“أضرار جانبية”: مخاوف من ازدياد القتلى المدنيين جرّاء ضربات التحالف ضدّ (داعش)

 

في الوقت الذي يتراجع فيه (تنظيم الدولة الإسلامية/ داعش) في كل من سورية والعراق، تبرز تساؤلاتٌ عديدة حول العمليات العسكرية، التي يقوم بها التحالف الدولي ضدّ (داعش)، وخاصة في ما يتعلق بآثارها على المدنيين. شُكِّل التحالف الدولي عام 2014، ويضم 74 دولةً شاركوا في الجهد العالمي للتصدي لـ “دولة الخلافة” على مستويات مختلفة، ابتداءً من الأعمال العسكرية المباشرة، وصولًا إلى الدعم اللوجستي والاقتصادي. ومع ذلك، فإنّ الولايات المتحدة هي بلا شك الجهة الفاعلة الرئيسية في التحالف، وقد جرى إنشاؤه بناء على مبادرة من إدارة باراك أوباما.

منذ عام 2014، أجرى التحالف أكثر من 27،500 ضربة لدعم العمليات البرية للجيش العراقي ولـ (قوات سورية الديمقراطية/ قسد) في سورية. ووفقًا للتحالف، قُتل نحو 800 مدني، كضرر جانبي، من جرّاء هذه الضربات الجوية. وبحسب تصريحات الرائد شين هوف، المتحدث باسم القيادة المركزية الأمريكية، لصحيفة (نيويورك تايمز) تُعدّ الحملة واحدةً من أكثر الحملات الجوية دقّةً في التاريخ العسكري، بحسب زعمه. فالتحالف لا يقصف سوى الأهداف العسكرية، بعد الأخذ في الحسبان مبادئ الضرورة العسكرية والإنسانية وعوامل التناسب والتمييز، ويذكر الرائد بفخر، في الموقع الرسمي للتحالف، أنّ للطيارين كامل الخيار في اتخاذ قرار عدم القصف إن ظنّوا أنّ هناك أسبابًا إنسانية من شأنها أن تضرّ بمدنيين. ومن جانبه يؤكّد التحالف أنّ فريق تقييم الخسائر المدنية يجري تحقيقًا في كلّ ادّعاء عن وقوع إصابات بين المدنيين، كما يجري تقييمات وتحليلات ميدانيةً أيضًا.

غير أنّ الحقيقة تبدو مختلفةً جدًا، ولا يمكن أن تكون تصريحات تحالف دولي، تقوده الولايات المتحدة، دقيقة وشفافة إلى هذا الحدّ. تشير مصادر مستقلة، مثل منظمات غير حكومية، محلية ودولية، عن خسائر أكبر بكثير من الذي يعلنه التحالف. فعلى سبيل المثال، تشير مجموعة الرصد التابعة لمنظمة (إيرواردز/ Airwards) إلى أنّ الخسائر في صفوف المدنيين ستصل إلى 6000 شخص، أي أكثر بـ 7.5 أضعاف مما يعترف به التحالف الدولي. وأبلغت منظمات أخرى، بما فيها منظمة العفو الدولية، عن أعداد مماثلة أيضًا.

أجرت صحيفة (نيويورك تايمز) تحقيقًا ميدانيًا، دام 18 شهرًا، حول آثار الضربات الجوية للتحالف، وخلصت إلى أنّ واحدة من بين خمس ضربات، بين أولئك الذين تمّ فحصهم أسفرت عن سقوط ضحايا بين المدنيين. وهذا المعدّل يزيد بأكثر من 31 ضعفًا عن تقديرات التحالف، وهي فجوةٌ عاليةٌ جدًا، بحيث يمكننا أن نشهد “الحرب الأقل شفافية في التاريخ الأميركي الحديث”، بحسب الصحيفة الأميركية الشهيرة.

وأعربت منظمة (هيومن رايتس ووتش) عن مخاوف مماثلة، مشيرةً إلى الفجوة بين التصريحات الرسمية والحال المتمثل على أرض الواقع. ففي إحدى تحقيقاتها الميدانية، على سبيل المثال، وجدت المجموعة الدولية لحقوق الإنسان أنّ التحالف الدولي قام، في آذار/ مارس 2017، بقصف مدرسة وسوق في منطقتي الطبقة والمنصورة، وهما بلدتان قريبتان من الرقة، تسبب بوفاة قرابة 84 مدنيًا على الأقل. وكان عناصر (داعش) موجودين أيضًا في الموقع ذاته، ولكن قرار قصف منطقتين مكتظتين بالسكان يزيد القلق في ارتفاع عدد الإصابات في صفوف المدنيين، ويثير الشكوك في مدى جدية التحالف الدولي في الحدّ من الضرر الذي قد يلحق بالمدنيين. وقبل صدور نتائج تحقيقات (هيومن رايتس ووتش)، كان التحالف قد اعترف بالضربات الجوية في المدينتين، لكنّه ادّعى أنّ التقارير المفيدة عن وقوع إصابات بين المدنيين ليست تقارير ذات صدقية. لم تكن تصريحات التحالف مخزية فحسب، بل أفادت المنظمة بأنّه لم يقم أيّ محقق من التحالف بزيارة البلدتين، لتقييم هذه الادعاءات والتحقق من صحتها.

إذا ما جمعنا هذه المشاهد مع بعضها البعض؛ فستتوضح الصورة، بحيث سيزيد قلقنا حيال المشهد العام أكثر بكثير من الذي تتداوله الروايات الرسمية. في العديد من الحالات، لم يحترم التحالف الدولي المبادئ الأساسية للقانون الإنساني الدولي، وبخاصة مبدأ التمييز بين المدنيين والأهداف المدنية والأهداف العسكرية، ومبدأ التناسب الذي ينصّ على أنّ “الأضرار الجانبية” يجب أن تُخفّض إلى الحدّ الأدنى، وتكون متناسبة مع المكاسب العسكرية. وفي كلّ حالة يجب على الجهات العسكرية أن تقوم بكلّ ما في وسعها لحماية المدنيين والحد من الإضرار بهم. ولكن مع الأسف، يبدو أنّ هذه المبادئ لم تكن ذات أولوية في الحملة الجوية الدولية ضدّ (داعش).

أظهر التحالف الدولي السطحية وانعدام الشفافية في التحقيقات التي زعم أنّه أجراها في تقصيه عن وقوع إصابات بين المدنيين، مع احتمال إخفائه مسؤوليات وتبعات الهجمات. يجب ألّا يكون عدم مبالاة النظام السوري وروسيا لعواقب هجماته تبريرًا للتحالف الدولي أيضًا، في التنصّل من مسؤولياته هو الآخر تجاه المدنيين.

وأخيرًا، فشل التحالف الدولي في تقديم تعويض ملموس لأسر الضحايا المدنيين لعملياته. خلال غزو أفغانستان والعراق اتُبِع برنامج التعويض المادي لأهالي الضحايا المدنيين كوسيلة لتحسين العلاقات مع السكان المحليين، ولكن لم نشهد شيئًا كذلك في سورية والعراق، بعد عام 2014. صحيح أنّ المال لا يُمكن أن يُعوّض فقدان أحد الأحباء، لكنه يخفف معاناة أسر الضحايا، بتخفيف أعباء وتبعات الحرب المنهكة.

إنّ الحرب ضدّ (داعش) والإرهاب لا يمكن تحقيقها بقوة السلاح وحدها. إنّها معركة القلوب والعقول؛ إذ إنّ هزيمة (داعش)، مع ترك الضحايا الأبرياء، من شأنها أن تزيد حالة الاستياء، ما يُمكن أن يخلق أرضًا خصبة لجماعات متطرفة جديدة.

 

اسم المقالة الأصلي“Collateral damage”: concerns over the civilian death toll caused by the Global Coalition against Daesh
الكاتب                       لورينزو باريلّا / Lorenzo Barella
المصدرمركز حرمون للدراسات المعاصرة، برنامج الباحثين الزائرين الدوليين
ترجمةوحدة الترجمة والتعريب

 

1 عدد الردود

التعليقات مغلقة