سورية… التجنيد “ما فوق الإجباري”

كشفت المعارك الجارية، في ريف إدلب الجنوبي وريف حماة الشرقي وحرستا في ريف دمشق، عن أساليب جديدة يستخدمها النظام تصل إلى أدنى درجات الخِسةِ والوضاعة، ففي تصرّف لا أخلاقي ولا مسؤول، وجد النظام طريقةً شيطانية للتخلص بشكل رسمي من المعتقلين، وبخاصة من لهم أسماء على جداول الخدمة الاحتياطية، إذ أمر بإطلاق سراحهم، وفي اللحظة ذاتها، تم تسليمهم للشرطة العسكرية، ليتم تسليمهم لقطاعات الجيش، كوقود لمعارك بشار الأسد مع طواحين الهواء.
كان من اللافت جدًا الصور القادمة من المعارك، في ريف إدلب الجنوبي، لجنود الجيش السوري يسيرون على أقدامهم في أرض مكشوفة تمامًا من دون مرافقة لآليات مدرعة أو أسلحة متوسطة مثل مضاد الدروع، كما كان من اللافت التفاوت الكبير بين أعمار الجنود، وهي تراوح بين العشرين والأربعين، وكانوا يتحركون بطريقة عشوائية لا تدل على أنهم جنود محترفين، أو أنهم قد تلقوا تدريبًا عسكريًا ولو بشكلٍ بسيط، وهذا ما يُفسّر تلك السهولة بقتل عدد غير قليل منهم، وأسر ما يزيد عن أربعين شخصًا، خلال أول ساعتين من المعارك.
الصورة العامة للمعركة تدل، بشكل شبه قطعي، على أن النظام قد فقد جميع عناصره المُدرّبة، ولَم يبق من الجيش السوري سوى حفنة من كبار الضباط والجنود الذين يعملون في الناحية الإدارية، وليسوا على خطوط القتال، وإن لجوء النظام السوري إلى هذه الأساليب في التجنيد يشي بانهيار تام لبنية الجيش الذي كان من المفترض أنه محترف، ويُحضّر نفسه لـ “تحرير القدس”.
هذا ما حصل مع أحد أبناء صديق قديم، إذ تم اعتقال ابنه من مقر عمله، قبل ثلاثة أعوام ليتفاجأ اليومَ بخبر استشهاده على جبهة حرستا. خبر أتى كالصاعقة على العائلة التي تعلم يقينًا أن ابنها في المعتقل منذ ثلاث سنوات، وأنه قد أدى خدمته الإلزامية، قبل نشوب الثورة السورية بزمن طويل. وفي ظل الفاجعة، استطاع صديق مقرب من الأسرة فك ألغاز القصة، فتبين أنه تم إطلاق سراح الشاب (س. أ) من معتقلات النظام الساعة الثانية عشرة ظهرًا، وتم تسليمه في اللحظة ذاتها إلى ضابطة الشرطة العسكرية، لكون اسمه مذكورًا في لوائح التجنيد الاحتياطي، وقامت ضابطة الشرطة العسكرية على الفور بتسليمه لمقر قيادة الحرس الجمهوري، وبعد عصر اليوم ذاته كان يرتدي البزة العسكرية مُسلحًا ببندقية روسية، حيث تم نقله ضمن مجموعه تتألف من ثلاثين شخصًا، يرأسهم ملازم حديث التخرج من الكلية الحربية، وبعد غروب الشمس، كانت المجموعة بكاملها محاصرة من قبل المقاتلين في حرستا، وفي صباح اليوم التالي قام الطيران الروسي بقصف مكان اختباء ذلك الشاب ومجموعته، وبعدها تم إخبار أسرة الشاب بنبأ (استشهاده)، تاركًا أربعة أطفال وزوجة بحاجة إلى الرعاية.
هذا ما أكده أيضًا أحد جنود النظام الذي وقع في الأسر، على يد مقاتلي المعارضة في حرستا، حيث أفاد الجندي الأسير عن سعادته بالأسر، وأنه ورفاقه لم يكونوا يعلمون بأنهم سيقاتلون في حرستا، حتى وصلت بهم الحافلة لأقرب نقطة لخط النار، بعد أن كان الضابط المسؤول قد أخبرهم قبل انطلاقهم بأنهم ذاهبون لحماية مقر الفرقة التاسعة، وحين وصولهم، أخبرهم أحد الضباط أن عليهم الوصول إلى أحد المباني التي أكد لهم أنها آمنة، وأن على يمينهم ستكون قوات جمعية البستان وعلى يسارهم الحرس الجمهوري. وما إن وصلت المجموعة حتى اكتشفوا أنهم محاصرون، ولا وجود لأي قوة لا على اليمين ولا اليسار، وأنهم بلا ماء ولا طعام، فقاموا في اليوم التالي بتسليم أنفسهم لمقاتلي المعارضة، وبرر تسليم نفسه بطريقة تعامل قيادة الجيش، من حيث إهانة الجنود وتركهم بلا طعام ولا شراب، وفي النهاية خيانة النظام لهم بإرسالهم إلى أخطر جبهاته، دون إخبارهم ودون تأمين أدنى درجات الحماية لهم.
على ما يبدو أن بشار الأسد لم يكتف بقتل المدنيين وتدمير المنازل على رؤوسهم وتهجير البقية، بل هو ماض في مشروع الولي الفقيه لتدمير ما تبقى من الجيش، وقتل ما تبقى من أفراده، تمهيدًا لتسليم البلاد لقوات متجانسة تخدم نظامًا متجانسًا، قوامه قوات قيس الخزعلي وحسن نصر الله، من أجل تعقيد عملية ترحيله عن الحكم، ولن يكون مستغربًا على الأسد أن يُصدر مرسومًا بتعيين قاسم سليماني أو قيس الخزعلي وزيرًا للدفاع، لكون (القوات الرديفة) أصبحت أكبر عددًا وعتادًا من الجيش الرسمي السوري.

1 عدد الردود

التعليقات مغلقة