بماذا نُقايض نظام الأسد؟

 

لا بدّ لمتابع المشهد السياسي والدولي المعني بالقضية السورية أن يدرك أن طرق الإسقاط المباشر للنظام، سياسيًا أو عسكريًا، باتت تضيق أكثر فأكثر، بعد أن تمت محاصرة السوريين باللابديل السياسي من جهة، وهو كيانات المعارضة التي ركَّبتها دول خارجية، وبتطرف السلاح من جهة أخرى، والذي موّلته دول خارجية، نحو ترويض السوريين للعودة إلى ما قبل عام ألفين وأحد عشر، وتتويج ذلك بمؤتمر عُقِد في منتجع سوتشي، لإعادة تأهيل الأسد وتقاسم السلطة معه، وهو المؤتمر الذي قاطعته المعارضة الرسمية ظاهريًا، تحت ضغط الشعب السوري ومطالبه بمحاسبة المجرمين، ولكنها قاربت مخرجاته رسميًا، وفق مسار تم رسمه منذ مؤتمر الرياض الثاني الموسع للمعارضة السورية.

جاء في البيان الختامي لمؤتمر (الرياض 2) أن “هدف التسوية السياسية هو تأسيس دولة ديمقراطية”، والأولوية لصياغة الدستور والانتخابات الحرة النزيهة، ثم تَرِدُ عملية الانتقال السياسي الجذرية. تجمع هذه الفقرة التي أقرَّها معظم المؤتمرين في الرياض، وسجَّل عديدون تحفظهم عليها، تجمع ما بين مسار جنيف ومسار سوتشي، والمعضلة في ترتيبهما الزمني، فالثورة تطلب الانتقال السياسي ثم الدستور والانتخابات، وروسيا تطلب معرفة ما الذي سينص عليه الدستور أولًا، ثم معرفة الحكم البديل لسورية عبر الانتخابات ثانيًا، ثم إقرار الانتقال السياسي بناء على ما سبقه.

في هذا السياق، نجد المعارضة، كما هي منذ البدء، متأخرة عن متطلبات نجاح الحراك السوري بخطوات كبيرة، وتنتظر قدوم الحدث لتبدأ ردات الأفعال عليه، فها نحن اليوم، بعد سبع سنوات على بدء الثورة، وبعد أكثر من عامين على مطالبة المجتمع الدولي بخطوط واضحة للدستور المستقبلي لسورية، نجد أمامنا على الساحة السورية عدة دراسات دستورية مهمة، لكن أيًا منها لم يحصل على إجماع المعارضة، ولا على التوافق الشعبي، وها نحن فارغو الأيدي، لا نملك ورقة إعلان دستوري مؤقت، لمواجهة الخُلاصة التي رسمها المجتمع الدولي لهذا المسار، حينما شكل لجنة دستورية، عبر المبعوث الأممي، تكون نسبة المطالبين فيها بالتغيير الجذري لبنية النظام أقلية، قد لا تتجاوز خُمسها، ويستبعد ذلك إمكانية التأسيس لدستور يمنع الأسد من إحكام قبضته على مصير السوريين لعشرات السنوات الأخرى.

ليس واضحًا إن كان هناك استراتيجية عملٍ للمعارضة في الماضي، لكن الاستراتيجية اليوم تقتضي مقايضة نظام الأسد، فهو متهم -عدة مرات على التوالي- باستخدام الأسلحة الكيماوية، ومن الممكن الدفع نحو قرار إزاحته، إن وُجدت البدائل المناسبة ومنها:

– ضمان توافق سوري على ورقة إعلان دستوري مؤقت، يوضح معالم دولة سورية المستقبلية، ويؤكد على فصل الدين عن الدولة، وعلى الالتزام بحقوق الإنسان، وضمان المواطنة المتساوية للجميع، وضمان حقوق دستورية لجميع الإثنيات والمذاهب المشكلة للنسيج السوري، ويدحض مخاوف المجتمع الدولي والرماديين السوريين من تشكُّل دولة دينية أو قومية متشددة، وهو ما ستقرره اللجنة الدستورية المحدثة في سوتشي، لكن الفرق أنها ستحافظ على مخالب الأسد الأمنية والعسكرية، بينما على السوريين، ولا سيّما الحقوقيين، إيجاد الخطوات القانونية الموثقة دستوريًا التي تمنع إعادة ترشحه أولًا، وتؤدي إلى محاكمته مع كل من أجرم بحق السوريين ثانيًا، وتسحب الصلاحيات اللامحدودة من يد كل من سيحكم سورية مستقبلًا، منعًا من تصنيع طغاة جدد بلبوس مختلف.

– كل ذلك ممكن عبر حراك سياسي مدني ذاتي للسوريين، في الداخل وفي بلدان الشتات، بحيث يفرض التوافق السوري شروط المقايضة، وسيتطلب ذلك مبادرات وطنية جريئة، كانكفاء بعض التيارات المعارضة التي تُطرح حولها إشكالية توافق وطني، عن المشاركة في الانتخابات على سبيل المثال، أو في مبادرات أخرى تضمن الخروج من عنق الزجاجة الشائك المتمثل بنظام الأسد، تمهيدًا للتأسيس لحياة ديمقراطية سليمة في سورية التي ستتطلب النهوض بجيل كامل على أسس سليمة.

– الاهتمام بالمبادرة السياسية المطروحة من قبل الدول الخمس، ليس بكونها تحمل الحل، لكن بكونها تحمل أفكارًا يمكن أن يبنى عليها، وتكميلها في ما يتعلق خصيصًا بمصير مجرمي الحرب ومستخدمي الأسلحة المحرمة دوليًا، بحيث يُكسر الجمود المسيطر على مسار جنيف منذ بدأ.

– التصدي للتقسيم الواقع اليوم على سورية، فإن كانت سورية ستخضع قسرًا لوصاية ما؛ فلتكن وصاية الأمم المتحدة في فترة محددة، إلى حين خروج الميليشيات والمسلحين الغرباء، وإعادة هيكلة جيش وطني سوري، مهمته الدفاع عن الحدود ضمن مضامين السلام في الشرق الأوسط، وبعيدًا عن ادعاءات نظام البعث بالمقاومة الزائفة التي دفع ثمنها الشعب السوري عقودًا من مسار تطوره ونهوضه.

في الحقيقة، إن القوة الدولية لم تدعم حق الشعب السوري في مسعاه للكرامة والحرية، فليدعمه السوريون أنفسهم إذًا، بالعقل والحكمة والتوازن، فبهؤلاء نهضت حضاراتنا الماضية وليس بالبلطجة والكذب والعَصَبية، فهلّا نعتبر.