانتشرت فيها إمارات التخلّف باسم الدين والطوائف والقبائل التي جعلت حرب السوريين متعددة الاتجاهات ومتشعبة التوجّهات.

التغيير الحقيقي ليس فقط تغيير الرؤساء والأحزاب وهيكلة الكيانات الفرعونية التي تحكمنا دون أي مساهمة منها بتوعية المجتمع ليتغير نحو الأفضل، بل كيف نغيّر ما تم تأسيسنا عليه من آفات الإقصاء، ونساهم في تغيير هذا المجتمع المثقل بالكراهية والعداوات. لا أحد ينكر وجود الصدام بين الأصوات التي تحمل راية التغيير وبين القوى المدافعة عن هيمنة السلطة السياسية أو الدينية، كما لا يمكن لأحد أن يُبرر شناعات العنف واستخدامها من قبل كافة الأطراف، أو يبرر سبب الرضوخ للجلادين على كثرتهم دون أن يُدان، لكن من المهم الارتقاء بمستوى الحوار والنقد، وألا تنجرف النخبة نحو تلك المكارثية العقيمة التي تستسهل تخوين الآخر أيًا كان وتسحب منه صكوك الوطنية.

1 عدد الردود

التعليقات مغلقة