مقالات الرأي

العواطف القومية والطائفية تجتاح السوريين

 

سألَت السيدة السورية الصغيرة، وهي تستعرض المأساة السورية أمام حشد من الأميركيين ضمتهم صالة ضخمة اتسعت لأكثر من ألف شخص: “من كان منكم أميركيًا أصيلًا؛ فليرفع يده”، فكان الجواب قهقهةً ضجت بها الصالة؛ إذ لا أحد منهم يملك دليلًا على ذلك، وإنْ كان أجداده من الهنود الحمر. مثل هذا السؤال وتلك الاستجابة يحدثان في أي مجتمع متمدن، لسبب رئيس هو أن أصل الإنسان لا يحدد قيمته، ولأسباب أخرى تتعلق بالحفاظ على نسيج المجتمع وسلامته وقوته، ولسبب آخر بالغ الأهمية هو أنَّ علم البصمة الوراثية قد يُرجع أصل أي شخص إلى بلادٍ أو مجتمعاتٍ لم يسمع عنها من قبل، ولقد أتاح العلم اليوم -من خلال البصمة الوراثية- لأي شخصٍ أن يعرف هويته بل هوياته الأصلية.

يقول د. بدر خالد الخليفة (كويتي)، وهو أول باحث عربي في البصمة: “استفدنا من البصمة الوراثية في اكتشاف هويات لأسرى بعد مرور 13 عامًا، استطعنا أن نستخرجها ونتأكد من تطابقها أو عدم تطابقها مع هويات ذويهم. وكم كان مدهشًا أن يكتشف شاب ألماني، كان يعتقد أن الأفارقة شعب متخلف، أنه من أصول أفريقية ثم أسكندنافية وأخيرًا ألمانية، من خلال بصمته الوراثية. ويبدو الحديث في القرن الواحد والعشرين عن الأصول التاريخية لشعبٍ ما، ضربًا من التطرف إلى الجهل ونبذ العلم.

أججت الحرب المستعرة في سورية، منذ قيام الثورة في آذار/ مارس 2011، على استبداد عائلة الأسد، عواطفَ السوريين البسطاء تجاه أصولهم الدينية والطائفية والقبلية والقومية، ولجأ بعضهم إلى كتب التاريخ لتزودهم ببطولاتِ من يعتقدون أنهم أجدادهم، والبعض الآخر كي يُحاججوا الآخرين بأنهم أصحاب الأرض منذ آلاف السنين، كما هو الحال عند الأكراد والعرب، ذلك بينما تقصف طائرات النظام وروسيا مناطق المتخاصمين ليل نهار، وتجتاحها جحافل الميليشيات الطائفية القادمة من وراء الحدود. لقد تجاوزت المجتمعات المتحضرة مثل تلك المفاهيم عن الدولة القومية، أو الدولة الدينية، وأسست لمفهوم دولة مجتمع العدالة التي تساوي بين الناس، على اختلاف عقائدهم الدينية وأصولهم العرقية، وتهدف إلى تطوره ونموه ورخائه. إن الذين يعتقدون أن جدهم معاوية بن أبي سفيان، أو صلاح الدين الأيوبي، أو هارون الرشيد، واقعون في وهم لا يقره العلم، إذ إن هناك كرديًا من أم عربية، وآخر عربيًا من أم كردية، وقد تفصح بصمته الوراثية على أنه من أصل أسترالي أو ألماني أو أفريقي، مثلًا.

مستقبل المجتمع لا ينهض به تاريخ العرق والدين، بل تنهض به دولة العدالة التي هتف لها أطفال درعا ومثقفو دمشق، ورددتها جماهير سورية من أقصى جهاتها الأربع إلى أقصاها، وهي: “واحد. واحد. واحد. الشعب السوري واحد، الشعب يريد إسقاط النظام، حرية حرية”. تلك الهتافات هي نفسها أهداف الثورة، وبالتأكيد ليس بينها محاصصة قومية أو دينية أو طائفية أو قبلية أو مناطقية.

إن خلق كيانات مستقلة، على أساس قومي أو طائفي، لا يعني سوى إقامة حدود تبدد قوة المجتمع، وتجهض إمكانية تطور المجتمعات المنفصلة، وتجعل ارتهان كل منها إلى دولة خارجية قوية ضرورةً ملحةً لتحافظ على كيانها الضعيف؛ ما يعني تبخر حلم الدولة القوية المزدهرة، لحساب دويلة هزيلة محكومة بالعزلة والخوف من جيرانها.

لقد أصبحت الحدود بين دول الاتحاد الأوروبي مقصدًا سياحيًا، يرتاده الناس ليتذكروا حقبة تاريخية جلبت لهم الحروب والخراب، وقد بات مفهوم مجتمع الدولة المزدهرة هو البديل المعاصر عن مفهوم الدولة القومية أو الدولة الدينية.

في أي اجتماع يضم الأميركيين أو الكنديين أو الأستراليين، سوف تجد أن تلك الدول المزدهرة التي تغذي العالم بالمعرفة والعلوم وتطبيقاتها الصناعية والزراعية هي دول المجتمعات المتحدة تحت سقف العدالة التي تشمل الجميع، والتي لا تعتمد الأصول القومية، ولا العقائد الدينية في نهضتها.

فرق كبير بين حق المكونات الاجتماعية في دولة العدالة الواحدة بممارسة عاداتها وطقوسها واستخدام لغتها وإنتاج إعلامها الخاص ونشر ثقافتها وتراثها، بما يُعزز من أسباب نهضة الدولة، وبين الانفصال عن الدولة لإنشاء كيان مستقل ضعيف. وإذا سلمنا بأن بعض الدول تسعى من أجل مصالحها السياسية والاقتصادية لتجزئة سورية إلى كيانات مصطنعة هزيلة؛ فإننا لا نستطيع التسليم بأن المجتمع السوري بكل أطيافه غير قادر على إفشال ذلك المسعى.

إن وعي السوريين لما يسعى إليه نظام الأسد وداعموه، وكذلك الدول المتورطة في المأساة السورية، يجب أن يشكل دافعًا لهم للتوحد ونبذ الفرقة تحت أي عنوان، وذلك بهدف يتفقون عليه ويتضامنون ويناضلون معًا في سبيل بلوغه، وهو دولة القانون المدني المتحضر العابر للاختلافات المذهبية والقومية، والمعتمدة على دستور يتيح لكل مواطن الحقوق نفسها ويفرض عليه الواجبات ذاتها، دولة تحارب كل أنواع الفساد، وتقوم على أساس التعددية الحزبية وفصل السلطات الحكومية عن سلطة البرلمان وعن السلطة القضائية وعن الإعلام الحر. وتعتمد مبدأ تبادل السلطة من خلال الانتخابات الشفافة النزيهة.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

إغلاق