مقالات الرأي

ضرورات موضوعية لمواجهة ما بعد سوتشي

 

لم تكن نسخة سوتشي الفاشلة من دراما المفاوضات تعبيرًا، بأي حال من الأحوال، عن واقع النظام السوري ومعارضته المرضي عنها روسيًا، بقدر ما كانت عنوانًا صارخًا ليأس مجموعةٍ من المعارضة السورية، وجدت في سجادة دمشق الممتدة إلى موسكو محاولةً لخروج كل الأطراف عليها من مأزقها، بالرغم من أن هذه المعارضة، وبعض أطرافها في المنصة والهيئة العديدة الأسماء، تُدرك أن كل بنود أوراق نظام الأسد ومقترحات موسكو لجمع “شعوب سورية” هي لتكريس القضاء على الثورة السورية، وتنصيب “قدر الأسد للأبد”، واستبعاد هذا القدر من أي نقاش لضرورات تحدثنا عنها مسبقًا، وباتت معروفة لجميع السوريين والعرب.

على أننا ينبغي أن نوضح بجلاء، منذ البدء، أن لهذه الدراما وجهين: أولهما جانب شعبي حقيقي، يحمل مضامين مهمة على المديين القصير والطويل، يخوض معركة الخلاص من الطاغية، وذات نفع مباشر لقضية الحرية والكرامة والمواطنة السورية، وثانيهما ذو نفع سلطوي ومعارض، رضي أن يقوم بدوره بغية إنقاذ المنتفع الأول، وليست معزولة أبدًا عن التحرك الكثيف الدولي والإقليمي الدراماتيكي على صعيد القضية السورية، لتوفير إجماع يقضي بمؤازرة الأسد لا الشعب السوري.

الآن، وقد انقضت جولة اللقاء الحميم بين القاتل وعضلاته، وبين القتيل، على عزف النشيد الوطني؛ يعود السوريون إلى سراقب وإدلب وعفرين والغوطة واللطامنة وريفي حماة وحلب، حيث يُحاور كلور النظام وبراميله أجسادهم، وتعود موسكو ونظام الأسد لترداد مقولات مخادعة، حول الدستور والانتخابات والحفاظ على ما يسمى وحدة الأراضي السورية، تنجلي الخديعة والوهم من أمام السوريين، لتيقن الشعب السوري أن نظام الأسد المجرم الذي رهن سورية، مقابل شروط احتلالية مذلة ومهينة مع كل من موسكو وطهران، افتقد إلى الأبد وظيفة أساسية ترتكز إليها أي سلطة في العالم، وألغى بالضرورة تعريف نفسه بالمعنى القانوني والسياسي والأخلاقي، وانحصر دوره في الإجرام والقتل، كتعبير أبدي ملتصق به لن تغيّره الشعارات.

من هنا، فإن الحديث عن مرحلة ما بعد الفشل يترتب عليه، كما قبله، ضرورات موضوعية وذاتية، في ظل عجز المعارضة السورية عن تحقيق قفزات ملموسة على الأرض، فليس من الغريب أن تبدأ معالم ردة فعلٍ أكثر وحشية وإجرامًا من قبل الروسي والإيراني، مع نظام الأسد، بالتصعيد العسكري، في فترة هي من أخصب وأخطر وأهم فترات الثورة السورية ونضال الشعب السوري، لذلك تقفز أسئلة فارضة نفسها عن ملامح الفترة القادمة، في ظل فشل موسكو في إنجاح مسرحيتها، بعد فشل الأسد العسكري والأمني والاقتصادي والاجتماعي، الذي كلف سورية فواتير هي الأعلى في تاريخها.

مطلوب فهم حقيقي وفعلي وهادئ، للمرحلة الجديدة، وما شهدته من تحولات وتغييرات طرأت على الواقع السوري، وحسم مسألة أساسية في ذهن القوى السياسية المعارضة بأن لن يكون هناك حل أو مستقبل للشعب السوري في ظل وجود الأسد، تلك ركيزة أساسية يجب الحسم فيها بعيدًا عن العفوية والارتجالية، ويكفي الشعب السوري ما دفعه من أثمان كبيرة، نتيجة للارتجال والتذاكي والعفوية.

المراهنة من جديد على عقد تسوية سياسية شاملة، يكون الأسد جزء منها، كما يتمنى مهندس معادلات سوتشي بوتين ولافروف، أو ما يخفيه قناع دي ميستورا، لن تغير تلك المراهنات في حسابات إعادة جمع أوراق التفاوض مجددًا وبعثرتها من جديد، منطق كهذا لن يصمد أمام الواقع الذي يجري التعبير عنه، سوريًا وروسيًا وإيرانيًا وتركيًا وإسرائيليًا، لأنه أسقط رغبات هؤلاء في سلة النظام، وبقي المجتمع الدولي مُلتزمًا بثوابت محددة نحو وظيفة النظام السوري، جرى التعبير عنها بأشكال مختلفة وبأساليب معينة، وفقًا لما طرأ من تطورات على صراع الشعب السوري مع الطاغية في دمشق وحلفائه من ناحية، ولما طرأ من تطورات على الصعيد العربي ممثلة بقيادة الثورات المضادة من ناحية أخرى، كان لجرائم الأسد فيها ثوابت أساسية، لا تحتاج إلى ما يدل عليها أو التعريف بها لكن يمكن إجماله دومًا بتعريف النظام المجرم أو العصابة.

العنوان بدون شك معقد ومركب، كتعبير عن تعقد واقع وظروف الشعب السوري، لذلك لا ندعي أننا سنغطي كافة جوانب ضرورات ما بعد الإخفاق الروسي، فهناك إخفاقات كبرى للنظام المجرم، لم تُستثمر بشكل يفيد مطالب السوريين، لكن إضاءة بعض الجوانب التي قد تسترعي انتباه بعض قوى المعارضة التي تعرف نفسها وطنية أو إسلامية أو علمانية، أن تعود إلى شعبها وشعاراته الأولى والأخيرة لإسقاط الطاغية ونيل الحرية والكرامة.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

إغلاق