اللا ورقة الأميركية وتأثيرها على الحل في سورية

 

على مدار سنوات الماضية، اتخذت الولايات المتحدة مواقف سياسية وعسكرية غامضة من الأزمة السورية، بحيث بدا من الصعب تلمس الموضع الذي تقف عليه واشنطن حيال الحل السوري، لكن كلمة وزير الخارجية الأميركي ريكس تيلرسون في جامعة ستانفورد، في 17 الشهر الماضي، شكّلت تطورًا مهمًا على صعيد الاستراتيجية الأميركية، حيال الوضع في الشرق الأوسط بشكل عام وفي سورية بشكل خاص، ثم جاءت اللا ورقة التي قدمها وزراء خارجية أميركا وفرنسا وبريطانيا والسعودية والأردن إلى دي ميستورا عشية مفاوضات فيينا، لتزيد من منطوق الخطاب السياسي الأميركي تجاه سورية.

في خطاب تيلرسون، حُدّدت معالم السياسة الأميركية المقبلة في سورية والمنطقة: ربط استمرار التواجد الأميركي شرقي الفرات وإعادة إعمار سورية بانتهاء التسوية التي تعبد الطريق أمام خروج الأسد من الحكم، ناهيك عن احتواء إيران الذي يشكل جوهر السياسة الأميركية الجديدة.

مع أن تيلرسون لم يدخل في التفاصيل، فإن اللا ورقة التي قُدّمت إلى المبعوث الأممي، وخطت بقلم أميركي واضح، خاضت في تفاصيل الحل، وهي المرة الأولى التي تنتقل واشنطن فيها إلى هذا المستوى من التفاصيل؛ ما يؤكد أن مرحلة التموضعات العسكرية بالنسبة إلى الولايات المتحدة قد انتهت، وقد آن أوان استثمار ذلك على المستوى السياسي.

هذا الاستثمار يتطلب بالضرورة انخراطًا مباشرًا في الملفات السياسية والعسكرية الشائكة، وليس صدفة أن تحدث تطورات مهمّة خلال نحو شهر، مصدرها جميعًا الولايات المتحدة: إطلاق طائرات (الدونر) لضرب قاعدتي حميميم وطرطوس، إعادة فتح ملف السلاح الكيميائي للنظام، لا ورقة تيلرسون، وأخيرًا الضغط على المعارضة لعدم حضور مؤتمر سوتشي.

لكن إعادة الاستقرار لسورية، والتخلص من الأسد، ووقف النفوذ الإيراني، ومنع عودة تنظيم الدولة، وإنهاء الحرب السورية التي استغرقت سبع سنوات، وإبقاء الوجود العسكري إلى أجل غير مسمى هي وصفة لإدخال المنطقة في حرب باردة جديدة، قد تأخذ حمولات عسكرية واضحة، إذا لم تكن مرتبطة باستراتيجية للحل مع شركاء الولايات المتحدة، وخصوصًا روسيا.

لن تدخل الولايات المتحدة في حروب جانبية مع النظام وروسيا وإيران ولا مع تركيا، ولعل نيتها تشكيل قوة حدودية من الوحدات الكردية دليلٌ على أنها تحاول تسييج الجغرافيا العسكرية، للحيلولة دون وقوع معارك مستقبلية.

مع ذلك، لن يستسلم الروس سريعًا للطرح الأميركي، وستنشأ حرب باردة بين الجانبين، ساحتها سورية، في وقت تمتلك موسكو أوراقًا أكثر من الأميركيين الذين أصبحوا وحيدين فعليًا في الساحة السورية، وإنْ كانوا يسيطرون مع (قسد) على نحو 30 بالمئة من الأرض السورية.

للروس وحلفائهم أوراق قوية كثيرة، فقد تقوم روسيا بتقديم تنازلات أكثر لتركيا لتثبيت التحالف معها، مع ما يعني ذلك من مضي أنقرة في مهاجمة الوحدات الكردية، فيما يذهب النظام إلى تحريك القوى العشائرية في مناطق سيطرة الأميركيين، والانقلاب على التفاهمات القائمة مع الوحدات الكردية، في وقت قد تقدم إيران على جلب عشرات آلاف المقاتلين إلى سورية.

إذا لم يستطع صناع القرار في واشنطن الوصولَ إلى استراتيجية مفصلة للحل في سورية، ترضي المحور الروسي بحدود الإمكان الأميركي؛ فإن العام الجاري سيكون عام التنافس الروسي-الأميركي أكثر من عام التعاون بينهما، مع حرص الطرفين على منع مواجهة مباشرة بين حلفائهما.

ستعتمد واشنطن الانخراط السياسي المباشر في تفاصيل التسوية، وتحويل مفاوضات جنيف إلى مفاوضات جادة، بعدما ظلت مفاوضات عبثية لثمان جولات، وهي معنية لأجل ذلك بإفشال أي حل سياسي في سوتشي يكرّس انتصارات الروس، أو على الأقل جعل الخطوات السياسية الروسية محكومة بالتوافق الأميركي.

تتضمن اللا ورقة مبادئ الحل بإصلاح دستوري، لإجراء انتخابات برلمانية ورئاسية بإشراف الأمم المتحدة، ودعم المفاوضات بناء على القرار 2254، إضافة إلى إصلاح أجهزة الأمن وتحسين أدائها، وفق معايير حقوق الإنسان، وإلى التأكيد على وحدة الأراضي السورية وسيادة سورية.

الورقة الخماسية تتماهى كثيرًا مع الإعلان المشترك للرئيسين الأميركي والروسي، في هامبورغ في 11 تشرين الثاني/ نوفمبر الماضي، أي أنها تقارب الرؤية الروسية المطروحة في ما يتعلق بالدستور والانتخابات، وفي ما يتعلق باستبعاد الهيئة الحاكمة كاملة الصلاحيات ومسألة الانتقال السياسي، وفي ما يتعلق بمصير الأسد الذي يجب أن يكون حاضرًا في عملية التسوية.

غير أن الرؤية الأميركية الجديدة تربط التواجد الأميركي في سورية، بانتهاء التغيير السياسي في غياب للأسد، بعبارة أخرى: إذا كان الأسد جزءًا من عملية التغيير السياسي؛ فإنه لن يكون جزءًا من مستقبل سورية القريب، وهذه نقطة خلاف كبيرة مع روسيا التي تعتبر أن الأسد منتخبٌ بطريقة ديمقراطية، ومن حقه أن يشارك في مستقبل سورية السياسي.

هذا الأمر سينعكس على سلتَي الدستور والانتخابات، فلن تقبل الدول الخمسة إجراء تعديلات دستورية شكلية ولا انتخابات شكلية، ولعلّ تأكيد الورقة الخماسية التي أعطيت لدي ميستورا، على البيئة المحايدة التي تسبق العملية الانتخابية، مؤشرٌ على جدية الغرب في أن تنتهي الانتخابات بانتهاء مرحلة سياسية، وبدء مرحلة أخرى محكومة بنظام ديمقراطي لا يكون الأسد جزءًا منه.

هذا التطور الجديد في الموقف الأميركي يوضح، لأول مرة، مفهوم إدارة ترامب للانتقال السياسي، ومع أن هذا المفهوم ما تزال تنقصه الدقة والتوضيح أكثر، فإنه حوّل وظيفة الدستور الجديد، من إبقاء الأسد كما ترغب روسيا، إلى الإطاحة به؛ وعليه ستكون معركة الدستور هي عنوان المرحلة المقبلة، فمن رحم الدستور الجديد ستتشكل ماهية التسوية السياسية، ومن خلاله ستختبر المقدرة الأميركية والروسية.

1 عدد الردود

التعليقات مغلقة