الدولة: حدود السيادة والإكراه

 

(1)

تميزّت سلطة الدولة بامتلاك سلطة الإكراه، والدولة القانونية هي التي تمارس السلطة فيها الإكراهَ بحدود القانون، وبحدود تطبيقه، وأهمية هذه المسألة هي أن أي تراخ في استعمال الإكراه من قبل سلطات الدولة في تنفيذ القانون، يؤدي إلى الفوضى تدبّ في أوصال المجتمع، وبالتالي إلى ظهور أفراد، أو مجموعة أفراد، أو جماعة، أو طبقة تمد سيادتها قليلًا، أو كثيرًا حسب إمكاناتها على حساب سيادة الدولة؛ ما يُهدّد وحدة المجتمع الوطنية، وبالمقابل، فإن أي إفراط في استخدام الإكراه يعني أن هناك مؤسسات وقوى في سلطة الدولة قد أصبحت فوق القانون، وهذا يُغريها بالتدرج إلى استعمال الإكراه أكثر، شيئًا فشيئًا ضد مؤسسات الدولة الأخرى، وضد المجتمع، وضد منظومته القانونية، ويعني من جهة أخرى أن في المجتمع قوى وتفاعلات وتطلعات أكبر من أن تتمكن الدولة القانونية من تنظيمها وإدارتها، وبالتالي لا بد من (السلطة الفعلية) للسيطرة عليها وقهر إرادتها، وهذا قد يؤدي إلى إشعال الفتن والاضطرابات، وبالتالي ينعكس سلبًا على المجتمع والدولة القانونية.

بقدر ما تبتعد الدولة عن التطابق مع المجتمع القومي للأمة، وتتحول إلى (دولة جزء)، أو (دولة مُصطنعة) تتحول إلى (دولة فعلية)، وتصبح (بغض النظر عن من يحكمها) موضوعيًا أكثر حاجة إلى الإفراط في استخدام الإكراه، لتتمكن من خنق التفاعلات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والقانونية، لحل المشكلات التي قد لا تجد حلًا إلا بإزالة الدولة الفعلية ذاتها؛ ما يضطرها إلى الإفراط في استخدام الإكراه للدفاع عن نفسها، ويؤدي إلى تفاقم النقمة والجروح داخل المجتمع، ويهدد حتى بتفتت (المجتمع كجزء إلى أجزاء) وهكذا!

يقول راد ومير لوكيل: “إن إكراه الدولة، ككل إكراه آخر، محدود بدئيًا بواقع أنه لا يستطيع أن يؤثر إلا على التصرف المادي للأفراد، وليس على أفكارهم أو قناعاتهم الصحيحة. والتهديد بالإكراه قد يؤثر على الإرادة وعلى ضمير الناس، ويقنعهم بأن يتوافقوا مع قرار الدولة. ولكن هذا ليس هو الأساس ولا يدوم أبدًا، لأنهم يستمرون مع ذلك على عدم قناعتهم بصحة مقياس الدولة الذي عليهم أن يتوافقوا معه، والأكثر أهمية أن التهديد بالرجوع إلى الإكراه غالبًا لا يكفي ليؤدي إلى إذعان من يعنيهم الأمر؛ إذ إن استعمال القوة لا تفعله الدولة غالبًا إلا للاستعاضة عن عدم كفايات التطبيق العفوي للقانون. إن على الدولة أن تستعمل الإكراه لمواجهة عدد من الأشخاص العصاة، ولكن إذا كان عددهم كبيرًا جدًا، فعندئذ لن يكون للإكراه بقوة الأشياء أي فائدة”.

فالدولة لا تبنى على الإكراه فحسب بل على الإذعان أيضًا، وعلى القبول بسياستها من قبل حد أدنى من المواطنين لتستطيع الدولة العمل، ويكون لقراراتها قوة النفاذ، أما بالنسبة إلى معرفة ماذا يجب أن يكون هذا (العدد الضروري الأدنى)، فإنه لا يمكن القول عنه مسبقًا، لأن ذلك يتعلق بالظروف الملموسة. إنه لا يتعلق بتعداد آلي لإن كافة المواطنين ليسوا متساوين”.

(2)

ماذا عن الإكراه، تستخدمه الدولة لأسباب سياسية، يقول لوكيل: “إن الإكراه ليس مُقنعًا لأسباب سياسية، أي أنه مثير للشبهات ضد الدولة. وفي الواقع من المهم أن نشير إلى أن تطبيق الإكراه السياسي، حتى عندما يُبرر، ينفتح على بعض المقاومة. وبمقابلة الإكراه الممارس من قبل الدولة التي تحوز الاحتكار اللامحدود للإكراه، والممارس على شخص، ما. فإن تعاطف الناس يأتي من دون شعور، نحو الذي يُمارس عليه الإكراه. فالإكراه مورس عليه بصفته مادة، وليس على روحه بصفته إنسانًا، وبملاحظة كيف تُطبّق الدولة الإكراه على الغير؛ فإن كل فرد في المجتمع يخاف أنه يمكن في أحد الأيام أن يناله كذلك هذا الإكراه في ما يتعلق به. وعليه فإن الإنسان يستلهم الحرية، وإنه لهذا لا تكون أي سلطة مرغوبة ما عدا تلك التي يمارسها هو بذاته عند الاقتضاء على الغير”.

وهكذا في ظل هكذا أوضاع، يصبح حلم الحرية بالنسبة إلى كل فرد متعلقًا بقدرته هو على ممارسة السلطة، وبما أن هذا غير ممكن، فإن الأمر سيؤدي إلى تفاقم المشكلات، واستقصاء الحلول، وبالتالي اختراق المنظومة القانونية للدولة، وضرب البنية الأساسية للمجتمع.

يقول لوكيل: “على الدولة والقانون أن يتمتعا بالاعتبار من قبل المواطنين، بحيث إن هؤلاء يحترمونها دون أن يأخذوا في حسبانهم الإكراه. هذا التقدير باتجاه الدولة يتأتى من الاقتناع بأن سلطة الدولة مشروعة، وأنها تمتلك مشروعية عليا للمشروعية القانونية البسيطة، وهذا ما يُعبّر عنه بفكرة المشروعية، وفي الواقع يجب على المواطنين أن يكونوا مُقتنعين بأن دولتهم توجد وتمارس وظائفها، وتتبنّى المعايير القانونية بكل مشروعية، وأنها مؤسسة لفعل ذلك”.

وعن أصول تلك المشروعية، يقول لوكيل: “إن مشروعية الدولة يُمكن أن يكون لها عدة أصول، وفي هذه الحالة الراهنة للأشياء، فإن مصدر المشروعية يجب أن يكون مبحوثًا عنه بدئيًا في قبول أكثرية المواطنين لسلطة الدولة. وكانت المشروعية في الماضي تستعير طرقًا أخرى. وهكذا على سبيل المثال أثناء العصور الوسطى، كان المفهوم السائد أن سلطة الدولة شرعية، وأنها تستند إلى حق إلهي. وهكذا كانت الشرعية تؤسس على مبدأ التوارث”.

ويضيف: “إن المشروعية هي أحد البواعث الأساسية التي تعمل لتكون سلطة الدولة مقبولة من قبل المواطنين، والتي تجعل المواطنين يخضعون لأوامرها من دون حاجة إلى إكراههم بالعنف”.

وهكذا فقد بيّن لوكيل أن الإكراه في الدولة الاشتراكية يجب أن يتجه باتجاه الانحسار أكثر، فأكثر، يقول لوكيل: “في الدولة الاشتراكية، يُستعمل الإكراه أقلّ فأقل، ولكن ليس لأن الدولة ضعيفة، أو لأنها لا تعاقب على عدم تنفيذ قراراتها، وإنما لأنها محترمة، ولا يوجد سبب للرجوع إلى إكراه الدولة”. ولأن هذا الافتراض المشروع الذي افترضه لوكيل بقي في الإطار النظري؛ فإن المحصلة النهائية كانت ذات طابع كوارثي انتهى “بإعادة البناء” (الغربتشوفي)!

(3)

استنادًا إلى (مبدأ الفاعلية)، فإن الدولة يجب أن تكون قادرة على بسط سيادتها، وحماية استقلالها، وعلى الرغم من أننا نُقر أن هذه المسألة -وإن كانت مُطلقة من الناحية القانونية- نسبيةٌ من الناحية الواقعية، لكن لا بد أن يكون هناك حد أدنى من هذه النسبة، لا يمكن السماح بالهبوط عنه، لأننا في هذه الحالة لا نعود أمام دولة حتى من حيث الشكل.

وسيادة الدولة واستقلالها لم تعد من المسائل البسيطة التي يمكن البت فيها دون تمحيص، وتعمق، ذلك أن السيادة لم تعد تنتهك بالأساليب الواضحة التقليدية المعروفة، فنقرّر على أساسها أن هذه الدولة ذات سيادة، وإن تلك ناقصة السيادة، وإنما نحن أمام وسائل بالغة القدرة على التضليل، فبعد استبدال الدول التابعة لتنوب عن الجيوش المستعمرة، وبعد الهيمنة الاقتصادية للدول الإمبريالية على الدول الأخرى، نحن الآن أمام غزو من نوع جديد إنه ما يدعى (رؤوس الأموال الدولية)، أو (الشركات متعددة الجنسيات) التي تدخل المجتمعات (بلا إكراه)، وإنما بعقود شرعية، وأحيانًا تدخل في شركة مع الحكومة المعنية، أو مع بعض المتنفذيّن في المجتمع، والآثار المترتبّة تُحقّق من انتهاك لسيادة الدولة المعنية، ولاستقلالها، ولضرب بنية مجتمعها أكثر بما لا يقاس مما استطاعت الجيوش الاستعمارية التقليدية فعله، والتي لم تستطع التغلغل في المجتمعات، وإنما بقيَت جيوش احتلال معروفة بثكناتها، ولباسها، وأعلامها، وبالتالي كانت هدفًا واضحًا لحركات المقاومة القومية، على عكس ما يجري هذه الأيام حيث القوى خفية، وتتغلغل في المجتمعات إلى مرحلة إحداث الشلل فيها.

يقول الباحثان هارولد سيللين وباربرة توبر: “يفرض نزع الطابع القومي عن اقتصاديات أميركا اللاتينية على يد الاحتكارات متعددة الجنسيات، وعن طريق دمجها في إعادة إنتاج عالمي، إلى تحقيق نزع للطابع القومي عن وظائف الدولة، فلا تخدم الدولة القومية مصالح رساميلها القومية، وحسب، بل تعمل على خدمة مجموع الطبقات السائدة للمجتمعات المعنية، والتي تتكوّن بقدر كبير ومتزايد من رساميل أجنبية. وهذا يعني من جهة أخرى أن بعض الوظائف المحددة للدولة تُنقل من الصعيد القومي إلى (شركات دولية)، أو إلى دولة أجنبية معينة، عندما تمارس وكالات الإقراض الأجنبية أو الدولية تأثيرًا مُتزايدًا باستمرار على السياسات الاقتصادية القومية، أو يتم بناء جهاز القمع الذي تمتلكه الدولة تحت التوجيه المباشر لدولة أجنبية”.

قد لا تقف المسألة عند هذا الحد أغلب الأحيان، وهذا ما يتحدث عنه الباحث جورج سيمونيس: “لضمان استمرارها، تقوم دولة المجتمعات ذات النموذج الصناعي التصديرية (بحرب أهلية كامنة) بل (بحرب أهلية صريحة). حيث تخلق الدولة تطابقًا بينها وبين الانقسام الاجتماعي الأساسي، بأن تضاعف نفسها في أفعالها إلى دولة قانونية حيال مواطنيها المالكين، ودولة لا قانونية حيال غالبية مواطنيها غير المالكين. ولإضفاء الشرعية على عملها هذا؛ تدعّي الدولة وجود تهديد لأمن المجتمع ولنظامها. وتكون نتيجة سياسة كهذه هي الانتهاك الدائم لحقوق الإنسان الأساسية، والحقيقة أنه لا توجد دول من هذا النمط لا يختفي الناس فيها، ويُمارس فيها التعذيب الجسدي، ويُعتقل البشر دون مسوغّات قانونية، ويسجن المعتقلون السياسيون دون محاكمات، وتُقمع التظاهرات والإضرابات برصاص الشرطة والجيش”.

(4)

إذا حاولت دول العالم (النامي) مجابهة تلك الشركات المتعددة الجنسيات؛ فإنها ستجد نفسها عاجزة عن ذلك. يقول كارتل فولموت: “تثبت الدراسات حول التفاعلات بين الشركات متعددة الجنسيات، أو التجمعات الاقتصادية المنطقية للعالم الثالث أن الشركات في وضع يُمكنهّا من إيجاد بدائل للشروط الدمجية التي قد تحاول بلدان العالم النامي فرضها عليها، وهي تأخذ بتصرفات متباينة بتباين تجمعات البلدان”.

فقد استطاعت الشركات متعددة الجنسيات، من خلال تيار متواصل من (المدفوعات المحظورة)، تحويل المزايا الناجمة عن التنسيق والتعاون بينها وبين الدولة إلى بعض الإداريين (السودانيين مثلًا) فأمكن بذلك الحصول على قرارات وخيارات، تتعارض كل التعارض مع نصيحة ورأي الدوائر الرسمية الأخرى. إن قرار إقامة مصنع لإنتاج الإطارات في مدينة (بور سودان) كمشروع مشترك (سوداني – كوري) هو أمر ملفت للنظر. لإن القرار السياسي جاء ضد التوصية (السلبية) لوزارة الصناعة. هكذا فرضت المصالح الاقتصادية للاحتكار (الكوري المتعدد الجنسيات) بالارتباط مع مصالح رأس المال التجاري لمجموعة “عبدو رابوا” (السودانية) نفسها على القرار السياسي للحكومة السودانية…”.

وتتحول الدولة و(الشركة متعددة الجنسيات) أكثر فأكثر إلى “عنصرين يؤديان إلى اندماج رأس المال التجاري المحلي، في نظام مٌتعدّد الجنسيات. فالمشاريع المشتركة تؤمّن للشركات متعددة الجنسيات صلات وثيقة مع مجموعات رأس المال التجاري (المحلي) الكبرى، التي تندمج معها في ما بعد عبر اتفاقات تمثيل وإمداد وإدارة. ويعتبر دور رأس المال التجاري (المحلي) ضروريًا في بعض المشاريع المشتركة، عندما يتعلق الأمر بالتزود بمواد خام، ومواشي حية، والواقع أن المشاريع المشتركة تجرّ رأس المال التجاري عن عمد إلى لعب دور مورد المواد الخام؛ لأن هذا يقوّي من رقابة (الشركات متعددة الجنسيات) على القطاع الزراعي في الدولة”.

وهكذا، فإن الدولة (المعنية) تصبح في وضع لا يمكنها من تحقيق وظائفها (توطيد وضبط طبقة الدولة)، وتعجز عن تحقيق الوظيفة الدمجية (في ما يتعلق بطريقة الإنتاج غير المتجانس بنيويًا) هذا الوضع الذي تجد الدولة نفسها فيه “يمنعها من ضبط الصراعات الراهنة والمحتملة، ويوجد ميلًا إلى انفجار الصراعات والنزاعات، عندما يستحيل تنسيق المصالح الإنتاجية للشركات الأجنبية تنسيقًا كافيًا مع المصالح التجارية والتصديرية لرأس المال”.

والنتيجة أن “سلطة الدولة في البلدان الطرفية تجد نفسها مُكرهة على توسيع نسبة الضرائب توسيعًا قليل التكلفة، فتواجه لهذا السبب مقاومة شديدة من مجموعات سياسية معينة؛ فلا تجد عندئذ مخرجًا سوى زيادة الضرائب غير المباشرة”.

بل إن استمرار النظام في الدولة، أو عدم استمراره مرهون بقرار الشركات متعددة الجنسيات “فإذا انقطع التمويل الخارجي عن (دولة كذا)؛ فإنه لا يُمكن التحكّم بنظامها السياسي، أو بقاؤه تحت المراقبة، فالحدود الداخلية الموضوعة لاقتطاعات فائض المنتجات تقوي الصراعات بين كتل طبقة الدولة بصورة خاصة، بينما يعجز جهازها عن توسيع القاعدة الاقتصادية عبر مشاريع تنموية كبرى”.

(5)

وهكذا فإننا في عصر تحتاج فيه الدولة المتطابقة قوميًا مع (الأمة) إلى مزيد من العناء، والانتباه، والصلابة الداخلية؛ لتتمكن من الحفاظ (نسبيًا) على استقلالها وسيادتها، وإلى منظومة قانونية متماسكة، ونظام اجتماعي وسياسي واقتصادي مُحكم؛ لتتمكن من مواجهة الأساليب الجديدة والبالغة التطور لدول الهيمنة (وللشركات المتعددة الجنسيات) في اختراق بنية المجتمع، والسيطرة عليه ليس اقتصاديًا، وحسب، وإنما سياسيًا واجتماعيًا في أغلب الأحيان، وتجعل الدولة عاجزة عن تحقيق (مبدأ الفعالية)، حيث تصبح تحت السيطرة المباشرة وغير المباشرة لقوى الهيمنة الخارجية والداخلية، أما الأوضاع في الدول التي هي (دون القومية) والتي جزأت أمة ما، فإن إمكانية حصولها على نسبة من السيادة والاستقلال تكون معدومة، بل إن تلك (الدول) تصبح مشكلة مضافة إلى مشكلات الأمة، تؤدي من حيث النتيجة إلى استلاب إرادة الأمة وإمكاناتها على التطور.

إن المجتمع هو أساس الدولة، وهو (المجتمع) يستمد شرعيته من تكوينه التاريخي المشترك (كما هو) والدولة تستمد مشروعيتها من كونها تتطابق مع هذا المجتمع، لا انتقاصًا ولا تعديًّا، وإننا إذا كنا في مواجهة أمة فإن الدولة القومية التي تبسط سيادتها على (الوطن) و (الشعب)، وهي وحدها الدولة المشروعة.

يقول د. عصمت سيف الدولة: “إن صدق التجسيد السياسي للمجتمع في دولةٍ ما متوقف على مدى مطابقة الشكل السياسي للمضمون الاجتماعي. وهذا يعني أن الدولة لا تحدّد المجتمع على هوى الذين أقاموها ليتحكموا بها، ولكن المجتمع هو الذي يُحدّد الدولة على ما تفتضيه حقيقة وجوده الموضوعي. وعندما تكون الدولة متفقة مع الوجود الموضوعي للمجتمع تصبح تجسيدًا سياسيًا صحيحًا لهذا الوجود، أما إذا لم تكن متفقة معه، فإنها تكون قائمة على غير أساس سوى القهر، ويجب أن تزول. وهنا فقط يفرض الأمر الواقع ذاته على مسيرة التغيير وأسلوبه؛ لأن إقامة الدولة الحقيقية لا بد أن تبدأ من الدول المصطنعة ذاتها: بتحطيمها”.

فوحدة الدولة القومية شرط لازم “لإمكان معرفة حقيقة المشكلات الاجتماعية في المجتمع القومي، وحلولها الصحيحة المحددة موضوعيًا بالواقع الاجتماعي ذاته، وتنفيذ تلك الحلول في الواقع. إن هذا لا يعنى أن الناس في الدولة القومية سيعرفون حتمًا حقيقة المشكلات الاجتماعية وحلولها الصحيحة، أو أنهم سيُحلوّنها فعلًا، إنما يعني أن كل هذا يكون متاحًا لهم في الدولة القومية، أما الباقي فيكون متوقفًا على مقدرتهم على الانتفاع به”.

“هكذا نكون قد حدّدنا الأساس الصحيح لتأسيس الدولة، وهو أساس تكوّن تاريخيًا بالتفاعل المشترك إلى أن أنتج (أمة)، لكن كون أننا نملك أساسًا، لا يعني أكثر من أننا نستطيع مباشرة بناء دولة بمؤسساتها، وأجهزتها، وقوانينها، وأنظمتها، وأن كل لبنة في هذا البناء تستمد مستند شرعيتها من موقعها الصحيح في هذا البناء، وهذا ينقلنا إلى “مرحلة التأسيس”.