هل تنتقل تركيا من التصعيد الإعلامي إلى العسكري في عفرين؟

 

شكلت التصريحات التركية الأخيرة، حيال نيّات واشنطن دعم تشكيل عسكري جديد شمال البلاد، بابًا للتكهنات حول حقيقة ذهاب أنقرة إلى عمل عسكري على الأرض، يستهدف معاقل الميليشيات التابعة لـ (حزب الاتحاد الديمقراطي) في عفرين، أسيكون أم أنه ما يزال في سياق زيادة الضغط على الأميركيين، للتراجع عن هذه الخطوة، وأخذ المخاوف والمصالح التركية بالحسبان.

يقول عبد الوهاب عاصي، الباحث في مركز (جسور): إن الأولوية، بالنسبة إلى تركيا “في ملف عفرين، ما تزال هي الوصول إلى تسوية سياسية مع القوتين العظميين: واشنطن وموسكو”، وعقّب في حديث لـ (جيرون): “وفق المؤشرات؛ فإن أنقرة بدأت تشعر بأن جميع محاولاتها الدبلوماسية خلال الفترة السابقة لم تجد نفعًا، ولم تنجح في دفع الولايات المتحدة إلى وقف دعمها (قسد)، وأخذ مصالحها بالحسبان، أي إن تلويح الأتراك، بأنهم ذاهبون إلى عمل عسكري على الأرض، قابل للتنفيذ في أي لحظة”.

أضاف: “العمل العسكري -في حال حدوثه- سيكون محدودًا، ويهدف إلى منح أنقرة ورقة ضغط، من خلال رسم واقع جديد على الأرض، قد يكون من خلال تشكيل حزام أمني في محيط عفرين، يمتد على كامل الحدود السورية التركية، والحدود العراقية التركية، وأعتقد أن أي تحرك عسكري على الأرض لن يستهدف عمق عفرين، وسيقتصر على محيطها، كاستعادة مدينة (تل رفعت) وغيرها من القرى والبلدات العربية”.

عدّ عاصي أن أنقرة “تنظر الآن إلى مصالحها الاستراتيجية في سورية نظرةً أكثر شمولية، ولم تعد تحصر تحركها في مسألة (قسد)، على اعتبار أنها قضية أمن قومي”، وقال: “توقيت التصعيد التركي مؤخرًا تزامن مع التحرك العسكري الكبير للنظام وحلفائه في ريفي حماة وإدلب، ومن هنا؛ أعتقد أن تركيا تسعى لإعادة النظر في مجمل مناطق خفض التوتر، بمعنى آخر: التواصل مع الروس لإضافة منطقة خامسة حول عفرين”.

في هذا الموضوع، قال مصدر -فضّل عدم الكشف عن اسمه- لـ (جيرون): إن “المعطيات السياسية والميدانية، المرتبطة بملف عفرين و(قسد)، شديدة التعقيد، ولا أعتقد أن من السهل على الأتراك إحداث خرق فيها وحدهم، وربما هم الآن يحاولون إعادة صياغة تحالفاتهم بخصوص القضية السورية، بطريقة تمكنهم من الحفاظ على مصالحهم”.

تابع: “قد تصل تركيا إلى دعم تحرك عسكري واسع لفصائل المعارضة المسلحة ضد (قسد)، في مدينة منبج ومحيط عفرين؛ ما يعني خلق أمر واقع جديد على الأرض، يمكن أن يجعل تركيا تحصل على مكاسب في مساوماتها مع الروس والأميركيين”.

لا تتوقف محاولة سبر احتمالات الأوضاع الميدانية وتداعياتها السياسية في شمال سورية، على المواقف التركية، وإمكانية شن عمل عسكري بدعم أنقرة يستهدف معاقل الميليشيات (الكردية)، بل ترتبط أيضًا -وفق العديد من المحللين- برؤية واشنطن التي تبدو -حتى اللحظة- غير جاهزة للتخلي عن الحليف (الكردي) في سورية؛ ما يجعل من الصعب التكهن بأن واشنطن مستعدة فعلًا للتخلي عن أحد حلفائها الرئيسيين في المنطقة مثل تركيا، من أجل (قسد).

في هذا الصدد، قال عاصي: إن واشنطن “تنظر إلى المشهد في الشرق الأوسط بشكل متكامل، وهذه النظرة تتعدى القضية السورية، وبرأيي إن واشنطن تسعى الآن لرسم حدود كيان كردي يمتد في العراق وسورية، ولكن ذلك لا يعني بأي حالة من الأحوال أنها تتخلى عن أنقرة”، معتبرة أن “العلاقة الاستراتيجية بين الطرفين أكبر بكثير من هذه القضية، وربما تسعى الولايات المتحدة لجعل الملف الكردي ورقة ضغط على حليفها التركي، إلى جانب أنه قد يشكل عائقًا أمام النفوذ الإيراني ويمنع الاتصال ما بين الوجود الإيراني في العراق من جهة، وسورية ولبنان من جهةٍ أخرى، إضافة إلى أنه ورقة ضغط حقيقية ضد موسكو”.

أوضح عاصي: “من هنا؛ ربما يمكن فهم الرفض الروسي، لأن دعم واشنطن لتشكيل عسكري (كردي) في شمال سورية يشكل عائقًا أمام مشاريع موسكو، ويعدّ تهديدًا لمصالحها ونفوذها، خصوصًا أن الروس موجودون عسكريًا شرقي نهر الفرات امتدادًا إلى مدينة تدمر، وكان لديهم نيّات لإنشاء قاعدة عسكرية متقدمة في تلك المنطقة، ومثل هذه الخطوة بدعم أميركي تشكل تهديدًا حقيقيًا لمصالحها الاقتصادية ونفوذها السياسي”.

مصدر (جيرون) رأى أن “الأتراك لن يقفوا مكتوفي الأيدي، وبالتالي قد نشهد تفاهمًا تركيًا روسيًا، ليس فقط بخصوص عفرين وما حولها، وإنما في ملف الشمال السوري عمومًا ومناطق خفض التصعيد، وصولًا إلى انسحاب الروس من عفرين وتسليم مواقعهم للنظام السوري. بمعنى آخر: وارد جدًا أن نكون أمام خرائط تحالفات جديدة في الشمال السوري، إلا أن كل ذلك يرتبط بالتطورات الميدانية والسياسية وشكل التسويات التي قد تنتج عنها”.

هذا الأمر رجحه عاصي أيضًا. وقال: “الروس شجعوا الأتراك للمصالحة مع النظام السوري –ليس الآن وإنما منذ وقت في وقت سابق- بهدف إيجاد مخرج للشمال السوري بشكل عام، أي المناطق الخاضعة لسيطرة المعارضة، ومن ثم الذهاب لمواجهة عسكرية مشتركة ضد (قسد)، ولكن ما يزال هناك تحفظات تركية على مثل هذه الخطوة؛ لأن أنقرة تعتبر أن النظام السوري هو من ساهم أساسًا بسيطرة (قسد) على أغلب المناطق، في شمال وشمال شرق سورية”. (م.ش)

 

1 عدد الردود

التعليقات مغلقة