تجليات وأوهام سوتشي

 

كان لا بدّ من سوتشي، كي ينقشع الغمام وتتضح الرؤية، لمن في بصيرته بعضٌ من غبش؛ فقد أخذ من وقت السوريين وجهدهم الكثير، على أمل أن يتحقق أي شيء يقود إلى تغيير الحال، وفقًا لما خيّل إليهم، بأن موسكو التي تشن حربًا شرسة ضد السوريين سوف تنهكها الحرب، وتبحث عن نافذة تمكنها من تدوير العجلة باتجاه القطاف السياسي، في مرحلة وصل فيها الإنهاك السوري، ويُتم ثورته، إلى ذروة قصوى؛ فيكون لها التحكم بمسار المعارك على الأرض، وبمصير السوريين في المستقبل، وتنتزع شرعية الاستحواذ على الملف السوري وحدها، في هذا العالم المضطرب سياسيًا. لكن ذلك التصور أنتج عكس ما أريدَ له أن يكون من تداعيات، كما اعتقد.

دون أدنى شك، لم يعد من الممكن إيجاد حلّ للقضية السورية، من دون تدخل قوى خارجية فاعلة وحاسمة. والمعضلة الأساسية ليست كامنة في الأطراف السورية وحدها، أو في ما بينها، كما يعتقد البعض، ولكنها أشد تعقيدًا، نتيجة لتدخل القوى الخارجية، وتشابك المصالح إلى درجة شديدة التباين. المعضلة تكمن في أن القوى الدولية المؤهلة لوضع حلّ حقيقي، هي ذاتها القوى المتحاربة والمتصارعة على الساحة السورية، سياسيًا وعسكريًا وأمنيًا. وبالتالي فإن أي حل سوف يكون في خدمة مصالح تلك القوى، وما ينتج عن تلك التوازنات قد يقود في الهامش إلى حلّ جزئي ومؤقت في سورية.

جميع الأفكار المطروحة للحل، سواء من قبل الولايات المتحدة، أو روسيا، لا ترتقي إلى حجم المشكلة الحقيقية في سورية، ولا تتلمس جوهر الصراع بين قوى الاستبداد، والمدّ الثوري الشعبي، الذي ضاق ذرعًا بقيود الطغاة فخرج عليهم. وما يزال الخطاب السياسي، في دوائر صنع القرار، يدور حول المسألة من خارجها، بينما هو في صلب القضية جزءٌ منها على الأرض، وتتحكم بأدوارها ومفاعيلها وقراراتها، المؤسسات الأمنية والعسكرية، فيما يستمر الجانب السياسي والديبلوماسي صدى لذلك؛ فتبقى القضية السورية، بعيدًا عن طاولة البحث وأولوية معالجتها، كقضية تتصل بالسلام العالمي، قد تحدد أطرًا جديدة في سياق التنازع بين موسكو وواشنطن.

تدّخل القوى الخارجية، بالصورة التي نشهدها اليوم، سيقود بالضرورة إلى حل تتفق عليه القوى الدولية والإقليمية، وتفرضه على السوريين. هذا قائم، وتجري الأمور في سياقه، طالما أن السوريين لا يمتلكون المقدرة على إنتاج حلّ، ولا يمتلكون الوسائل لذلك في حال الاتفاق على رؤية شاملة، وآليات تطبيقها. لا إرادة دولية في كل الحالات، ولا قرار لدى المعارضة السورية، كما أن النظام الأسدي فاقد لأدنى أساسيات ودعائم السيادة الوطنية. والحل الذي سوف يُفرض على السوريين سوف يكون مفصلًا على مقاسين متضادين: روسي وأميركي، ولذلك سيبقى حاملًا لبذور التنازع، بين مختلف الأطراف والقوى.

على الرغم من تجليات الضعف والوهن، أعاد سوتشي الاعتبار لدور المجتمع الدولي، من حيث لا يقصد. لقد فشل المؤتمر في تسويق الرافعة الروسية للحل، وأظهر ضعف الأداء السياسي للدبلوماسية الروسية، في الإطار الدولي، كما على الصعيد السوري، خاصة في ما يتصل بمحاولة الكرملين الحثيثة على تجاوز مبادئ جنيف، ولقاءات التفاوض التي جرت خلال السنوات الثلاث الأخيرة. أي القفز على دور الأمم المتحدة، وطيّ أهم القرارات التي اتخذها مجلس الأمن بشأن الحل السياسي في سورية: القرار 2254.

في الواقع، فرضت موسكو مؤتمر سوتشي، وأجبرت الأمم المتحدة على المشاركة فيه، على الرغم من عدم الاستجابة للشروط التي حددها الأمين العام للمنظمة الدولية غونتيرس، والتي تضمن الالتزام بمسار الأمم المتحدة، وأن يكون سوتشي خطوة دافعة فيه نحو الحل، وعلى الرغم أيضًا من موقف واشنطن وباريس ولندن من المؤتمر، وهو موقف لم يكن نابعًا من الإيمان بضرورة دعم السوريين لوقف الحرب ضدهم، وإنما على خلفية التخاصم بين تلك الدول وروسيا.

على أي حال، الأمم المتحدة نفسها، بين حجري الرحى، قد تكون أحسن حالًا من المعارضة السورية، قليلًا. فقد فشل مجلس الأمن عشية ختام سوتشي في تمرير قرار قدمته الكويت والسويد، لدعم وتطوير الإجراءات الإنسانية الإغاثية في المناطق المحاصرة والمنكوبة في سورية. وعلى الرغم من ذلك، فإن التمسك بالمبادئ الأساسية للحل في سورية يعود إلى الساحة مجددًا، وإنْ كانت الخطة الخماسية المقترحة لا تتضمن مصير الأسد ورحيله. وفي مقدمة تلك الأسس، الانتقال السياسي عبر هيئة حكم انتقالية، وهو ما تريد موسكو القفز عليه، وطيّه تمامًا سواء عبر سوتشي، أو كل المشاورات واللقاءات التي دعت إليها ورعتها، وكذلك تلك التي لعبت فيها دورًا محوريًا في تطويع نتائجها بصورة نسبية، كما في فيينا، يجنب اتخاذ موقف دولي حاسم برحيل الأسد، وتغيير النظام الحاكم في سورية، منذ نصف قرن ونيّف.

كان لا بدّ مما جرى في سوتشي، لننظر بعين واسعة ومدركة إلى مرامي وغايات أي خطوة تتقدم باتجاهها المعارضة السورية. صحيح أنها محكومة بدور القوى الإقليمية والدولية، غير أنها تملك هامشًا يمكنها من اتخاذ سبيل الصواب، فلا يمكن المشاركة في (حوار) مع الروس أو النظام الأسدي والإيراني، في ظل استمرار ارتفاع وتيرة القصف الوحشي الذي تتعرض له المدن والقرى السورية. لا يستقيم أي حوار في ظل الحصار الخانق والتجويع المفروض على السوريين، لا يمكن مشاركة القتلة والمحتلين في ظل المصير المجهول لعشرات آلاف المعتقلين والمختطفين والمغيبين قسرًا.

كان لا بد من سوتشي، كي نعرف جيدًا أين يقف كلٌ منا، وما هو موقع القضية لديه، وكيف يفكر!