مقالات الرأي

قنصل سوري!!

 

كان يمكن اعتبار الحادثة التالية التي سأرويها مجرد نكتة نضحك عند سماعها، ثم نتجاوزها دون أن تترك أثرًا في نفوسنا، وننصرف إلى متابعة شؤون حياتنا العادية، ولكنها في الحالة السورية كانت أكثر من نكتة، وأكبر من أن نستطيع نسيانها، لأننا -السوريين- نعيش فيها ونتنفس عفنها، ونأكل لحمها المتفسخ، ويأكلنا دودها، منذ ما يقارب خمسين عامًا.

في جلسة حول كأس من الروم (كحول قوي مُحضّر من قصب السكر) مع سوريين، مضى على وجودهم أكثر من خمسة وأربعين عامًا في جزيرة (غوادلوب)، الواقعة في البحر الكايبي، والتي اكتشفها كريستوفر كولومبوس، في رحلته الثانية إلى أميركا في تشرين الثاني/ نوفمبر 1493، كنت خلال الجلسة أحاول معرفة بعض أخبار السوريين الأوائل، وما بقي منها في ذاكرة من بقي حيًا، ومن وصل منهم في البداية إلى الجزيرة، وفي أي عام، وما هي الأعمال التي قاموا بها لتأمين رزقهم، وتوفير بعض النقود، والعودة إلى ديارهم.

الغالبية العظمى من سوريي غوادلوب لا يعرفون اللغة الفرنسية، وإنما “الكريول”، وهي اللغة المحكية بين السكان السود، وهي خليط من اللغات الإفريقية والفرنسية. وبالنسبة إلى السوري “الكشيش” (بائع متجول)، هي لغة الحياة اليومية، بواسطتها يتفاهم مع زبائنه، وقد تعلمها بحكم الضرورة، أما اللغة الفرنسية التي هي اللغة الرسمية، ولغة المدارس، فقد تعلمها الأولاد الذين ولدوا وعاشوا في الجزيرة فقط.

شيء آخر يميز السوريين في الجزيرة، وربما في كل الهجرات الأولى للأميركيتين، هو أنها كانت هجرات “رجال” في البداية، هذه البداية التي قد تمتد، في بعض الأحيان، إلى عشرات السنين، وقد يموت المهاجر دون أن يكون عنده عائلة، لأنه كان متزوجًا قبل الهجرة، وزوجته وأولاده في انتظاره، لهذا كان هدف الهجرة الأساس البحثَ عن المال والعودة به إلى الوطن. لذلك كان الحديث عن أجيال السوريين في غوادلوب، ربما فيه مبالغة، ولكن الواضح أن هناك تعاقب هجرات ابتدأت بطيئة جدًا، بعد وصول أول سوري إلى غوادلوب عام 1860 تقريبًا، وتجددت في العشرينيات من القرن الماضي، إلا أنها انبعثت من جديد، وتعددت في ستينيات وسبعينيات القرن الماضي، بعد عودة بعض المهاجرين القدماء لزيارة الوطن والتعرف على أقربائهم، ورؤية البؤس الذي حملته “ثورات الفقراء” إلى فقراء الوطن، فشجعوا العشرات على الهجرة إلى غوادلوب، كان من بينهم ثلاثة إخوة لي وثلاثة أولاد عم وأبناء عائلات أخرى، حدث هذا في كل قرى وادي النصارى وبعض قرى طرطوس المسيحية. كان دخول أغلب هؤلاء المهاجرين إلى غوادلوب بشكل غير شرعي، أي أن عليهم التحرك دائمًا بخوف وقلق، إلى أن يتزوج أحدهم من صبية سوداء، مقابل بعض المال، ولكن الأمر لم يكن سهلًا دائمًا، وكل واحد منهم كان مهددًا، عند القبض عليه، بالترحيل من الجزيرة وإعادته إلى “سورية الأسد”.

في ذلك الوقت، لم يكن للدولة السورية أي حضور في الجزيرة، بعكس ما كان للبنانيين والهنود، الذين كانوا يجدون المساعدة من مكاتب وزارات الخارجية في بلدانهم عند الحاجة. في الثمانينيات، زاد عدد السوريين المقيمين بشكل نظامي أو غير نظامي، وبدأ موظفو الأسد في التحرك إلى بعض البلدان التي ليس فيها تمثيل دبلوماسي سوري؛ للاطلاع على أوضاع الجاليات السورية، وإعادة ربطهم “مخابراتيًا” بالوطن الأم، وكان هؤلاء يعودون وحقائبهم مليئة بالهدايا، وقد سمعت من أحد السوريين القدماء أن بعض “الزوار” كانوا يلمحون إلى تبديل هداياهم بالعملة الصعبة، إذا أمكن، ذلك لأن سعة الحقائب محدودة، ونقل الهدايا المالية أسهل، وأقرب إلى القلوب، وأبعد، عن العيون الفضولية.

بعد أن وضعتكم في الجو العام لوضع السوريين في الجزيرة، أعود إلى بداية القصة، وهي النكتة التي تدمي العيون أكثر مما تضحك الوجوه. كان شرب “الروم” تقليدًا عامًا في غوادلوب، يشمل كل سكان الجزيرة، على تنوع أصولهم العرقية والدينية، وأي جلسة تخلو منه تعدّ ناقصة، ينطبق هذا الأمر على جلسات السوريين، ومنها الجلسة التي كنت فيها، عندما سمعت الحكاية التي عكست مأساة سورية بالكامل، وليس فقط أزمة السوريين في مهاجرهم، وهو ككل أنواع الكحول، يساعد على تخطي الحذر وقول الحقيقة. قال الرجل الذي شهد الواقعة في تسعينيات القرن الماضي: “اتصل بي أحد السوريين لمساعدته في منع ترحيل أحد أقربائه، قائلًا إن الرجل الآن في سجن المطار، وسيتم ترحليه غدًا، ونحن بحاجة إلى مساعدتك، ومستعدون لدفع ما يلزم”. تابع الرجل قائلًا: “كان عندي أحد التجار اللبنانيين، فنبهني إلى أن للقنصل السوري علاقات جيدة مع محافظ المدينة، فتوجهنا ثلاثتنا إليه، وكان يلعب الورق (يقامر) مع آخرين، فانتزعناه من جلسته وأقنعناه بالاتصال بالمحافظ، فوافق الرجل، وذهبنا إلى أقرب هاتف عام، وأدار أرقام هاتف المسؤول المحلي، وعندما رد أحدهم من الطرف الآخر، وأظن أنها كانت السكرتيرة، قال قنصلنا بالعربية، لأنه لم يكن يعرف الفرنسية: احترامي سيدي، أنا فلان الفلاني القنصل السوري هنا، ثم رفع يده بالتحية العسكرية، وخبط قدمه في الوقت ذاته بالأرض، كأي عسكري سوري يؤدي التحية في قطعته العسكرية، ولكن هنا للهاتف العام!”. قال الرجل كان الوضع مضحكًا ومخزيًا، وأكثر ما أزعجني هو سخرية الشاب اللبناني مني، عندما قال: ألا يوجد بين السوريين واحد يتكلم الفرنسية، كي يكون قنصلًا فخريًا لكم؟

سألت الرجل: كيف أصبح هذا الرجل قنصلًا فخريًا لسورية؟

قال: يُحكى أنه دفع، في ذلك الزمن، رشوة لأحد رجال المخابرات في دمشق: مئة ألف فرنك فرنسي؛ فتم تزويده بختم يحمل اسم وزارة الخارجية والمغتربين ومرسومًا رئاسيًا بتسميته قنصلًا فخريًا لسورية في غوادلوب. وقد تحول إلى “جابي” أموال، فكل من يريد أي ورقة سورية رسمية، عليه أن يدفع، وكان مستعدًا لتزوير أي وثيقة لا تسبب له ضررًا مع حكومة دمشق، مقابل المال.

بعد نهاية السهرة، كنت أستعيد في ذاكرتي صور بعض من عرفت من رجال الأسد، فقد كانوا جميعا راشين ومرتشين، والوطن “أقل وأصغر” من أن يشغل بالهم، فالبيع والشراء ومصالحهم، مهما كانت صغيرة، أهم من كل دماء الشعب السوري.

هذه كانت سياسية نظام الأسد، منذ السبعين حتى الآن، لقد حاول تخليق السوريين على صورته ومثاله، ولكن بعض الأطفال خيبوا أمله، وكسروا “التمثال – الإله”، مفجرين ثورة لم يعرف العالم مثلها حتى الآن.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

إغلاق