بيوت الإعلام الزجاجية

 

أغضبَ مذيعٌ يعمل في القسم العربي لتلفزيون (بي بي سي) جمعًا من المعارضين السوريين؛ بسبب موقفه الذي بدا متحيّزًا بصفاقة وصراحة إلى السلطة القائمة في دمشق، من خلال إدارته لحوار أجراه مع مُحلل سوري معارض، بخصوص التدخل العسكري التركي في الأراضي السورية. وقد عبّر المنتقدون عن سخطهم البالغ، بأشد العبارات، مشيرين إلى انعدام “مهنية” هذا المذيع، وميوله السياسية الفاضحة التي ظهرت جلية أثناء محاورته للضيف وتعليقاته عليها. ويبدو أن هذا المذيع، كما العديد من سواه، ينتمي إلى تيارٍ سياسيٍ لبناني انتقل، بقفزة بهلوانية مدروسة، من عداءٍ دموي لهذه السلطة التي حاربته ونفته يومًا، إلى غزلٍ يوميٍ بها وبأفرادها مُكلّل بتعاون يتجاوز ما يمكن لأعتى حلفائها التاريخيين في لبنان أن يُقدموا عليه.

من الناحية المهنية، بدا واضحًا أن المذيع المذكور منحازٌ بشدة إلى طرف من أطراف المسألة السورية. وعلى الرغم من إمكان الاستفادة من الخبرة التي تمنحها فرصة العمل في المحطات العريقة كما (بي بي سي)، فإن سذاجته الإعلامية أو التزامه “الحزبي” أعمياه عن الالتفاف أو المداورة أو التشذيب في الموقف أو في القول، كما افتقد الكياسة بإظهار ردات الفعل. وبدا وكأنه مكلفٌ بوظيفة تليق بمذيعي الدرجة العاشرة من المحطات الرسمية العربية. انتقاده الشديد إذًا محمودٌ، ولا شيء يدعو لكي نحاول أن نبتدع له الحجج والتبريرات.

من جهة أخرى، تنطّح لانتقاد السيد عديم المهنية هذا، وبالأحرى شتمه، عددٌ كبير ممن تصدروا قيادة “الآلة” الإعلامية التي عرّفوها بالثورية أو بأنها إعلام الثورة من إعلاميين محترفين، أو ممن امتهنوا الإعلام في السنوات القليلة الماضية، عبر النشاط الموازي للحراكين السياسي والعسكري. وظهر هجومهم في تصريحات وتحليلات طالت ولم تقصر، حول مسألة المهنية في معالجة الحدث، والموضوعية المطلوبة في مقاربة المسائل الشائكة. وتطوّر الأمر لدى بعضهم إلى اعتبار أنّ ما هرف به هذا المذيع هو جزءٌ من “مخططٍ” بريطاني، للانتقاص من معنويات القوى الثورية. وفي ترجمة بعثية لهذا الكلام، يمكننا أن نستبدله بعبارة “وهن عزيمة الأمة” التي ما فتئنا نسمعها، في كل مناسبة يُراد بها الزج بالمعارضين السياسيين في غياهب المعتقلات. وصار هذا الشخص “ملطشة”، وصار منتقدوه جهابذة في العمل الإعلامي ومفاهيم الحيادية والموضوعية والمهنية.

في المطلق، ما تعرّض له السيد أنطوان خوري، وهذا اسم نجم البرامج الحوارية في (بي بي سي) العربية، هو جزءٌ مما يستحقه جرّاء إدارته للحوار السياسي بهذه الطريقة. وقد سبق أن عُرف عنه أنه متبحّر في التعامل بالأسلوب نفسه، مع مختلف أبعاد الملف السوري. ولكن، هل ما قام به، كما يقوم به دائمًا وأبدًا آخرون سواه، ممن وضعوا قناعاتهم العقائدية وتحيّزهم السياسي أو الحزبي فوق كل المعايير التي يمكن أن يتم الاطلاع عليها، في كتب الصف الأول من كلية الإعلام، هل ما قام به إذًا ماركة مسجلة للإعلام الذي يُحابي السلطة السورية؟ أم أن ممارسته ضعيفة البنية وهشّة المنطق هي جزء من مسألة بنيوية، تشمل في جنباتها مجمل العاملين في الحقل الإعلامي العربي أو على الأقل الغالبية العظمى منهم؟

في المسألة السورية تحديدًا، ومن جهة المعارضة السياسية، يجدر التنويه إلى العجز الواضح في بناء سياسة إعلامية مهنية تحترم ألف باء المهنة، على الرغم من الجهود الكبيرة ومن المشاريع التدريبية التي مولتها جهات دولية عدة، ومنها مؤسسة (بي بي سي) وسواها. وواضح أن الممارسات الموروثة ما زالت تسيطر على أساليب التفكير، كما العمل لدى الجزء الأكبر ممن اختار معارضة النظام. فلغة المبالغات التي تصل غالبًا إلى درجة الكذب الصريح صارت واضحة. كما أن القطع الساذج بأن كل مُحاوَر لم يكرر شعارات الثورة، ولم يتبن خطابها التعبوي فهو معاد، لا يُشابهه في المستوى إلا الحسم المقابل لدى إعلاميي السلطة الذي يعتبر أن من لا يتشدق بالمدائح للسلطة ورموزها هو خائن.

من دون التعرّض للأسماء، كم من وسيلة إعلامية مُعارِضة أو تدعم المعارضة تلتزم بالقواعد المهنية للعمل الإعلامي؟ مع التأكيد على أن الحيادية المطلقة ليست مطلوبة، وأن اتخاذ الموقف ليس من المُحرّمات، لكن طرق ذلك يجب أن تحترم بالحد الأدنى عقل المخاطَب بعيدًا عن الغوغائية المفهومية والعنف الصوتي.

ليس ما ورد هو في باب المقارنة والمماثلة. ومن المحسوم -بالنسبة إلي على الأقل- أن بيت الإعلام السوري الرسمي أو الخاص الممول من الفساد المنهجي ذي الزجاج القذر هو من أسوأ ما عرفه التاريخ الحديث من حشوٍ ولغوٍ وتشويه حقائق وتحريضٍ على الآخر المختلف. لكن بيت الإعلام المعارض ما زال من زجاج لم تتبين معالمه، وذلك من خلال خطابه وممارساته ومبالغاته، وتحريض بعضه أيضًا على عنفٍ مقابلٍ. فانتقاد الإعلام الرسمي أو الموالي وإدانة أكاذيبه المتعددة، كما ممارسات بعض العاملين فيه مما يمكن أن يُعدّ جرائم موصوفة، يجب أن يُساعد في دفع العقلاء من الإعلاميين المعارضين، وهم كُثر، إلى المحاكاة التي يبدو أنها تتبلور، بين بيتين زجاجيين يتراميان بالحجارة.

1 عدد الردود

التعليقات مغلقة