المسيحيون – بشار الأسد – والثورة في سورية

 

الاعتقاد السائد أنّ المسيحيين السوريين هم أنصار لنظام بشار الأسد. وربّما يعود ذلك إلى حقيقة أنّ معظم المناطق المسيحية لم تشهد تظاهرات واسعة النطاق، في الأشهر الأولى للثورة، إضافة إلى إعلان العديد من رؤساء الكنائس السورية دعمهم النظام السوري ورئيسه بشار الأسد. وهو الأمر الذي لاقى استحسان كلًا من النظام والمعارضة المتشددة، ليعتمدوا الموقف تعزيزًا لفكرة طائفية الحراك الشعبي في الشارع.

ومع ذلك، يُعدّ التقييم السابق مجحفًا بحق الكثيرين من المسيحيين، ويفتقر إلى الدقة؛ إذ لا يمكن إنكار دعم نسبة كبيرة من المسيحيين النظام السوري، بمن فيهم الشخصيات الأكثر تأثيرًا في الكنيسة، ولكن في المقابل، ما يزال هناك العديد منهم يدعمون الثورات وأهداف الديمقراطية وحقوق الإنسان، ويدعون إلى إزالة نظام الأسد، بمن فيهم ناشطون بارزون في ميدان المقاومة السياسية والمدنية، منذ بداية اندلاع الانتفاضة في 2011.

في عام 2012، اجتمعت مجموعة من المسيحيين في دمشق، لمناقشة دور مجتمعهم في الثورة. وقرّروا رفض الموقف الداعم الذي أظهرته قيادة الكنيسة لبشار الأسد، وصاغوا رسالة أكّدوا فيها وجوب قيم الحرية والكرامة لجميع أبناء الشعب السوري. اندمج هؤلاء الناشطون ضمن مجموعات أخرى، سعوا من خلال نشاطهم لنشر الوعي الثوري في المجتمع المسيحي. باسل شحادة أحد أولئك الناشطين، زار مدينة حمص في أيار/ مايو 2011 لتوثيق جرائم النظام في المدينة، ولكنه قُتل مع الأسف خلال إحدى الهجمات. لعب الناشطون المسيحيون دورًا بارزًا، في مدن مثل حمص وحلب والقامشلي، في تنظيم التظاهرات والاعتصامات، حيث اعتُقل وعُذِّب العديد منهم من قبل قوات الأمن السورية. مع بداية عسكرة الثورة، تحول العديد من أولئك الناشطين إلى العمل الإنساني، مستفيدين من أسمائهم المسيحية، في تسهيل إجراءات التفتيش عبر نقاط المرور التابعة لقوات الأمن النظامية، وتمرير المساعدات الإنسانية لأولئك المحاصرين في الجهة الأخرى من المدينة.

تضمّ المعارضة السورية، بما فيها الجيش السوري الحر، عشرات الشخصيات المسيحية البارزة، من بينهم جورج صبرا، كبير المفاوضين السابقين لهيئة المفاوضات العليا، وعبد الأحد صطيفو، وهو عضو بارز في الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة، وميشيل كيلو، وهو من أبرز المعارضين القدامى للأسد الأب والابن. وقد شُدّد على هذا التمثيل في صفوف المعارضة الأمامية بصورة حادة، لدحض ادعاءات النظام في حمايته الأقليات الدينية والطائفية. وتأتي وفاة المعارض وعضو الهيئة العليا للمفاوضات منير درويش، مؤخرًا في سورية، في إثر حادث أليم وُجّهت أصابع الاتهام في اغتياله نحو النظام السوري، داعمًا لنفاق النظام السوري.

ومع ذلك، فإن كلّ الناشطين المسيحين -سواء أكانوا من الداعمين للنظام السوري أم من المعارضين له- يبقون أقلية ضمن أقلية أكبر؛ إذ لا تُظهر الغالبية العظمى منهم أي ولاء أيديولوجي أو سياسي لأيٍّ من جانبي النزاع. وعلى الرغم من تشكيك الغالبية العظمى لقوى الثورة واتهامها بالأسلمة، فإنّهم لا يؤيدون حملات النظام الوحشية على المعارضة والبيئة الحاضنة لها.

على الرغم من استخدام النظام مثال وحدات حماية الأحياء الشعبية في المناطق المسيحية، كمثال على ولائهم، فإنّ الشباب المسيحي يرفض هذه التسمية، إذ إنّهم يحملون السلاح للدفاع عن أحيائهم وممتلكاتهم، بعد أن عجز النظام عن حمايتها. والجدير بالذكر أنّ هؤلاء الشباب رفضوا الانخراط ضمن صفوف الجيش النظامية، مؤمنين بأنّ النظام السوري لا يأبه بحياة أحد سوى أفراد سلطته فحسب.

تراجع العديد من المسيحيين عن مواقفهم الداعمة للنظام، استياءً لسوء الخدمات العامة والإهمال المتعمَّد لضواحيهم ومناطقهم، من قبل صانعي السياسة في البلاد. ففي عام 2016، حذّر أسقف دمشق النظامَ من عدم اختبار صبر جماعته أكثر من ذلك، حيث كانوا على استعداد تام للثورة ضدّ الحكومية. وهذا يشير إلى أنّ المسيحيين في سورية لم يحسموا موقفهم بصورة نهائية من النظام السوري، ولا يزالون قلقين على أمنهم وسلامتهم من تهديدات جانبي الصراع.

تشير التقارير إلى أنّ مواقف المسيحيين، تجاه النظام أو الثورة، تتأثر بعاملين اثنين: الأول هو أن الفصل بين الطوائف الدينية والمجتمعات يلعب دورًا كبيرًا في حياة المسيحي؛ ففي المناطق التي يرتفع فيها تجليات الفصل الطائفي والمجتمعي، كمدينتي حمص وحلب، يميل المسيحيون فيها إلى دعم النظام السوري. في هذه المناطق، يكون النظام أكثر قدرة على نشر فكرة “الوحشية” السنية، وإثارة الفتن بين الأحياء المسيحية و”السنية”، وفي المقابل كان من الصعب فصل المجتمعات في مدن أكثر اندماجًا مثل دمشق.

أمّا العامل الثاني فيعود إلى تهديد الميليشيات “الإسلامية” الذي أدّى، وعزّز أيضًا، إلى تشكيل الموقف الأيديولوجي للمسيحيين؛ إذ فشلت الفصائل الثورية السورية بشكل شامل في معالجة مخاوف الأقليات المسيحية. بل على العكس من ذلك، فإن العديد من الجماعات المتطرفة استخدمت التهديد والوعيد بالعنف والمذابح لإزالة المسيحيين وغيرهم من السكان غير المسلمين من الأراضي الخاضعة لسيطرتها. بالتالي في مثل هذه الحالات، مال المسيحيون إلى جانب النظام الذي يقاتل -ظاهريًا وشكليًا- هذه القوات التخريبية المتطرفة.

ومع ذلك، وكما هو الحال في كثير من جوانب الصراع السوري، يبقى موقف المسيحيين من النظام متغيرًا وغير محسوم. وما يزال المسيحيون السوريون منقسمين سياسيًا، ولا يمكن وصفهم بأنّهم مجموعة متجانسة فيما بينها؛ إذ يتغير موقفهم السياسي، بحسب موقعهم ومجتمعهم وعلاقاتهم مع جيرانهم، ويرتكز إلى حدٍّ بعيد على سلامتهم والخدمات العامة المتاحة في المناطق التي يعيشون فيها.

وإن كانت الثورة تسعى إلى تقديم نفسها، كقوة غير طائفية لمستقبل سورية؛ فإن عليها الاستفادة من المسيحيين بتوفير حماية وتطمينات واضحة للأقليات السورية كافةً، والعمل على منع أي اعتداء يطالهم. ولن يقتصر هذا على دحض ادعاءات النظام السوري فحسب، بل سيجلب واحدة من أغنى وأكثر الجماعات المدعومة دوليًا إلى صف الثورة السورية.