الأنا والتاريخ

 

القول الفلسفي في (الأنا) هو وعي حقيقي لمشكلة الإنسان في الوطن العربي، وقد يراه البعض قولًا فلسفيًا مجردًا، وهو كذلك، لكن هاجسه الأساس هو الإنسان في علاقته بالتاريخ والواقع، فلا يصنع التاريخَ إلا “أنَوات” واعية لدورها في هذا العالم، لا يصنع التاريخَ إلا إنسانٌ يعي قيمته الفردية في هذا العالم.

الإنسان في الوطن العربي لم يمُت، لأنه لم يعش كي يموت، ولم ينتهِ، لأنه لم يبدأ كي ينتهي، ولم يغب، لأنه لم يكن حاضرًا كي يغيب. والانتصار للأنا دعوة إلى ولادة الإنسان، دفاع عن الإنسان بوصفه “أنا” ضد هذا الـ “نحن”، ضد القطيع الذي يسلب الكائن البشري أهم عناصر وجوده: أناه التي تميزه عن غيره.

عندما تنتصر “الأنا”، بوصفها وعيًا ذاتيًا بالتفرد، يصبح تعدد “الأنوات” دافعًا لها باتجاه صنع تاريخها الواعي، لماذا؟ لأنها، إذ تصل إلى مرحلة الكائن الأنا، تكون قد وعَت حريتها في الفعل والممارسة والقول، دون أي مخاوف على وجودها الذاتي.

و”الأنا” لا وجود لها خارج فعل الحرية؛ إذ إن الكائن خارج حقل الحرية مجرد شيء، وكلمة شيء تشير إلى انعدام الفاعلية، لا يمكن للـ “أنا” أن تنتقل إلى ذات فاعلة إلا في حقل الحرية.

كيف لنا تخيّل إرادة تنهض بكامل وعيها، دون أن تكون إرادة حرة، إرادة أنوات حرة! لكن حرية الأنا شعورٌ يقود إلى الممارسة، شعور لا يتولد إلا إذا وصلت الأنا إلى الوعي بالعبودية المعيشة. والأنا لا تنفصل عن الذات.

ما الفرق بين الـ “أنا” والذات؟ الذات هي الـ “أنا”، وقد تحولت إلى صناعة العالم: فهي، إذ تصنع العالم، تصنعه وفق رؤاها الحرة، وفق تحررها من غريزة القطيع. لذلك عالم الأنوات الحرة هو عالم “الأكباش” فقط، وليس عالم “الكبش والأغنام”، ولذلك قال الفيلسوف البريطاني قولًا قويًا: “الحرية هي التوزيع العادل للقوة”، وبناء على قولٍ كهذا؛ فإن “أفضل المجتمعات هي مجتمعات الذئاب، حيث كل أنا ذئب، وليست ذئابًا”.

هل من أفقٍ لظهور هذه الحرية في مجتمعاتنا العربية؟ هل من أفقٍ لظهور “أنوات” فاعلة؟ وما الذي يحول دون ظهور وولادة الـ “أنا” في عالمنا العربي؟ ما يحول دون ولادة الأنا ما أسميه النظام المتعالي على الـ “أنا”، هو نظام قامع لظهور الـ “أنا”، ويتكون من:

النظام السياسي الذي قام على الاستبداد العسكريتاري المتخلف الذي لا يرى المجتمع إلى في صورة “كبش وحملان”، وحول هذا “الكبش” مجموعةٌ ممن فقدوا أي قيمة ترتبط بمكانة الإنسان وحق الآخر، ليس لديهم سوى العنف وسيلة للحفاظ على بنية “الكبش والحملان”. العنف الذي يحطم الكرامة الإنسانية، للحيلولة دون أن تدافع عن نفسها.

يضاف إلى هذه السلطة السياسية السلطةُ الدينية المتمثّلة بأولئك الذين يزيّنون للسلطان (حكمته وعظمته)، أو أولئك الذين يُحصون سكنات الأنا وحركاته، ويقيمون عليه حدود جهلهم. وحين يرتبط الدين بالسياسة؛ يخلق سلطة أشد فتكًا من تلك السلطة العسكريتارية، وبخاصة العسكريتارية الريفية.

النظام القيمي الاجتماعي، التقاليد المتوارثة قامعة لظهور الـ “أنا”، وهو نظام متوارث يفرض على الأنا الانصياع لقيمه التقليدية، من دون النظر إلى تغيّر الأحوال والأزمان.

ولتجاوز هذا النظام المتعالي؛ لا بد من ظهور فئاتٍ وصلت إلى مرحلة الوعي الذاتيّ بقدرتها على تجاوز العالم، بقدرتها على تحطيم العالم القديم، وهذا ما فعلته الثورة البرجوازية في أوروبا، وهذا ما كان قابلًا أن يحدث في الخمسينيات والستينيات في عالمنا العربي. لكن النكوص التاريخي، منذ سبعينيات القرن الماضي حتى الآن، حال دون أن تستمر حركة ولادة الـ “أنا”، والسبب الأعمق أنّ الفئات الوسطى، التي تشكل وعيها بذاتها، لم تستطع أن تكون راديكالية إلى الحد الذي تكنس فيه التاريخ؛ فانهزمت، وبانهزامها، انهزم شرط ظهور الـ “أنا” وولادته، وهذا يعني أن نعمل جاهدين، كي تنشأ هذه الفئات الواعية لذاتها، بوصفها “أنوات” وليست قطيعًا. القول في الأنا قولٌ في السياسة وليس في الفلسفة فقط، في فلسفة السياسة، فأنت لا تستطيع أن تتحدث في السياسة إلا انطلاقًا من الفلسفة، لأنك تقدم قولًا عامًا.

هل هناك إمكانية لانتصار الأنا؟ نعم. هذه الإمكانية تواجه سلطة قامعة بالمعنيين: السياسي، والأخلاقي للكلمة، لا تريد للـ “أنا” أن تنتصر في هذا العالم. لذلك، أنْ تعممَ الوعي بذاتك وبعالمك، على نحوٍ يكشف هذه العلاقة المتناحرة بين السلطة والـ “أنا”، أمرٌ في غاية الأهمية؛ لأن وجود السلطة وبقاءها رهن بالقطيع، ولهذا تخاف السلطة من الـ “أنا”، لأنها (السلطة) تخاف الحرية، ولأنها تخاف الحرية؛ فإنها تخاف الإنسان الذي يمكن أن يصبح فردًا أو “أنا”.

يجب أن تعيش الـ “أنا” اغترابًا؛ كي تتجاوز العالم. التجاوز عبر مفهوم الاغتراب الضروري للمثقف وللفاعل الاجتماعي عن واقعه المعيشي، لأنك لن تستطيع تجاوز عالمٍ لا تشعر باغترابك عنه. أما إذا كنت منسجمًا مع عالمك ومتصالحًا معه، فلماذا تغيّره؟ لذلك فإن المثقف غير المغترب عن واقعه المعيشي ليس مثقفًا بالمعنى السارتري للكلمة. فحين يكون المثقف قطيعيًا، أنّى له أن يصبح (أنا) فاعلًا، إنه لن يكون في هذه الحال إلى الصورة المكثفة للقطيع وعيًا وسلوكًا.