أبحاث وتحليل سياسات

إلياس مرقص في ذكراه: دفاعًا عن الثورة والعقلانية

 

ليس لأن إلياس مرقص فيلسوف وناقد ومفكر سوري وعربي أنتج العشرات من الكتب والترجمات في زمن قياسي وفقط، بل لأنه كان دائم الحضور في النقد وتصور عالَم اليوم والغد والدفاع عنه. وهو -كما غيره من مفكري الأمة التي ترغب في أن تكون، وربما في مقدمتهم- الأكثرُ شقاءً في الوعي والمعرفة والسعي للتأسيس لوطن هو أمة ودولة، معرفيًا وعقليًا.

فحيث يكون النقد، سلبًا أو إيجابًا، هو الأسهل على الناقد والقارئ معًا، يكون وضع التصور البديل، والبحث في أسسه وتأسيسه المعرفي والدفاع عنه أيضًا، كونه إمكانًا عقليًا له سمة “السلب” و”النفي” و”التوقعن”، نفي ما هو قائم كواقع متعين، يظن من هم في حلقاته أنه مطلق، “إلهي”، ثابت، منتهٍ وغير قابل للتغيير، كما واقع الاستبداد الذي عشناه عقودًا، وربما قرونًا قبله؛ عندئذ يصبح هذا النقد عقلًا يشقى بنفسه، ويقف على قمة الألم والمعاناة، في التأسيس لتلك القيم التي تخالف تيار التأخر والاستبداد، واستبدالها بجملة قيمية مفاهيمية، تكتنف روح الأمة ورؤاها، هو عقل يشقى بوعيه وبمصير الإنسان. إنها العقلانية والوعي الكوني الذاهب في النقد والتأسيس المعرفي معًا، وهي العمل الأصعب والأشقى في عالم الممكن، وفي شق سيره بين المسلمات والثوابت، إنها جنين ثورة قبل الثورة الفعلية.

الجدل عند إلياس مرقص (المتوفى مبكرًا في 26 كانون الثاني/ يناير 1991) -كما عند كل خطِّ العقلانية الذي لم تحتضنه ثقافة الموت والاستبداد السياسي والديني من قبل- ليس قوانين فيزيائية، كما عند غالبية “الماركسيين” والشيوعيين العرب والسوريين منهم خاصة، فلا المادية الديالكتيكية قرآن، ولا ماركس “إله”، كما أراده أولئك الذين ادعوا حلّ الكون بمجموعة من النظريات، افترضوها مسلّمات وقوانين طبيعية؛ فجلبوا الاستبداد الفكري والعسف الذهني، وأحالوا الأفكار والتصورات لجملة من المسلمات والقوانين المادية، ونزعوا منها الروح والنقد، وليس هذا وحسب، بل صبغوها بضحالة القيمة الفكرية والأخلاقية؛ فكانوا دعامة من دعائم الاستبداد والسلطات القاتلة في مجتمعنا وثورتنا في عالم اليوم، كما في ما يسمى “جبهة وطنية سورية”، حيث كانت مقدمة كارثة نجني نتائجها اليوم دمار وكوارث.

الجدل هو نظرية في المعرفة أولًا والمنطق أيضًا وليس ثانيًا، نظرية المعرفة والمنطق التي ترقب خط التاريخ، تدرس سيره الطبيعي وقفزاته “الطفرية” النوعية، في الوعي والتقدم البشري نحو الإنسانية كعقل وروح، إنها جمل معرفية متعاقبة متتالية ترتقي مع الزمن، تدور على عقبي المعرفة والروح، وتستند إلى جداري العمل والممكن، كما كان الحلاج يومًا يدور نحو الأعلى، هذا الدوران الارتقائي يحدّ الخط المستقيم الزمني الذي يبتذل المعنى، في حضور الأمم وتشكلها على أنها نتيجة لموروثها وفقط، وتنظر إلى الكون في انحنائه ودورانه المرتقي للأعلى. هي عقلانية الثورة والرؤية، قبل أن تستحيل ثورة شعبية بعقود؛ فكانت ثورة اليوم لسورية ثورةً شهد العالم على ولادتها مع بواكير حملها، وكذلك كان “الله”، وأيضًا كانت ثقافة “النفس الأمارة بالسوء” ذات غائية مفرطة في الذاتية، في جني نتائجها، والتسرع على خطف شعلتها بغية مكاسب سياسية آنية، طالما حذر منها خط العقلانية، وإلياس أيضًا، حين يتحقق الإمكان الثوري، كفعل تغييري على مستوى المجتمع والأمة، وتنقله إلى مستويات الدولة الأمة، الدولة العصرية: دولة الحق والقانون، حسب اجتراح (أبو حيان) جاد الكريم الجباعي المتابع مسيرة إلياس، بارتقاء وتقدم أيضًا. “النفس الأمارة بالسوء” هي مقولة إلياس ذاتها، في نقد فساد الأمة في فكرها وأخلاقها واندراجهما في عمل سياسي، هو ذاته العمل الذي مارسه الغالبية في الثورة مستعجلين جنيها السياسي، قبل توضعنها المعرفي والقيمي والكوني؛ فكان ما كان من انتكاسات وارتكاسات ساهمت في تأخر حسمها إلى اليوم، بينما كان يمكن الحصول عليها كحق عام، بعد أن تحقق الثورات نتائجها واستحقاقاتها، وكأنه قصر النظر المعرفي البشري.

الفكر الكوني، العقلانية في ذاتها، النقد والمنطق والمعرفة، هو إنتاج لحظة اللقاء والتزاوج بين نظرية المعرفة بعمقها الفلسفي والأخلاقي، مع نظرية العلوم وتخصصاتها المتعددة، تلك الوصلة الفعلية التي دشنها دي برولي (فيزيائي القرن العشرين) في مثنوية الطبيعة المادية/ الموجية، والتي تقابل معرفيًا جدلية المادة/ الروح التي تحدث عنها المرحوم إلياس مرقص، في نقد العقلانية العربية، تلك العلاقة التي تشترط المعرفة العلمية بوجود حدين مشروطين معًا في شكل الوجود، كل منهما يلجم الآخر من الشطط، فلا تصبح الحياة مجرد مادة وحسب، ولا هي روح لاهوتية وحسب، بل ثمة تبادل معرفي، جدل وصيرورة؛ وأيضًا هذان الحدان ليسا متناقضين ومتفانيين مثنويًا، بل مولدان معًا لجمل الحياة الأخرى في شروط الزمان والمكان.

يقول هانز غادمير، في كتابه المعرفي (الحقيقة والمنهج): “إن ما هو محتمل، وما هو ممكن، وما هو صحيح، هنا والآن، واعتقد أن على الفيلسوف، والناس جميعًا، أن يكون واعيًا بالتوتر بين تحقيقه والواقع الذي يجد نفسه فيه”، هذا الإمكان العقلي غير المنظور في المحيط الطبيعي للإنسان، عندما يكون الواقع جملة من المسلمات غير قابلة للشك، للتغير، ولنقل للزحزحة عن مركز توازنها أو مركزية وجودها في الكون، فتنفي أي رؤية خلافها، وتقيم عالمًا من الأصنام المعرفية، من “الآلهة” البشرية؛ ما يجعل مهمة العقل أصعب في نقل هذا الممكن إلى حيز الواقع. في هذا الموقع المتغير على الدوام، كان إلياس مرقص، الشخص الذي صنفه (مركز دراسات الوحدة العربية) “فيلسوف العرب في القرن العشرين”، ولا زال حضوره المعرفي والموسوعي والجدلي حاضرًا في عالم الفكر اليوم، وفي طيّات وبطائن الثورة اليوم، يدرس، يتابع، يدقق، ينقد، يحمل مع أبناء الغوطة وإدلب وحلب وحمص ودرعا والشام، وكل السوريين المندفعين نحو الحياة بثورة عارمة، فكان لهم الموت بالمرصاد جماعة وفرادى، ومع هذا بقوا وصابروا وكابروا واستمروا. إنه فعل الثورة، وقد اكتست لحمًا وروحًا وإمكانًا، كان ذات يوم عقلًا خالصًا، وبات اليوم شبه حاضر يتوضع على مسيرة الأمم، رغم كل الآلام والتضحيات، إنها روح أمةٍ تحدث عنها هيغل ذات يوم، تهوم في فضاء الكون ترتقب الاستحقاق الإنساني، ستكون لحظة تاريخية حين توقعنها، ليس في مسيرة الأمة فحسب بل في تاريخ البشرية، وقول العقل يردد: ما قبل الربيع العربي والثورة السورية تاريخٌ، وما بعده تاريخ آخر.

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

إغلاق