مسطرة العلماني والشعب المحتجز

 

النظام السوري، كما المعارضة، لم يتلمّس مشكلات الشعب، وضرورة التغيير الجذري؛ النظام، بسبب نهبه وقمعه الطويل، يَعلم أنّ أيّ ثغرة “حق” في مجال الحرية ستؤدي إلى رحيله، والمعارضة ترى جُلَّ “يوتوبياتها” في الديمقراطية، واستلام الحكم كبديل عن السلطة. وبالتالي لم ترَ، كما النظام، عمق الأزمة “الثورية”، وضرورة تبني رؤية استراتيجية تأخذ مطالب الشعب بعين الاعتبار، أي التفكير بأحوال الشعب، وبنتائج سياسات الخصخصة عليه وعلى سورية، والتي بدأها النظام منذ التسعينيات، والتدهور الكبير بأحوال الزراعة والصناعة ووجود بطالة كبيرة.

الشعب محتجز. نعم، فهو المُغيب عن حقل السياسة منذ عقود؛ والحقل ملكٌ لأجهزة الأمن، ولأيديولوجيا النظام التي جوهرها الكذب. مهمة تعليم “الكذب” كانت وظيفة حزب البعث السلطوي وتحالفاته، أي التكلّم باسم القومية ظاهرًا، وتعزيز النزعات المحلية، والطائفية والقبلية والعنصرية والدينية باطنًا. الشعب كلّه يَعلم ذلك، ويُراد له أن يتعلم الكذب، بحيث تكون النتيجة الصمت المطلق، وتمجيد وتأبيد النظام “القومي”، وتحمّل الفقر والقمع وخلق المحافظة الاجتماعية.

المعارضة التي حكمتها أجهزة الأمن حتى بأنفاسها، ومنعت عنها السياسة، وصراع البرامج السياسية، وأي شكل من أشكال المشاركة السياسة، كرهت ليس النظام وحده، بل كذلك الشعب؛ فهو الصامت أبدًا، وباسمه حكمَ البعثُ، واحتكر النظام القومية والاشتراكية والوطنية، وبالتالي لم يعد أمامها، من أجل مصالحها وتحقيق رؤيتها السياسية، إلا مطلب الديمقراطية، فهو برأيها المخرج الوحيد! هذا صحيح بلا شك، لو كان النظام يؤمن، بعد استبداده الطويل، بأن حلّ أزمته يكمن في الديمقراطية، أو لو أنّ المعارضة ذاتها قوية، وكان بمقدورها فرض الديمقراطية كمدخلٍ للحل.

لهذا، لم تتمعن المعارضة بأحوال الشعب، ولم تُحلّل الأرقام المخيفة لتراجع الاقتصاد، وتدهور المكتسبات الاجتماعية من تعليم وصحة ودخل. الأرقام الدالة عن ذلك متوافرة في دراسات تخصّ الأمم المتحدة أو الاقتصاديين السوريين “اليساريين”. نضيف واحدة من خصائص المعارضة هي تبنيها نزعةً ليبراليةً، خضعت لها بشكل “لا إرادي”، بعد فشل الاتحاد السوفيتي، وأهوال الاستبداد فيه، وفي سورية والعراق خاصة، وبالتالي صارت الإمكانية الوحيدة للخروج من المأزق “الاستبداد” هي الديمقراطية، عبر التدخل العسكري الخارجي، ولهذا لم يكن صعبًا عليها تبني شعارات التدخل الخارجي والحماية الدولية، في الأشهر الأولى للثورة، وفرضها عليها.

الشعب السوري المحتجز قبل 2011، والذي أصبح مُفقرًا ومهمشًا، وتتحكم به أجهزة الأمن، انساق بشكل مباشر مع الثورات العربية، وقد أخافت الأنظمةَ كلَّها، فأحواله هي أحوالها، وربما أسوأ؛ الأسوأ هو حرب الثمانينيات وآثارها الطائفية التي لم تُعالج. طالب الشعب في الأشهر الأولى بالإصلاح العام والتخلص من الفساد، والتأكيد على رفض نزعة الأسلمة “لا سلفية ولا إخوان”، أي أن تخوّفه كان سليمًا. المعارضة لم تقرأ رسائل الثورة هذه، ودفعت بكوادرها، وبشبابٍ غير متنبهٍ إلى خطورة الوضع، نحو أوسع شكل للتفجير، وساعد في ذلك همجية القمع والقتل والمجازر “الطائفية”. النظام الذي يخاف الثغرات استعاد على الطاولة أوراق الثمانينيات؛ وبدأ فورًا عملية الاحتجاز الكامل لـ “شعبه”، في إطار روايات المؤامرة، السلفية، الإخوان، سحق الأقليات، الفتنة الطائفية. وفي الوقت ذاته، بدأ إخراج “كوادره” الجهادية من السجون؛ فالشعب متدين، والثورة تتوسع في المدن، ولا بد من إفشالها، وتطييف الشعب واحتجازه مجدّدًا. وهنا ليس من السهل تجاهل أن أهم قيادات القوى الجهادية خرجت إمّا من سجون النظام أو من العراق، وكذلك تم السماح لها بالوصول إلى سورية، بتعاون استخباراتي عالمي وإقليمي. فهل ثمة من يمتلك عقلًا وأخلاقًا، ولا يسأل عما ذكرنا، وعن سهولة وصول الجهاديين من أوروبا وروسيا وسواها؟

يسود التباس وتكفير للثورات ذاتها، لا للجهاديين أو للأسلمة؛ وأول من عمّم ذلك هو الأنظمة، كما أوضحنا. وهناك تيارات تكفيرية من العلمانيين والليبراليين والماركسيين، وطبعًا هناك تيارات ما زالت منخرطة في الاهتمام بالثورات ونقدها وتطويرها والبحث في أسباب إخفاقاتها. تيار التكفير هذا يقيس الأمور بمسطرته المسبقة التي مفادها أن على الثورة أن تتبنى العلمانية والقيم الليبرالية، وتمتلك برنامجًا اجتماعيًا للنهوض المجتمعي، وكلّ انزياح عن هذه المنظومة هو أسلمة وعنف وخروج عن التاريخ. والحل هنا يكون بالعودة إلى الإصلاح الديني والتنوير والعقلنة، وهو الطريق الوحيد للخروج من العقل الديني إلى العقل العلمي، وحينئذ ستنجح الثورات. إذًا ليس للثورات أصل اقتصادي أو اجتماعي أو حتى سياسي، بل أصلها وفصلها يكمن في غياب المسطرة “الثورية”! وبالتالي بدلًا من قراءة الواقع وأسباب الثورة، علينا البحث عن عدد وقوة شتلات العلمانية في أدمغة الثوريين، وبغيابها تكون هناك مجاميع إرهابية، ولا بد من العودة إلى “الإصلاح” الذي يتبنّاه النظام، ويجب عليه أن يتبنّاه، وهو الوحيد القادر على تشكيل الوعي “العلماني”. وهنا يُسقِط هذا العلماني من حساباته أن الأنظمة حكمت طوال عقود، وهي المسؤولة الرئيسية عن تدهور كلّ أشكال الحياة “الطبيعية” للبشر.

الثورة السورية المحتجزة كفّرتها النزعات العلمانية، وإذا كان هناك تيارات علمانية تؤكّد أن النظام لن يسمح لها بالتطور أبدًا، وتتخوف من عمق التأزم المجتمعي الذي شكّله النظام، وبالتالي سيكون للانفجار ميلٌ عسكريٌّ وديني؛ فإن هناك أيضًا من “العلمانيين” مَن رفض الثورة جملة وتفصيلًا، بسبب مسطرته تلك، وهناك من رفضها لأسبابٍ أقلوية، والتخوف من طغيانٍ مستقبلي للأكثرية الدينية، وكأنّ الثورة دينية بالأصل، وليست شعبية بامتياز.

ما يجمع التيارات الرافضة للثورات هو تجاهل الأسباب الاقتصادية والسياسية التي أدَّت إليها، أي هم لا يتجاهلون نتائج العولمة، وتعميم الفقر عالميًا، والخصخصة محليًا فحسب، بل يتجاهلون كذلك آثار القمع على كامل حياة المواطنين، وتغييب أيَّة أشكال للتنظيم الاجتماعي أو الاقتصادي أو السياسي ولعقود متتالية، ويعمّمون جهلهم على سنوات الثورات ذاتها، حيث مُورست كل أشكال القمع والقتل والدمار والاعتقال للإجهاز عليها، وتحويلها إلى مجزرة من ناحية، وخلق جماعات جهادية وإسلامية، وتصويرها وكأنّها هي الثورة، من ناحية ثانية، وهنا أيضًا يتم تجاهل قمع هذه الجماعات للثوار وللبشر الذين يتحكم بهم هؤلاء الجهاديون.