الغوطة الشرقية.. سيناريو حصار

 

“سيكبرون، وهم يتقنون فلسلفة الموت دون تكلّفٍ أو لياقة مبتذلة، ويحتفون بذاكرةٍ تكفّل الحصار برسم ملامحها ومعالم إدراكها عن عالمٍ لم يروا منه سوى ركام القذائف، وفي طريقهم نحو الغد سيدركون حتمًا كيف يتحسّسون الحياة خارج مواقيت عداد القتلة، قبل أن يتعلّموا طريقة إحصاء أعمارهم على جدار هذا الخراب، ويكبرون أكثر بين قذيفتين استطاعوا، خلف ما تركته من غبارٍ، تشييد كوكب آخر يحتضن ابتسامتهم ببساطة تختزن كل معاني الخيبة، وحينئذ فقط سنطمئن إلى أنهم باتوا قادرين على منح هذا العالم جدارية مبتكرة عن صور الفقدان، هم وحدهم يعرفون معانيها وما قد تتركه في الروح من تشوهات وخدوش”.

هذا ما قاله الناشط أحمد الدومي، في أثناء محاولته أن يختصر تفاصيل حياة الأطفال داخل الغوطة الشرقية المحاصرة، وهم يعانون يوميًا كافة أشكال الموت المركبة والمعدّة “بعبقرية”، فاقت كل ما عرفته البشرية سابقًا، ثم يخيّم الصمت على المحادثة قبل أن يكمل الدومي: “ربما سيكبرون أيضًا وهم على يقين بأن ما من عدو استطاع هزيمتهم بالرغم من عجزهم عن تحقيق انتصار ناجز لطفولتهم، حتى اللحظة على الأقل”.

أضاف: “سيفاجئوننا بابتسامةٍ في غبار القصف تمنحنا مشهدًا يختصره طفل يعتلي دمار بيته، وهو يرفع إصبعين للنصر وعيناه تعانق السماء، تلك صورة سيحبها أولئك الأباطرة على ضفاف الوطن ببدلاتهم الراقية ولغتهم المنتقاة بعناية، وقد تفيدهم في النجاة من وخز الضمير في أثناء مواراة إنسانيتهم في مقبرة السياسة الدولية، لكن الحقيقة شيء آخر، أكثر وقاحةً.. مفادها أن أطفالنا يوميًا يُقتلون أو يولدون من رحم الموت بإعاقة دائمة وأرواح معطوبة، ونحن لا نستطيع شيئًا سوى العجز والبكاء”.

أنهى ذاك المحاصَر حديثه -مؤقتًا- ترك مفرداته تتكفل بصياغة ثوبٍ لغوي، ربما ينجح في استفزاز مشاعر قارئ عابر، قبل أن يمضي إلى تفاصيل يومه وهو مطمئن على أنه ما يزال على قيد الإحساس، وقد يُفلح أيضًا في إرضاء غرور محرر صحافي تعتريه رغبة في الشعور بالنشوة أمام إنجاز مهني طموح، إلا أن الواقع أكبر من ذلك بكثير وأشدّ تعقيدًا.

تتلاشى كل حدود الأبجديات، وتتصحّر جميع الأساليب البلاغية، في محاولة الاقتراب من تقصي إيقاع الحياة في سورية، هناك إعجاز عصيٌّ على الاستيعاب، قد يختصره السؤال: كيف يستطيع الناس في هذه البلاد أن تقف على قدمين، بعد كل ما حدث؟!

هذه نهاية تبدو جيدة، كلاسيكية أو مكررة بعض الشيء إلا أنها تفي بالغرض، لكن لحظةً، سيدي القارئ، امنحنا دقائق أخرى من وقتك، ثمّة سيناريو آخر أقل دراميةً يقول: إن في الغوطة الشرقية قرابة 400 ألف إنسان، نحو نصفهم أطفال، مات منهم، منذ 5 أشهر حتى الآن، عشرون أو ثلاثون -أو ربما أكثر- ليس بسبب القصف، هذه حكاية أخرى، بل بفعل الجوع، ومثلهم أو أقل قليلًا فارق الحياة؛ لأن الحصار يمنع إدخال الأدوية.

أطفال تركوا هذا العالم، وهم يوثّقون أنه في القرن الحادي والعشرون كانت أجساد على حدود دمشق أقدم العواصم، مجرد هياكل عظمية قبيل أن تسلّم الروح، دون أن يرمش جفن لهذا العالم المترامي الأطراف، أو يبادر الأشقاء في الوطن على بعد أمتار فقط لإعلان الحداد.

قال المصوّر عامر الموهباني من الغوطة: “الحصار تجربة لن ننساها ما حيينا، لن ننسى كيف أن السماء كانت تمطر قذائف الموت -ليل نهار- يرسلها سفاح هذا العصر القابع في دمشق، لن ننسى لحظات الخوف، حين نضمّ في كل ليلة أولادنا، ننظر إليهم ولا نعلم إن كنا سنفارقهم خلال دقائق أم ساعات أم أيام، الجميع خذلنا، يا سيدي، والأمل الوحيد بالخلاص من هذا الجحيم هو إعجاز إلهي، ما زلنا بانتظاره”.

أضاف الموهباني، في حديث لـ (جيرون): “ترك فينا الحصار أبشع ما يمكن أن تتركه أيّ تجربة من رواسب وصور في نفوس البشر، شوّه كل شيء في أرواحنا، في كل زاوية هنا رائحة دم وموت تزكم الأنوف، في كل شارعٍ الوجع يتوالد، كل التفاصيل التي تختزنها ذاكرتنا هي صور من يرحلون واحتمال من سيغادر غدًا أو بعد دقائق، لا مكان بيننا للفرح، حتى أطفالنا -إن وجدوا هامشًا للعب- يلعبون لعبة الحرب ويخوضون نقاشات وأحاديث حول أنواع الأسلحة”.

“الحصار لم يترك شيئًا له معنى، كل التفاصيل تغدو دون ألوان، كل ما أتمناه أن تنتهي هذه التجربة، علّنا نستطيع رؤية ما يوجد وراء حدود هذا الحصار، مهما بلغ من السخافة، كأن نمر بسوق ونجد المحال التجارية تتنافس على أفضل البضائع وأرخص الأسعار، في الأمس ولدت طفلة داخل أحد الأقبية في حرستا بلغت من عمرها 20 ساعةً من دون أن ترى النور، لأنها في ملجأ، ربما من أجلها فقط علينا ترديد (نحن محكومون بالأمل)”، هكذا ختم الموهباني حديثه.

في الغوطة أيضًا، ثمة لقطة أكثر “استعراضية”، حيث تطالعنا عدسات الكاميرات بصورة طفلٍ يدعى (أويس)، لم يتجاوز السادسة من عمره، كان يلهو في ظل أمه اتقاء ضراوة القصف، قبل أن يصحو وقد منحته الحداثة كراتٍ بلاستيكية عوضًا عن عينيه اللتين اختطفتهما شظايا القذائف (الوطنية)، وهو يصرخ مناديًا العالم أن يشيح غشاوة الظلام عما فقد قبل قليل، كي يبصر وجه أمّه من جديد!

في اللقطة الأخيرة، ترك الدومي صمته وقال: “سيمتدّ هذا الحصار كثيرًا، يومياتنا لن تتعدى إحصاء عمليات القصف، ومن سيرحل من أحبة، وختام مشاهدنا سيكون على أطراف مقبرةٍ جماعية، ونحن على يقين بأننا سنعايش القيامة في كل لحظة، ومن غبارها سنختطف طفلًا أخطأه الموت، ولو إلى حين، ونعلم أننا بأشلائنا نحاول صناعة واقع مغاير، لا نمتلك أسلحة سواها، من أجل جسر عبور إلى مستقبل يوفر لحظة أمان واحدة لطفلٍ ما زال على قيد الحياة. هنا، نحن لم نحلم بأكثر من حياة بسيطة، عادية، لكننا نريد أن نحياها كما نرغب، خاليةً من مقاصل الأحلام، وندرك أنها لن تكون دون قطيعةٍ كاملة وناجزة مع الماضي بكل عناوينه وملامحه وأدواته”.

 

1 عدد الردود

التعليقات مغلقة