أدب وفنون

العرب والديمقراطية.. أين الخلل؟

 

 

ينطلق كتاب (العرب والديمقراطية.. أين الخلل) لمؤلفه عبد الله الطوالبة، من فرضية أساسية أن الديمقراطية فلسفة مركبة من قيم الحرية والعدل والمساواة وتداول السلطة واحترام التعددية، وهي عملية تطور تاريخي، تعتمد التراكم إلى أن وصلت إلى ما هي عليه اليوم، كما نرى في الدول الرائدة في هذا الشأن.

يرى المؤلف أن الديمقراطية ضمانة لحرية الإنسان وإطلاق طاقاته الإبداعية، ورافعة حقيقية للتقدم والنهوض، وهي نهج في التفكير، وأسلوب في العمل السياسي، يتيح التداول السلمي للسلطة السياسية، وأنها تبقي أفق التغيير السياسي مفتوحًا؛ لينتج فرصًا أكبر لاستقرار المجتمعات وتعميق تلاحمها الداخلي وتعزيز الانتماء إلى الأوطان، من خلال تعميم قيم العدل والمساواة.

يدرس المؤلف الأسباب السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي تضافرت معًا، لتشكيل فتيل الحراكات الشعبية في دول الربيع العربي، ومن ثم يدرس طبيعة هذه الحراكات: أثورات هي أم انتفاضات شعبية؟ ومن ثم يدرس تجربة الإسلاميين في الحكم في كل من تونس ومصر.

يتساءل عن سبب عدم ملء فراغ سقوط أنظمة استبدادية في دول الربيع العربي، فيقول: لقد أدى الهروب من استبداد الأنظمة السياسية إلى صعود الإسلام السياسي، وهو بمختلف تنويعاته، عنوان استمرار هيمنة الماضي في الحاضر، واستبداد سلطة السلف. وهذا يعني تجذر الاستبداد في البيئة العربية، كما يعني عدم توافر الشروط الثقافية للديمقراطية بعد؛ إذ إن الحاكم والمحكوم في واقعنا العربي، يجمعهما ضعف الثقافة الديمقراطية. والفكر العربي -بمختلف تلاوينه- مسكون بزعم، أو على الأصح بوهم، امتلاك الحقيقة، ومصاب بالمطلقية، يستوي في ذلك الإسلامي السلفي ومدّعو الاعتدال، وكذلك القومي والماركسي، والليبرالي أيضًا.

يبحث المؤلف في جذور الاستبداد في ثقافتنا، وفي مرجعياتنا التأسيسية، ويركز على دور القاع الثقافي الاجتماعي في إنتاج الاستبداد: السلطوية الثقافية والسلطوية السياسية، إذ لا وجود للثانية من دون الأولى. ويبحث -أيضًا- في تمحور العقل العربي حول النص الديني وتكريس الإطلاقية والإقصائية، ويعالج موضوع استثمار الدين في السياسة، لتمكين السلطات الحاكمة من السيطرة على المحكومين، وتعميم قيم الطاعة والإذعان. كما يبحث في موضوع السلطة التي لم يتمكن العقل العربي من تجاوزها حتى اليوم، بدليل الدم الذي سفح على مذبحها، وما يزال حتى اللحظة، يراق على جوانبها، ويعالج موضوع دولة الحاضر العربية من حيث ولادتها المشوهة، كحالة استبدادية لا تستمد شرعيتها من المحكومين على أساس التعاقد، إضافة إلى تركيبتها الاجتماعية والاقتصادية الهشة، حيث تتداخل فيها أنماط الإنتاج السابقة على الرأسمالية مع تداخل مواريث النظام السلطاني والكولونيالي.

يشير المؤلف إلى أن الحياة السياسية العربية لم تعرف في الماضي الصيغ التعاقدية للحكم، ولم تعرفها دولة الحاضر العربية؛ فالنظم العربية القائمة، إما ملكية جاءت بالتوريث، أو امتداد لأنظمة الانقلابات العسكرية التي شهدتها دول عربية عدة، خلال ما يعرف بمرحلة التحرر الوطني، بعد الحرب العالمية الثانية، حتى نهاية ستينيات القرن الماضي، ولا تزال القوات المسلحة في الدول العربية تحتفظ لنفسها بدور فاعل في التدخل بالشأن السياسي، سواء كان ذلك بتنظيم انقلاب ضد نظام قائم، كما حصل في السودان عام 1989، وفي مصر تموز عام 2013، أو لحماية الأنظمة من شعوبها (سورية بعد آذار 2011).

شاع مبدأ الانقلابات العسكرية، في خمسينيات القرن الماضي وستينياته، كوسيلة لانتقال السلطة، والأرجح انتزاعها بالقوة والغلبة، باسم التغيير الثوري وتحرير فلسطين، إثر التحدي الصهيوني وهزيمة الجيوش العربية عام 1948، لكن هذه الانقلابات استبدلت بالسلطات الاستبدادية التي أطاحت بها سلطات أكثر استبدادًا، أي أن دولة الحاضر العربية لم تشهد تداول السلطة خارج نطاق التوريث والانقلابات، باستثناء تونس بعد الربيع العربي، وهو ما يعني استمرار الاستحواذ على السلطة بالاستيلاء والغلبة، وهما الفعل المؤسس للاستبداد، ويعني -أيضًا- استمرار إشكالية السلطة السياسية، بجوهرها القائم على ممارسة الحكم،  دون تفويض المحكومين وبالضد من إرادتهم! وبذلك تستمر نماذج الاستبداد العربية التي كانت قائمة في الماضي، بصورة حكم الفرد المستبد أو الاستبداد العائلي والقبلي، يضاف إليها الاستبداد الحزبي. ولعل المفارقة الملفتة، بعد انتفاضات الربيع العربي، والتحولات التي شهدها العالم منذ أواخر القرن العشرين، أن الأنظمة الملكية الموصوفة بالتقليد، تبدو أكثر قدرة على الانفتاح واجتراح بعض التسويات مع مجتمعاتها، من خلال إجراء انتخابات تتمتع بشيء من النزاهة، وتعديل الدساتير في الاتجاه الأفضل نسبيًا، على صعيد الحريات، كما حصل في الأردن والمغرب، لكن الأنظمة الجمهورية ظلت عاجزة عن ابتكار مثل هذه التسويات، لا بل إنها الأشد فتكًا والأكثر شراسة في التعامل مع مجتمعاتها، كما رأينا في سورية وقبلها في ليبيا، على سبيل المثال، بعد اندلاع الانتفاضات الشعبية، في كل من البلدين.

 

الكتاب: (العرب والديمقراطية أين الخلل)

المؤلف: د. عبد الله الطوالبة

الناشر: الدار العربية للعلوم ناشرون 2016 بيروت – لبنان

الصفحات: 392 قطع كبير

المؤلف في سطور: باحث أردني يعمل مديرًا للدراسات والمعلومات في دائرة المطبوعات والنشر بالأردن منذ عام 1993، وعمل في صحيفة (الدستور) محررًا فسكرتيرًا وكاتبًا، له عدة مؤلفات منها: (السيارة السوداء) قصص- مكتبة الرائد للنشر عمان – الأردن 2006 (الحياة النيابية الأردنية ومراحل تطورها) دراسة – دائرة المطبوعات والنشر، عمان الأردن 2010.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

إغلاق