يريدونها حربًا أهلية

 

منذ مطلع الشهر الجاري حتى اليوم، ما زالت آلة الحقد تعمل، حقد يسعى أصحابه لتحويل القضية السورية والثورة إلى حرب أهلية، لم ينجح النظام في افتعالها، رغم آلاف المحاولات خلال سبع سنوات.

انفجر أكراد سورية غضبًا من كل السوريين؛ بسبب جريمة بشعة ارتُكبت بحق مقاتلة تتبع لميليشيات كردية، وأفرغ الكثيرون كل ما في جعبتهم من كلمات دونية وسوقية، ضد كل من يحمل هوية سورية وطنية، وضد كل عربي، وضد كل من أيّد الثورة أو شارك فيها أو ساندها. وللأسف تحوّل مئات الآلاف إلى شتّامين، محرّضين على القتل والقصاص والانتقام، دون أن يُقدّموا أدلتهم على وقوع الجريمة البشعة، وفق السياق الذي ادّعوه، ودون تمييز بين غلام مجرم يحمل بندقية مأجورة، وبين معارض مُخضرم مؤيد تاريخي للحق الكردي، وأخذوا “الولي بالمولى، والمقيم بالظاعن، والمقبل بالمدبر، والمطيع بالعاصي، والصحيح بالسقيم”.

تحدثوا بقهر وغلّ عن مظلوميات تاريخية متوارثة، وعن ضرورات الانفصال وحتميته، وعن وجوب تدمير الآخر السوري العربي المختلف، وضرورة تأديبه، لأنه يتحالف مع من لا يتحالفون معه، ولأنه لا يترك قضيته السورية الشاملة ويساند قضية جزئية يحلم بها حزب كردي عابر للحدود، ولأنه يُصرّ على النظر إلى القضية الكردية على أنها جزء من القضية السورية، ولأنه لا يهتم لشعلة “كاوا الحداد”، ولا تعنيه إن انطفأت أم لا، بقدر ما تعنيه نهاية الحرب، وزوال النظام الذي دمّر حاضر ومستقبل العربي والكردي، على حد سواء.

لو كانت رُخص القتل تُباع لاشتروها، ولو كانت الإبادة الجماعية زرًا لضغطوه، ولو كانت القنبلة النووية متاحة لاستخدموها، حملوا رخص قتل افتراضية ومضوا في غلّهم، صاروا مرتزقة افتراضيين، من دون أن يدروا، حتى إن بعض النخب انخرطت معهم، وتجاهلوا جرائم أفظع وأشنع، ارتكبها الطرف الذي يدافعون عنه.

عفن البعض وكراهيتهم للآخر، المتشابه بالبؤس والهموم، قوبل بعفن وكراهية وتحريض من بعض الطرف الآخر، فالعين بالعين، وفق مبدأ كثيرين لا يُدركون أن هذا المبدأ لا يصلح إلا في زمن القبائل والعشائر والمِلل، ولا يصلح إلا في أشباه الدول، وما قبل الدول، حقد ولّده خلال خمسة عقود نظامٌ شمولي مخابراتي بلا أخلاق، لا يحترم القانون والدستور، سعى للتمييز بين البشر، على أسس طائفية ومذهبية وعرقية وشللية، ومزّق الروابط المجتمعية وروابط المواطنة التي يحتاج إليها أي مجتمع صحّي سليم.

نسي هؤلاء جميعًا أنهم ضحايا، مخطئون حتى الإثم، بسطاء حتى السذاجة، ضائعون حتى التيه، ضالون حتى العماء، منقادون لغرائز، كما نسوا أنهم جميعًا ضحايا لنظام فاشي جلاد، وضحايا أحزاب شوفينية انفصالية أجنبية، وضحايا فصائل شاذة مرتزقة، وضحايا تيه سوري لا تُعرف نهايته.

نسي كل هؤلاء، من الطرفين، أنْ ليس مطلوبًا منهم، بل عار عليهم، أن يكونوا جدران حماية لميليشيات أجنبية مشبوهة، أو فصائل مسلحة سورية غير منضبطة، وليس شرفًا لهم أن يكونوا محامي دفاعٍ عن الشيطان، ولا وقودًا في آلة عسكرية تخدم زعماء الحرب فقط، ونسوا أن قضيتهم الأولى ليست حزبًا كرديًا أو فصيلًا عسكريًا سوريًا، وليست مهمتهم الدفاع عن مقاتل انتحاري من هنا، أو مقاتل بلا أخلاق من هناك، وأرادوا تحويل جروحهم التي أثخنهم بها النظام السوري إلى حرب أهلية تعصف بالجميع، وتبيد الجميع.

كان من الأشرف لهم جميعًا، بدلًا من أن يدعوا إلى حرب أهلية، أن يُشددوا على ضرورة إنهاء الحرب، وتغيير نظام البراميل والأفران البشرية، ويسعوا لبناء دولة المواطنة، بلد الحرية والعدالة والقانون، بلد القضاء النزيه، والمحاكم الحقّة، ليُحاكم كل صاحب إثم، ويعود الحق إلى أهله، وينتهي الاحتقان والقهر، ويعيش الجميع في ظل بلد حر كريم، يحكمه القانون وحده لا الغرائز.